الرئيسية / إضاءات / نصر سامي: الشعر عمل عميق في لحم اللغة ولحم العالم

نصر سامي: الشعر عمل عميق في لحم اللغة ولحم العالم


*حاوره: فيصل رشدي


خاص ( ثقافات )
نستضيف في هذا الحوار الشاعر والكاتب التونسي نصر سامي، الذي يعتبر أحد أبرز الشعراء الشباب في تونس والعالم العربي. فهو من مواليد مدينة سيدي بوزيد عام 1972، صدر له العديد من الدواوين الشعرية أبرزها : ” ذاكرة لاتساع اللغات عام 1996″، تلاه ديوان آخر بعنوان ” أنهار لأعالي الضوء عام 1997″ وله أيضا دواوين أخرى. 
لم يقف سامي فقط عند الشعر بل له أيضا دراسات أكاديمية ومقدمات قدمها لكتب وروايات عالمية مترجمة إلى اللغة العربية مثل رواية ” انقطاعات الموت لجوزي ساراماغو ، ترجمة صالح علماني”. وله دراسة أكاديمية بعنوان” الجسد في شعر محمود درويش ” عام 2014 ، إضافة إلى كتابته للمسرح فقد أهدى سامي للمكتبة العربية مسرحية رائعة وهي مسرحية ” العشاء الأخير”. حصل سامي على جائزة الشارقة في صنف أدب الطفل.
مرحبا بك الأستاذ سامي نصر .

1 لو بدأنا معك أول سؤال، كيف بدأت تكتب الشعر؟
-بدأت متى؟ لا أدري؟ يبدو لي أنني بدأت مبكّرا، لم أحفظ القرآن، لكنني تسمعته من شباك الكتّاب حين كنت أذهب مع شقيقي الأصغر، فيم منعت أنا لأنني أكبر منه بسنتين، ولم أكن في ذلك الوقت ماهرا بأيّ هواية، والحق أن جلمة وهي إحدى معتمديات سيدي بوزيد لم يكن للأطفال بها هوايات غير اللعب العشوائي بأيّ شيء، ولم أكن أحبّ ذلك، حبّ الدراسة منذ الصغر وعناية المعلمين وحصص المطالعة المبكرة في المدرسة وحرص المعلمين على حصص التعبير باللغتين كان له دور عميق في الإفاقة المبكرة على أنّ التعبير مهارة تدرك بالتدريب، ولكن أظنّ أن ما ترك علامة كبيرة داخلي ووعيا بالكتابة هو قراءة الكتب وخصوصا الكتب التي تروي الحكايات مثل ألف ليلة وليلة وسير الأبطال، وغيرها من الكتب مثل كامل كيلاني وكتبه البديعة، لكنّني لم أكن في ذلك الوقت المبكّر أظن أن الكاتب هو بشر مثلي ومثلك، كنت أتخيّله شيئا عاليا وبعيدا، وغائبا.. ولهذا كانت رؤيتي للشاعر مظفّر النواب في قاعة دار الشعب بجلمة وأنا طفل حدثا استثنائيا، إذ رأيت لأوّل مرة شاعرا يمشي على قدميه، وإن لم أفهم شيئا ممّا قرأه في ذلك الوقت. فيما بعد كانت قد بدأت تنتشر حولي في المعهد تسمية الشاعر بحقّ أو بدونه، والحقّ أن هذه الصفة في ملازمتها لي مكنتني من امتيازات صغيرة كانت تبدو لي مستحيلة دون هذا اللقب الذّي لم يكن يعني شيئا على وجه الدقة. الشعر كما أفهمه الآن وكما أومن به بدأته في الجامعة، بعد لقائي بأستاذين على درجة عالية من الأهمية أحدهما محمد لطفي اليوسفي الذّي درسنا عنده أهم الأسماء الشعرية الحديثة بدءا بالسياب، ومحسن بالعربي الذّي درسنا عنده في دروسنا الأولى المتنبي، أفقت بسرعة على نتيجة مفادها أنّ الشعر عمل عميق في لحم اللغة ولحم العالم، وأنّ القراءة والتجربة مفتاحان ضروريان للدخول إلى عالم الكتابة. الآن أكتب بنفس الهدوء الذّي بدأت به، ويسرّني دائما أنّ الكتابة لا تزال تزرع حقولي بأفضل الأعطيات.
2 ماهي طقوس الكتابة التي تتبعها في كتابة قصائدك؟
-لا أعرف، في الغالب الإجابة السريعة هي ليس لي أيّ طقوس، لأنّني في الأصل لا أحبّ أن أكون كاتبا، وفي الغالب أيضا صورة الكاتب التونسي تحديدا لا تعجبني، ولكنّني كتبت.. دون أيّ طقس خاص، يمتلئ رأسي في الغالب بأفكار يتوجّب عليّ كتابتها، هكذا بكلّ بساطة، قبل فترة كنت أنهي النص وأقرؤه على المقربين منّي، لكن الآن، لا، ينتهي النصّ،ولا يقرؤه أحد، ربما، لسنوات، ثم يصدر، وفي الغالب أيضا لا يهتمّ به أحد، في أحيان قليلة تخوض بعض النصوص حياتها الخاصة بعيدا عنّي، فتصلني منها أصداء لطيفة، تزهر حديقة في الخلف، وتضاء في الرّوح شرفات، لكن هذا لا يحدث غالبا إلا خارج البلد، يموت بعض الكتاب دون أن ترمى لهم وردة، المهم، فيما يخصّني، وبعيدا عن هذه الأفكار المؤلمة، لا أبدو مهتمّا بطقوس معيّنة، لأنّني أعتبر الكتابة مهنتي، أمارسها بقلق وخوف، ولا أنتظر منها شيئا. تأتي القصائد لأنّها موجودة في ضمير الغيب بطريقة ما، وربّما وجدت هي طقسها الخاص بين يديّ.
3 من هم أهم الشعراء العرب والعالميين الذين تأثرت بهم؟
-أقرأ بكثافة، تسيطر عليّ رغبة معاشرة النصوص القديمة، وخصوصا المفضليات في الشعر وألف ليلة وليلة في السرد، وأهتم بالشعر الحديث والأدب العالمي وقراءة الرواية العالمية.. ما أقوله عادي جدا، أفضل ما يفعله الكاتب أن يقرأ، لا أن يكتب.. أقرأ أيضا لمجايليّ من تونس ومن العالم العربي، ويمكنني الجزم بأنني مطلع على المتن السردي والشعري التونسي كله، القراءة ضرورية ومفيدة وهي خير تدريب للكاتب.. يعجبني كتّاب بلا عدد، عربيا وعالميا، ومن لا يعجبني بجميع أعماله تعجبني مقاطع له أو أسطر، أحبّ أن أذكر واحدا فقط لعله الأكثر أهمية بإطلاق، وهو الشاعر العراقي حسب الشيخ جعفر، أحبّ كتبه البديعة وخصوصا زيارة السيدة السومرية، وأحبّ انزواءه وبعده عن الجميع وطريقته النابضة بالمعرفة وبالجمالية الأسلوبية.. التأثّر ضروري لكنّك حين تنغمس بعمق في عوالم كتّاب متعدّدين يصبح دم الكتابة موزعا على قبائل من الكتّاب، يتحقّق للكاتب من القراءة ما لا يتحقّق إلاّ بالتجربة، فإذا حصّلهما معا، فإنّه يحقّق الغاية.
– 4المتتبع لقصائدك خاصة قصيدة “جواز السفر” يجد أن للطفولة لها بعد كبير في أشعارك، ماذا تعني لك الطفولة؟
-قبل الإجابة أهدي للقرّاء القصيدة التي تقصدها بالسؤال، ثم أجيبك:
كبرت، 
ولم تنتظرني الحياة
كما انتظر الحبّ طائر
كبرت، وها أنّني في الرّماد المسافر،
شرارة نار
مخبّأة 
في الرّماد المسافر.
* * *
كبرت، 
ولم تنتظرني النساء
وقد فاتني أن أكون الصّديق
وقد فاتني أن أكون العشيق
وقد فاتني في الطّريق
إلى ظلمتي 
كلّ ذاك الرّماد المضاء
* * *
كبرت، 
كبرت إذن
دونمارغبة في الكبر
نما في عروقي جواز السّفر
وصرت 
أسير 
جواز 
السّفر
* * *
يراودني ألف حزن هنا 
في البلاد البعيدة 
ووجهي الذّي في الجريدة 
يهدّدني
ويمهّد ليل القصيدة
… الطفولة في هذا النصّ بعيدة يغتالها في البعد شجن السفر وسكاكين الغربة، تحضر صارخة فزعة لكن أيضا خضراء بدكناتها الغامضة وسلامها المريح. في الشعر نهرب باتّجاه ذلك الوقت الذّي كان كان أقلّ دمويّة، وأقلّ حزنا، وأقلّ خوفا.. وأقلّ مسؤوليات. حيث لا شيء يحدّ من رؤيانا، ولا صوت يمكنه تقييد حرياتنا، الذكرى وأنت بعيد تلفّك بعمق، تغويك، يصبح كلّ شيء بديعا ومغويا، حتّى علاقاتك السخيفة، حتى نصوصك المرميّة، حتى الشجيرات النابتة لوحدها في طريق البيت. تتذكّر طفولتك لكيّ تمسح بها زقتك الذّي بدأ يصدأ، وروحك التّي بدأت تهرم، وقلمك الذّي بدأ تدريجيا وعميقا يدخل في مسارب مظلمة. ما جواز السفر إذن؟ لعلّه الطفولة، جواز سفرنا الآمن إلى مستقبلنا. وهي على كلّ حال قماشة لا يعرفها أحد، تعلّمنا الأيام كيف نفصّل منها القمصان والسراويل وأربطة العنق، وربما الحبال أيضا..

5 كيف يتجسد الوطن( تونس) داخل قصائدك؟
-الوطن يحضر في نصوصي الأخيرة بشكل لافت، هل أتقصّد ذلك؟ لا دون شك، لكن أعتقد أن تيمة الوطن هي إحدي التيمات التّي يمكن دراستها في نصوصي، كيف ستجسّد؟ لا أدري، ربما الإجابة السريعة هي أنه يحضر مثل أمل، مجنّحا وبعيدا وسالما من كلّ من يريد به شرا، أمّا عمليا، فأترك الأمر لمن يهتم من النقاد بدراسة هذا الموضوع في شعري. لقد كتبت ديوانا شعريا للأطفال أسميته “أغلى ما في قلبي الوطن”، وكان للوطن فيه حضور طاغ.
6أنت تكتب باللغة العربية الفصحى أشعارك، هل ينحصر الشعر لديك فقط في اللغة العربية أم يتعداه إلى اللهجة التونسية المحلية؟
-أكتب أساسا باللغة العربية، شعرا ورواية ونقدا، لكنّني لا أتردّد في الكتابة باللهجة المحلية، حيث أصدرت عملا مسرحيا “العشاء الأخير”، ولدي أعمال أخرى جاهزة مكتوبة باللهجة المحلية، وكتبت عديد الأغاني.. الفرق ليس كبيرا، أشعر أنّهما لغتان تتناميان في أفق واحد، وحين تكتب في أفق بلاغي ثريّ فإنّ التعبير الدارج لا يخونك جماليا وبلاغيا، وهو قريب المأخذ، سهل الفهم، مطعّم بأدبيات كثيرة، وليس خطابا محاّيا محدود التأثير والفهم، وبعض الفقرات فيه يمكن فردّها للعربية بسهولة. ويمكن أن نتفطّن لجمال اللهجة حين تنقل إلى لغة أخرى مثل الفرنسية، وقتها لن تكون أقل من نظيرتها العربية. 

7 مؤخرا ترجمت أحد قصائدك إلى اللغة الاسبانية، ماهو انطباعك اتجاه هذه الترجمة ؟
كان لي الحظ أن تفطنت منذ البداية إلى أهمية ترجمة نصوصي إلى بعض اللغات مثل الفرنسية والأنجليزية وبعض اللغات الأخرى، وآخرها الإسبانية من طرف الصديقة المبدعة أليسيا راميراز منجاريز، ولقد صدرت بعض ترجماتها لشعري في مجلات في اسبانيا، وفي موسوعتين في الهند وفي الولايات المتحدة الامريكية، وقبل ذلك صدرت لي كتيب بافرنسية والايطالية والعربية في ايطاليا وكتيب في فرنسا بالعربية والفرنسية، ونعد الآن لصدور كتاب يضم مختارات من شعري من طرف المترجمة المذكورة سابقا. وهناك مترجمة تشتغل على ترجمة روايتي. أما انطباعي فهو غائم وغير واضح، لأنّ المأمول أكبر ممّا هو متحقّق، لكنها بداية تستحقّ الاهتمام. 
8 هل يستطيع الشعر أن يكون رسالة تبعث السلام والمحبة والإخاء بين جميع الشعوب؟
-لا أستطيع تعريف الشعر بوصفه رسالة فقط، الشعر ألم ومحنة، وفهمه خارج هذا السياق المأساوي تضييع لبعده الأجمل وهو البحث عن إقامة أفضل للكائن في عالمه المهدّد بالحرب وغياب العدالة والعنف والشرور، ولكنّ الشاعر مطلقا منشدّ إلى قيم كبرى، وهو كثيرا ما يضيع قيمه الكبرى حين يخذلها جماليا، ولا يقدر على كتابتها بشكل إبداعي، فتصبح مهددة لا بفعل الواقع المتردي فقط، بل بغياب الأدبية وحضور المباشرتية، وتصبح المؤسسات المشغّلة للشعراء سببا في فساد ما يكتب. كم من شاعر بلا رسالة لكنه أعلى من شأن الشعر، وكم من شاعر معبّإ بالرسائل لكن شعره وضيع خامل الذّكر ليس له ذكر.
9 كيف تنظر الى مستقبل الشعر العربي؟ والأجيال الصاعدة التي تكتب الشعر؟
-من خلال تجربتي في كتاب الشاعر وهو الكتاب الفصلي الذّي أشرف عليه، تصلني كتابات رائعة من العالم العربي ممّا يعني أنّ مستقبل الشعر بخير، ونحن نتوجّه أكثر إلى الأجيال الجديدة الصاعدة، وهي تحاول أن تجد ذاتها وأن تستفيد من التحولات المتواترة في المعرفة وفي التكنولوجيا. وبعيدا عن هذا الكتاب فإن واقع الشعر العربي اليوم مليء بالجديد، وفيه بعض التجارب العميقة الفارقة، التّي تبدو على دراية عميقة بما وصلت إليه الحداثة، يقول البعض إنه زمن الرواية، لكنّني أعتقد أن الشعربصورة عامة والشعري بصورة خاصة يحتل حيزا كبيرا من محتوى أهمّ رواياتنا اليوم. ممّا ينبيء بعودة قوية للشعر.

شاهد أيضاً

هَوَامِشٌ عَلى دَفْتَرِ الشُّجُونِ التَّعْلِيمِيَّةِ

خاص- ثقافات *الدُّكْتُورُ بَلِيغ حَمْدِي إسْمَاعِيل ثمة إشارات عن النظام كمحنى إنساني جديرة بالاهتمام والتبصير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *