الرئيسية / إضاءات / أحلامٌ في زمن الحرب.. مذكّرات طفولة.(10)

أحلامٌ في زمن الحرب.. مذكّرات طفولة.(10)


*ترجمة وتقديم لطفية الدليمي



نغوغي وا ثيونغو Ngugi Wa Thiongo : كاتب كيني بارز يكتب في حقول الرواية والقصة القصيرة والمقالة ، وتتناول أعماله مساحة واسعة من الاشتغالات تمتد من النقد الاجتماعي والأنثـروبولوجيا الثقافية وحتى أدب الأطفال ، وهو من المرشحين المهمين لنيل جائزة نوبل في الأدب . سأقدّم على مدى حلقات متتالية ترجمة لجزء من كتاب واثيونغو ( أحلام من زمن الحرب : مذكرات طفولة ) الذي يعدُّ وثيقة أدبية مهمة في شكل سيرة حياتية تكشف عن الواقع الإجتماعي السائد في معظم المجتمعات الأفريقية في حقبة الهيمنة الكولونيالية.
المترجمة
كان هناك بعض المشاهد البصريّة التي لاتزال عالقة بذاكرتي بشأن الجنود الذين كانوا يعبرون ليمورو ويعلقون أحياناً في مسالكها الموحلة ، و لأجل جعل تلك المسالك أكثر سهولةً للعبور فقد عمدت الحكومة إلى توسيعها وإكسائها بطبقةٍ من المورام Murram ( نوعٌ من مادّة طينيّة غنيّة بأكاسيد الحديد والألمنيوم ، تستخدَمُ لإكساء الطرقات في أفريقيا الإستوائيّة ، المترجمة ) ، وتخلّفت عن أعمال الإكساء حفرةٌ مستطيلة بمساحة ملعب كرة قدم تقريباً وتقعُ بمحاذاة مستنقعات المياه في مانغو حول أحد أطراف كيمونيا ، ومع بعض التحسينات على ذلك الموقع تمكّن الجنود العابرون بالمنطقة من ركن شاحناتهم العسكريّة على حافّة الطريق وخطف بعض اللحظات الثمينة لتناول غدائهم في فضاء مفتوح حيث أغصان الغابة القريبة تغطّي المكان حولهم ، واعتاد هؤلاء الجنود إعطاء بعض البسكويت واللحم المعّلّب إلى الأطفال المسؤولين عن رعي قطعان الماشية ولطالما اعتاد أحد أشقّائي ، نجينجو وانجيري ، ( الذي كان المسؤول الرئيسيّ عن رعي قطعان والدي ) على جلب شيء من ذلك البسكويت واللحم المعلّب إلى المنزل وكان لا يتعبُ من الحديث عن هؤلاء الجنود لكنّه لم يذكر مرّة أنّه رأى أخي ( جوزيف كاباي ) بينهم ، وكنت أتساءلُ : هل كان جوزيف كاباي هو الآخر واحداً من بين الجنود الذين يوقفون شاحناتهم العسكريّة على حافّة الطريق ليتناولوا شيئاً من البسكويت واللحم المعلّب ثمّ يمنحوا شيئاً منهما للأطفال الرّعاة ؟ 
حصل ذات يومٍ أن حادت شاحنتان محمّلتان بالجنود عن الطريق و انحرفتا باتّجاه الحفرة المستطيلة ؛ فما كان بوسع بقيّة شاحنات الأسطول إلّا أن تتوقّف على جانب الطّريق . كانت ثمّة صعوبةٌ بالغة في الحركة بين المنقِذين وهؤلاء الذين يتمُّ إنقاذهم وانتشرت الأخبار بسرعةٍ بالغة بين القرويّين الذين سرعان ما تجمّعوا لرؤية الجرحى والموتى من الجّنود وهم يُخلون بعيداً ، وتعالت أصوات النحيب التي كانت مؤذية للحاضرين – و بخاصّة لنا نحن الأطفال – ، وما فاقم الأمر على عائلة ثيونغو أنّ شائعةً سرت بين السكّان تحكي عن وجود أخي كاباي بين جنود تلك القافلة العسكريّة ، ولم يكن أمامنا من مصدر موثوق لنسأله وفاقمت الحكومة مخاوفنا حين لزمت الصّمت الكامل . شعرتُ بيأسٍ كامل وأسىً مطبقٍ يجتاحُني تجاه بطل حرب هو أخي الذي تيقّنتُ أنّي لن أراه إلى الأبد ، ولكن على عكس ما توقّع الجميعُ عاد أخي ذات ليلةٍ إلى المنزل في شاحنةٍ عسكريّة تشقُّ أضواؤها الأماميّة قلب الظّلام . لم يكن من سبيلٍ يوصلُ الشاحنة إلى دارنا لذا لم يكن أمام سائق الشّاحنة سوى القيام ببعض المناورات في المسالك الالتفافيّة حول مزرعة السيّد كاهاهو سعياً لِبلوغ منزلنا ولكنّ لسوء الحظّ علقت الشاحنة في الأوحال بعد أن أخذ المطر ينهمرُ بشدّة . قضى الرجال المرتدون الملابس الخاكيّة وقبعات الجيش المميّزة معظم الليل وهم يحفرون حول إطارات الشاحنة بغية تسهيل خروجها من الوحل مستعينين بأضواء الفلاشات التي بحوزتهم ، وراح الناس يتجمّعون حول العسكر ولم يكن باستطاعتي تمييز كاباي بينهم إلّا بعد أن ترك أحد هؤلاء العسكر رفاقه منهمكين في الحفر وجاء ليلقي عبارات تحيّة سريعة على أفراد العائلة ، وعلمنا من كاباي أنّه كان عائداً من وغى المعارك الدّائرة في أفريقيا الشرقيّة لكي ينال قسطاً من الرّاحة مع رفاقه في نايروبي قبل أن يُعاد نشر وحدته العسكريّة للقتال في جبهة مدغشقر وربّما حتّى جبهة بورما البعيدة للغاية . بدا واضحاً للجميع أنّ كاباي ورفاقه العسكريّين قد انطلقوا بالشاحنة من غير إذنٍ على أمل أن يقضي كاباي بضع ساعاتٍ بين أفراد عائلته ويروي بالتالي ظمأه للمنزل الذي فارقه منذ سنواتٍ عدّة ، وكانت تلك مناسبة له ولرفاقه العسكر الذين لايتحدّثون الغيكويو والبعيدين عن عائلاتهم أيضاً لكي يذوقوا وجبة ساخنة من اللحم المطبوخ منزليّاً بدل الاكتفاء بحصصهم المقرّرة من البسكويت واللحم المعلّب . أشار كاباي إلى بعضٍ من البلدان التي ينتمي لها رفاقه العسكر : أوغندا ، تانجانيقا ،،،، وأكّد كاباي أنّ فرقة حملة البنادق الملكيّة الأفريقيّة تضمُّ أفراداً من كلّ أنحاء افريقيا ، وبدا الجميعُ في عجلة من أمرهم فتناولوا وجبتهم في سرعة فائقة لانّهم أرادوا العودة إلى مخيّمهم في نايروبي بأسرع وقت ممكن لذا لم يكن أمامنا الكثيرُ من الوقت لنقضيه مع كاباي ، و خلدتُ إلى النّوم في تلك الليلة وأنا أفكّرُ مليّاً في تلك الدراما التي رمى أخي نفسه وسط أتونها وبدا لي الأمرُ كما لوكان كاباي أحد الشّخوص الخياليّة في الحكايات التي نسمعها وقد قفز خارجاً ليقول ” أهلاً ” ثمّ ليعقبها على الفور بِـ ” مع السّلامة ” وَيعودُ ثانيةً ليختفي بين ثنايا تلك الحكايات ، ولم أكن أرى في عودة أخي إلى كوخ والدتي أو قضائه معظم الليل وهو يحفر حول إطارات الشاحنة العسكريّة المغروزة في الوحل أيّة سمةٍ من عملٍ بطوليّ يليقُ بمن عاد إلى الوطن بعد مقاتلته الغيلان المتوحّشة ، ولكنّ المثير في الأمر كلّه هو أنّ تلك الشاحنة كانت بالفعل المركبة الآليّة الأولى التي تصلُ تخوم فنائنا . أدركنا لاحقاً كم كان أخي شخصاً مؤثّراً عندما لم يكن بوسع ربّ الأرض أن يثير أيّة شكوى بشأن آثار المسالك التي تركتها عجلات الشّاحنة على أرضه المزروعة و كذلك على أغصان الأشجار المدلّاة على الأرض في بستانه العامر بالأشجار، وحفرت تلك الحادثة آثارها عميقاً في عقلي وما زالت ذكرى الحرب العالميّة الثّانية تقترنُ عندي على الفور بذكرياتي عن تلك الشّاحنة العسكريّة التي انغرزت في الوحل قريباً من كوخ والدتي . 
لم أعُد أدرك اليوم كم مضى على عودة كاباي لمنزلِنا عندما حصلت أمورٌ كنتُ أراها عجائبيّة ولا تقلُّ سحراً وغرابة عن حكاية كاباي ذاته : حضر رجلٌ أبيضٌ أحد الأيّام إلى منزلنا ولبث واقفاً في الفناء !! ، وعلى الرغم من أنّ البيض هم من كانوا يمتلكون مزارع الشّاي الممتدّة على الجهة الأخرى من السكّة الحديديّة وأنّهم هم من كانوا يمتلكون مصنع باتا للأحذية في ليمورو فإنّ أقرب شيء رأيته في حياتي يمتُّ بصلةٍ إلى الأوربيين البيض حتّى ذلك الحين هو العاملون في الحوانيت الواقعة في المجمّع الهنديّ ، ولكنّني رأيتُ ذلك اليوم رجلاً ابيض واقفاً على قدميه في فناء منزلنا !! وطفقنا نحن الأطفال نركضُ حول الرّجل مردّدين بصوتٍ عالٍ ( موثونغو ،،، موثونغو ) . تفوّه الرّجل أخيراً بكلماتٍ قليلة من قبيل : بونو ، أو بوينا ، ثمّ طلب بعض البيض فأعطته والدتي ما يريد على الفور ولم تقبل بأيّ مقابلٍ نقديّ لقاء ذلك فما كان من الرّجل إلّا أن يتلفّظ بمفردة ( غراتسي Grazie ) ومضى بعيداً و هو يردّدُ ( تشاو Ciao ) التي اعتبرناها مفردة مناسبة للتعبير عن الشكر والامتنان ، وتبعنا – نحن الأطفال – ذلك الرّجل الأبيض ونحن نصيح بأعلى أصواتنا ( موثونغو ،،، موثونغو ) ، ثمّ حلّت المفاجأة الصّادمة : رأينا حشداً من الرّجال البيض يعملون في إكساء طريق ولم يكونوأ مُكتفين – كما عهدناهم من قبلُ – بمراقبة العمّال السّود أو الإشراف عليهم بل كانوا هم ذاتهم يقطعون الحجارة المستخدمة في رصف الطريق ، واعتاد الكثيرُ من هؤلاء العمّال البيض على القدوم إلى فناء منزلنا طلباً للبيْض وهم يردّدون كلماتٍ مثل : بوناسيرا ، بونجورنو ، برودنو ، غراتسي ،،، ولكنّ الكلمة التي لطالما تردّدت على ألسنتهم وعلقت بذاكرتنا جميعاً هي ( بونو bono ) لذا عزمنا على تسمية أيّ واحدٍ من هؤلاء بإسمٍ مستعار هو ( بونو ) ، وعلمتُ فيما بعدُ أنّ هؤلاء كانوا أسرى حربٍ إيطاليين وقد أُسِروا بين شهري أيار و تشرين الثاني من عام 1941 بعدما استسلم الإيطاليّون في ( أمبا إلغا ) وَ ( غوندار ) و انتهى باستسلامهم هذا ذكرُ الحملة الأفريقيّة الشرقيّة . كان هؤلاء السّجناء يعملون كعمالةٍ مستوردةٍ جيء بها لإكساء الطريق الرابط بين نايروبي والمناطق الداخليّة من كينيا وبموازاة خطّ السكّة الحديديّة الذي أنشأته العمالة الهنديّة المستوردة ، و مع الوقت صار وجود هؤلاء البيض مشهداً طبيعيّاً ومألوفاً في قريتنا إلى حدّ بات فيه كلّ منزلٍ في القرية يمتلك حكايته الخاصّة به و التي يرويها عن هؤلاء الإيطاليّين.
___
*المدى

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *