الرئيسية / نصوص / أصوات من السودان… قصص بطعــم البابايا

أصوات من السودان… قصص بطعــم البابايا



*حسين بن حمزة


نكاد لا نعرف شيئاً عما يُكتب في السودان في السنوات الأخيرة، وما نعرفه لا يتعدى العناوين العامة أو مجرد معرفة عابرة ببعض الأسماء التي ذاعت واشتهرت خارج السودان. نتذكر أمير تاج السر الذي باتت أعماله متداولة بشكل جيد بعد نشرها في بيروت والقاهرة، والروائي والشاعر طارق الطيب المقيم في النمسا، والروائي حمور زيادة الذي ما كنا لنسمع به لولا فوزه بجائزة «نجيب محفوظ» العام الماضي، وترشيحه للقائمة القصيرة لجائزة «البوكر» العربية. كأن الخارج أو ما كان يُسمى «المركز» هو الذي يأتي بأسماء من «الأطراف» كي يتم الاعتراف بها وقراءتها وإدخالها في سياقات أسلوبية معينة. رغم ذلك، ظل النص أو النصوص السودانية على مسافةٍ ما مع عموم النصوص العربية، ولا تزال تُعامل كنصوص زائرة ومستجدة على المشهد الأدبي العربي الشامل، وخصوصاً في عواصم «المركز». ما يُتداول بشأن الأسماء والنصوص الجديدة في السودان قليل، ويكاد لا يتجاوز فكرة علاقة هذه الأسماء بسؤال عام يتمثل في البحث عن التجارب التي جاءت بعد ريادة الطيب الصالح، ويتمثل أيضاً في «فحص» جديّة هذه الأسماء وجدارتها وموهبتها أيضاً. لا نعرف المسافة التي قطعها الكتّاب الجدد في السودان عن إرث صاحب «موسم الهجرة إلى الشمال»، ولا نعرف كذلك تفاصيل مضمونية وأسلوبية واضحة عن محاولاتهم لخرق هذا الإرث، ولا نعرف إن كانت طموحاتهم الفردية ذاهبة باتجاهات أخرى مثلاً، والأهم أننا لا نرى محاولاتهم في خرق ذاكرتنا الآمنة والمستتبّة عن السرد والرواية في السودان، ولا ننتبه إلى ضرورة أن تحضر أسماء هؤلاء إلى جانب أقرانهم ومجايليهم في العالم العربي، وأن يكون هذا الحضور مسألة إبداعية غير مرتهنة بالكامل لجنسية الكاتب السوداني أو هويته السردية. داخل هذه التساؤلات والملاحظات، فكرنا بإنجاز هذا الملف عن أصوات سردية سودانية، على أمل أن ينجح جمع عدد من هذه الأصوات في لحظة واحدة على قراءة متجاورة ومقارنة لنصوصهم، وما يمكن أن تبثّه من انطباعات حول موضوعاتها ومناخاتها وحساسياتها الأسلوبية والسردية. نقرأ هذه النصوص فنكتشف أن الطقس الحكائي لا يزال حاضراً بقوة، وهو انطباع سريع وأولي طبعاً، ولكنه يشير إلى ندرة التقنيات السردية الحديثة في صياغة هذه النصوص التي تبدو مدينةً لما يسميه حمور زيادة في شهادته بـ «الوَنَس»، والترجمة الأوسع للكلمة هي «الإمتاع والمؤانسة» بحسب عنوان كتاب أبي حيان التوحيدي. وسنرى أن هذه «المؤانسة» حاضرة في أغلب نصوص هذا الملف، وأن أصحاب هذه النصوص يستثمرون مناخاتهم القبلية والإفريقية، وعاداتهم ويومياتهم وطقوسهم، في تخصيب سردياتهم وحكاياتهم بأنواع من السحر والدهشة والغرابة، إلى درجة تبدو فيها هذه المناخات كافية وحدها لتكون بطلة هذه النصوص، وأن تكون التأويل الأفضل لطموحاتهم الأسلوبية أيضاً. بقي أن نشير أخيراً إلى الصعوبات التي رافقت جمع هذه النصوص وصعوبة التواصل مع بعض أصحابها في الظروف السياسية والأمنية والإلكترونية السيئة في السودان شمالاً وجنوباً، وينبغي أن نذكر أن الملف مدينٌ في جمع مواده للزميل أحمد مجدي همام، والروائية السودانية رانيا مأمون، والشاعرة الجنوب سودانية نيالاو حسن أيول:

في البدء كانت الحكاية/ تقديم

حمّور زيادة

من البديهي أن أول طفل مشى على الأرض سأل والديه «من أين جئنا؟». لعله سأل أمه. فوالده، غالباً، خرج في رحلة صيد. وإجابةً عن هذا السؤال ستحكي الأم حكاية الخلق. من المنطقي جداً أنه في البدء كانت الحكاية.

أول ما مرره البشر بينهم. عودة الأب من رحلة الصيد ليحكي عن ذلك النمر الذي طارده، أو الصيد الذي رجع به وكيف أمسك به.
في بلاد السودان، في البدء كانت الحكاية. وحتى اليوم عاشت الحكاية. بلاد السودان حكاية كبيرة.
يحكون عن فاس التي ما وراءها ناس. يحكون عن النمير الطمبجاني الذي أكل حتى الموت. يحكون عن هيلوة الجميلة، وأمهاتها السبع الساحرات. يحكون عن جرقاس، الكلب الذي شرب البحر.
هكذا تبدأ الحكاية. تمررها الجدّات للحفدة. وباتساع بلاد السودان تتنوع الحكاية. ما سمعته ستيلا قاتيانو يختلف عما سمعه عبد العزيز بركة ساكن، يختلف عما سمعه منصور الصويم.
وفي بلاد السودان تستمر الحكاية. تكتسب استمراريتها من شغف أهل البلاد الشاسعة بالونس والقص. يحكي أهل الصحراء. يحكي أهل الغابة. يحكي أهل النيل. يحكي أهل البحر. ويحكي أهل الجبال. وتجمعهم مدن تنوء بالقصص.
معجونون نحن في بلادنا بالونس. لكل حائط وحجر وشجر حكاية لا بد أن يقصها عليك أحدهم.
في روايتي الأولى «الكونج» حكيت عن «الطاهر نُقُد»، الأعمى الذي «يضع –عادة- سريره عصراً أمام منزله ويتكئ عليه يعبث باصبعه في رمل لا يراه، لكنه يذكره. ما أن يسمع خطوات عابر حتى يعتدل ويسأل عن القادم. حين يعرّفه العابر نفسه يناديه الطاهر: تعال يا زول. هات خبراً وخذ خبراً».
لم أخترعه. لكني رأيته.
يعشق أهل بلاد السودان الحكاية. ولهم لذة في سردها.
في هذا الملف ستقرأ حكايات مكتوبة باتساع السودان. وبشغف أهله للحكي. حكايات نبتت من بيئاتٍ متناثرة لدرجة الدهشة. يجمعها ذلك الشغف المقدس.
الأسماء التي كتبت في هذا الملف كلها تلقّت الشعلة المقدسة باكراً. ونبتت مخلصة لمخزون متراكم من المرويات الشفاهية العجائبية. أسماء حفرت لنفسها مكاناً مميزاً في معبد السرد. ستجد خرطوشة ملكية عليها اسم رانيا مأمون، ومسلة كُتب عليها اسم بوي جون. وتمثالاً كوشياً لهشام آدم. وبوابة محفور عليها اسم سايومن أبرام.
في البدء كانت الحكاية. وفي بلاد السودان تعيش الحكايات ولا تموت.
يقدم هذا الملف سبع ثمرات ناضجات نبتن في تربة القص. وستجدها، بالتأكيد، مدهشة كبلاد السودان.
* كاتب سوداني، حصلت روايته
«شوق الدراويش» على جائزة «نجيب محفوظ» (2015)
______________

ذاكرة الموتى

عبد العزيز بركة ساكن

قالت لي أمي في الحلم:
ـ الدنيا زائلة يا ولدي.
قلت لها وأنا نائم:
ـ ليس صحيحاً، نحن الزائلون، الدنيا باقية.
حاولتْ أن تبتسم، لكن الموتى في الحلم عادة لا يستطيعون الابتسام لأن هرموناً خاصاً بانفراجة الفم في تلك الصورة السحرية لا يتم إنتاجه في الحلم. ثم وقف الموتى صفاً واحداً أمامي: جدي عبد الكريم، جبران خليل جبران، حبوبه حريرة، محمد مستجاب، علاء الدين الشاذلي، الكيوكة الصغيرة، قدورة جبرين، نادية، أبو قنبور، محمد عثمان، خديجة، مرجان كافي كانو، محي جابر عطية، عم موسي، انتصار، أبو ذر الغفاري، علي المك، وولت ويتمان، إخلاص أبو غزالة، عمر إبراهيم، قالوا بصوت واحد:
ـ الدنيا زائلة.
قلت لهم:
ـ يا أيها الموتى، قلت لهم اسماً اسماً يا أيها الموتى، الدنيا باقية.
وقف سجانٌ نزقٌ بيني وبين محمود محمد طه، استل من بين قلبه وعقله محبرة، كان الشيخُ نحيفاً وجميلاً، مكان عينيه الدنيا كلها تزول تدريجياً وتتلاشى، لكن دون انتهاء، قال لي في الحلم:
ـ افتتانك بالحقِّ فوَّت عليك إدراك عين الحق.
قلت له وأنا نائم:
ـ سمِّي لي القتلة حرفاً حرفاً والحقّ حرفاً حرفاً، العدل والمظلمة والروح حرفاً حرفاً.
قال لي:
ـ اقرأ. ذات الشيء، يسقط عنك حجاب الشيء، حرفاً حرفاً.
قلت له:
ـ بسم الله الرحمن الرحيم.
قال لي في الحلم وكاد أن يبتسم:
ـ إذن، ما هو لون الحقيقة؟
قلت له وأنا نائم:
ـ أسود.
قال لي في الحلم:
ـ إذن؛ ما هو لون العدل والمظلمة والروح، ما هو لون مسك الأنفُس؟
قلت له وأنا نائم:
ـ أسود.
قال لي في الحلم:
ـ إذن، ما هو لون الجهات السِّت؟
حينها فقط تنزَّلت عليَّ الأحرف الوسطى من أسماء القتلة، جاءت تعوم في سيل من الدَّم، أخذ يحيط بي وأنا نائم، أفادني صفُّ الموتى في شيئين: الأول أن الدنيا ليست زائلة، الشيء الآخر أن الموتى لا يبتسمون، الشيء الآخر، أن ذاكرة الموتى محشوَّة بالأحياء. قالت لي أمي في الحلم:
ـ سوف لن تنجو من الموت، الأشجار، الطين، والهوام كلها لا تحميك، وأنت إذ تهرب من الموتِ تذهب إليه.
بكيتُ. عندما استيقظتُ وجدتهم جميعاً يصطفون أمامي، تماماً مثلما كانوا في الحلم، لم يهتم أحد بما كنُت أثرثر فيه، لم يفسِّر أحدٌ لي شيئاً، ولم يضحكني نداء المنادي: أنت، يا أحد الموتى.
* روائي وقاص سوداني، صدر له من الروايات: ثلاثية البلاد الكبيرة (الطواحين، رماد الماء، زوج امرأة الرصاص)، الجنقو مسامير الأرض، مسيح دارفور، مخلية الخندريس، العاشق البدوي، موسيقى العظام، الرجل الخراب.
ومن القصص: على هامش الأرصفة، امرأة من كمبو كديس. حاصل على جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي 2009

____________

عبــور

رانيا مأمون *

تتكرر زياراتُه لي ويطرح عليّ نفس الأسئلة بنفسِ نبرة الحزن:
ـ ألم تصبحي طبيبةً كما وعدتني؟
أجيبُ أنا بذات الشعور الطاغي بالندم:
ـ للأسف، لا!
يقول لي:
ـ كنتُ أضع فيك أحلامي وظننتك ستحققينها.
أصمتُ لعدم قدرتي على الرَّد، أو ربما إحساس الخيبة الذي يتقطّر من كلماته يصيبني بالخرس.

■ ■ ■
رائحتك مدبوغة في شقوق الحائط ممتزجة بذرات التراب. تتسلل إليَّ وتغمر هواء الغرفة. أتلفّت لأعرف مصدرها. تغمرني، تحيط بي، أمدّ يدي كي أقبض بها في كفي، كي أمسّها لعلّي أمسّكَ من خلالها، لعلَّي أمسُّ كفَّكَ البضَّة، وجهك، يدك. أحسُّك قريباً. قريباً جداً. أحسُّك قربي، فيّ، داخلي. أشعرُ بأني إن مددتُ يدي ستصطدم بك.
رائحتُك تفتح مشارع الذكرى فتغزوني بغتةً مثل جيوش النَّمل تلسعني بقوة وفوضى على عيني، جلدي، مسامي، دمي، أذنيّ وهما تلتقطان ذبذبات صوتك الحاني. تغمرني الذكرى فأستشعر دفء حضنك ودفء السرير عندما أنام قربك في طفولتي بدلاً عن أمي.
عندما تأتي من مأموريتك التصق بك مثل الغراء. تحاول أمي أن تبعدني فلا أستجيب. تقول لي: غداً سيسافر. أقول لها: ولكنه سيعود.
الآن وبعد أن كبرتُ وبعد أن ذهبتَ أنت، بعد أن أسلمتني لهذا الفقد الذي يصعب التعايش معه، لن أستطيع أن أجيب نفس الإجابة أو أكون بذاتِ اليقين!
رائحتُك تملأ كل مساحات الفراغ. تخرجني من دوامة ذكرى لتقذفني في أخرى أوسع وأعمق وتضخِم فيّ إحساس وجودك قربي. تحتسي الشاي، بكوبك الكبير الذي ما زلنا نحتفظ به، وكم كنت تحب الشاي. بعده تستمع إلى الراديو مستلقياً على قفاك واضعاً رجلاً فوق أخرى، ثم تعبث في حقيبة ذكرياتك وتنادي عليَّ كي أقرأ هذه الورقة أو تلك. وأحياناً يخاتلني طيفك وأنت تتوضأ تهيؤاً للصلاة، وأستدعي الآن فرحتك عندما انتقلنا لهذا المنزل قرب المسجد حيث قوة الآذان تضرب داخل القلب وتهزّ البدن، قلتَ: أكثر ما يفرحني هو جواري للمسجد، أهناك جارٌ أفضل منه؟

■ ■ ■
اليومُ عيد. الكل يرفرف فرحاً. مؤذن الجامع يُكبِّر ويهلِّل والأطفال من بعده يكررون: الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله. الله أكبر ولله الحمد.
أبناء اخوتي يدخلون ويخرجون فرحين بملابسهم الجديدة وحلوى العيد لا تفارق أفواههم.
يأتون إليّ ويضجّون:
إياد:
ـ أين العيدية؟ قلتِ ستعطينا عيدية.
براءة:
ـ اعطيها لنا بسرعة نريد الذهاب إلى المراجيح.
زياد:
ـ كم ستعطينا؟ أعطنا نقوداً كثيرة من فضلك.
حينها كنتُ أضع اللَّمسات الأخيرة في ترتيب البيت. أعدِّل من وضع الستائر، أشدّ الملاءات الجديدة، وأزيد الجمرات في المبخر حيث أعواد الصَّندل تكمِّل بهجة العيد وتهبها رائحتها.
اسمع أختي تنادي على أمي:
ـ أمّي.. أمي، تعالي وانظري لأبي يبدو أنه متعبٌ جداً.
تذهب أمي. تتلمسّه. تسأله لا يجيب.
تطلب منها أن تنادي على أخي كي يُحضِر جارنا الطبيب.
في ذلك اليوم حمَّمته أختي في الصباح وألبسته جلبابه الجديد، عطّرته وأخبرته بأن اليوم هو العيد. لا يبدو أنه أدرك ما تقول، أو عرف ما هو العيد.
كان غائباً عن الإدراك. تسأله لا يجيب أو حتى يعطي الإحساس بأنه سمعك. ينظر إليك فتخال أنه لا يراك بل يرى عَبرك، نظراته زائغة، تائهة في فضاء المكان. سقته الشاي الذي يحبه وأعادته إلى رقدته في السرير وغطته جيداً.

■ ■ ■
كنتُ طفلته الأثيرة، كان يحبني جداً. عندما يراني جالسةً بهدوء وحدي لا أتسامر مع بقية الأسرة يأتيني ويسألني:
ـ ما بكِ؟ لماذا تجلسين وحدك؟
ـ لا شيء، سوى أنني جالسة وحدي.
ـ اذهبي وتسامري مع إخوانك، لا أحب رؤيتك وحيدةً هكذا.
كان يخصّني بكل شيء يحضره: حلوى، نقود، قصب سُكّر، فول، تسالي، يخصني بالحنان، القرب منه، كل شيء وعندما يحتج أخوتي يتحجَّج بأني آخر العنقود.
بعد عودتي من المدرسة كنتُ أسأل أمي عن الغداء فيرد عليّ هو:
ـ ادخلي المطبخ، تناولي طعامك، هذا بيتك، هل تخجلين؟!
يعلن دوماً عن آماله الكبرى فيَّ: ابنتي هذه أريدها طبيبة. يناديني دائماً بالـ دكتورة وكنتُ أطرب لهذا النداء. وبعد كل هذا الحنان عجزتُ عن تحقيق رغبته!

■ ■ ■
في انتظار الطبيب كنتُ أجلس قرب رأسه وهو ممدَّد على السرير. ألاحظ حبيبات من العرق على جبينه ورأسه الأصلع. أمسحها بيدي مجردة من أيّ منديل. يندِّي جبينه مرة أخرى أمسحه مرةً أخرى. يستمر في النَّدى وأواصل أنا في المسح بيدي العارية.
عندما حضر الطبيب وجدنا نحيط به، أمي تدلك قدميه المتشنجتين، أختي على الطرف الآخر من السرير تمسك بيده، أخي واقفاً ليس ببعيد وأنا على رأسه ماسحة جبينه باستمرار. يعاينه بدّقة وبطء.
أمي تنتبه لنظرات أبي. ربما أدركتْ ما كان يحدث، بدأتْ تردد الشهادتين. الطبيب لم يطلب منها الصَّمت، بل واصل قياس الضغط وفتح عينيه وقراءة نبضه.
أرى شفاه أبي تتحرك وتردد بعد أمي الشهادتين بصوتٍ خفيض يكاد لا يُسمع. ثم يغيب الصوت وتتباطأ حركة الشفاه.
في لحظةٍ فاصلة ندّى الجبينُ بغزارة. توقفت الشفاه عن الحركة ورفع الطبيب رأسه وعلى وجهه تعبيرٌ آسف.
لجهلي لم أكن أُدرك حتى تلك اللَّحظة بأني أمسحُ أثر تعرُّق خروج الرَّوح، ولم أدرِ أنها خرجتْ.
ربما عبرتْ قربي، ربما اصطدمتْ بي أثناء عبورها، ربما ودَّعت، لوَّحت أو ابتسمتْ، لكني رغم قربي ما رأيتُها قطّْ.
* روائية وكاتبة سودانية صدر لها روايتان: «فلاش أخضر»، «ابن الشمس»، ومجموعة قصصية بعنوان «13 شهراً من إشراق الشمس».

____________

رحيق البابايا

هشام آدم *

الحقيقة أنَّه لم يكن بمقدوره تجاوز محنته الصِّحيَّة إلا عبر ارتشاف عصارة أوراق البابايا، التي كانت «آبا» تُقطِّرها له من فمها، وصلواتها أمام حطب البروسوبس المحترق، ولم تزل صورتها محفورةً بعنايةً على كهف ذاكرته، مع بقايا وجوهٍ وتماثيلَ نصفيَّةٍ لرجالِ ونساء القرية، ودقَّات الطُّبول الأفريقيَّة، في طقسٍ وثنيٍ شديد الخصوصيَّة، واحتفالات تُجَّار القوافل العائدين من واحات جغبوب، وصيَّادي الفيلة، وعُمَّال مناجم الذَّهب البائسين، وأصوات ضحكاتهم المتعالية، التي كانت تأتيه كصرخات أرواحٍ شريرةٍ حبيسة قوارير سُليمان العتيقة.

استيقظ «دوتسي» وقد تدلت «آبا» الفاتنة من سقف ذاكرته، كتمائم كاهن القرية المسحورة، بسُمرتها الزِّنجيَّة الدَّاكنة، وعينيها الحمراوين، وقرطيها الضَّخمين كأوراق زهرة الليلك، وشعرها الذي كأغصان شجرة البُن. تدلت في رشاقة بنات آوى، ووداعة إله الحصاد، نحيلةً كأوراق شجرة الطُّرفاء، وجميلةً كثمرة دُرَّاق، لتطبع قبلتها الأفريقيَّة السَّاخنة على جبينه الموشوم، هامسةً في أذنيه بسحرٍ أنثوي يألفه: «سنلتقي قريباً… أعدك!».
لم يكن في حُسبانه أنَّه سوف يستغرق كلَّ ذلك الوقت ليستوعب ما يجري، وكأنَّه عرضٌ سينمائيٌ استثنائيٌ لن يتكرر. كان الصَّوت واضحاً هذه المرة، إلى الحد الذي جعله يلتفت وراءه مُباشرةً، وكان بوسعه أن يتذوَّق مرارة رحيق البابايا في فمه. لم تكن ككل المرَّات السَّابقة، فقد كان يشعر بوجودها في الأرجاء. جال ببصره في أرجاء غرفته سيئة التَّهوية، وهو يُسابق أنفاسه التي كانت تعوي في صدره كأصوات عجلات قطارٍ بُخاريٍ قديم.
كان واضحاً بجلاء أنَّه لم يستطع نسيان نكساته الكُبرى، كما كان يُخطط، أو ربما أنَّه تمنَّى أن يستيقظ ذات يوم ليكتشف أنَّه قد عاد بلا ذاكرةٍ مُزعجةٍ أو تواريخ. وكل صباح؛ عندما يكتشف أنَّه لم ينس شيئاً من تاريخه، يُردد في يأس: «حياة البائس كنوم الكفيف!» ثم يتوَّجه – كآلةٍ تعرف مسارها اليومي – إلى مصنع الدُّونات، حيث يعمل كحارس أمن. لم يشأ طوال سنوات اغترابه أن يستشعر انقسامه البيِّن، ذلك الذي جعله أشبه بضواري سيرك زاباتا، التي نسيت تواريخ غرائزها الفطريَّة، واكتفت بكونها حيواناتٍ للفُرجة وإسعاد الأطفال، وإيواء عشيقين مُتخاصمين.
لاحقته صورة «آبا» وهي تُقطِّر في فمه عُصارة البابايا، كلبوةٍ تلعق جراح ليثها في امتنان. تخيَّل كيف يُمكن أن تزدري منظره المُحتقر، بملابسه النَّظيفة، وقُبَّعته التي تُخفي شعره المجعَّد، وحذاءه الذي من جلد البافلو، واقفاً على مدخل مصنع الدُّونات الفرنسيَّة، مُراقباً حركة سيارات البِيض الفارهة، في وضاعةٍ هامشيَّةٍ؛ كجوكر نوادي الركبي، الذي بلا فائدةٍ تُذكر؛ وقدَّر أنَّه لم يكن يستحقها.
أخذته عُزلته المتناهية – بلا هدى وبلا هوادة – إلى مُستنقعات بصيرته الضَّحلة، حيث لا يستشعر للحياة طعماً، أو تغزوه رائحة الدُّونات الفرنسيَّة، وتصبغ كل شيءٍ في طريقها بطعم الطَّحين الفاخر، والسُّكَّر الصِّناعي المسحون بعناية، باردةً كليالي الكريسماس، ولزجةً كأنف كلب بحر، إلَّا مرارة عُصارة البابايا التي تُصر أن تظلَّ طازجةً على الدَّوام. غارقاً في متاهته الكبرى بين ذكريات بدأت تخبو مؤخراً، وأحلام تفقد نكهتها كل يوم.
عضَّ أرنبة ندمه كثيراً حتى أدمنها أو كاد، لا سيما حينما يُخاطبه أحد البِيض بنبرةٍ مُتعالية: «كُن كمنظركَ الموحي بالشَّراسة، ولا تتعاطف مع المتسللين!» دون أن يتمكن من ذر بُصاقه المُرّ على وجهه. كانت السَّنوات تلتف حول عنقه كأغصان شجرة لبلابٍ فتيِّةٍ، تُفقده بوصلته الخلاسيَّة، وتعبث بجينات دمه الحارة، تُبعده أكثر فأكثر عن حقيقته ومُستقبله.
ذكريات الهجرة السِّريَّة المعطونة بالمآسي، والآيات السَّوداء لسبعةٍ وثلاثين شاباً زنجياً، انتشلوا أقدامهم الحافية من الطِّين ليغرسوها في الأسفلت، مُحمَّلين بالوعود والأحلام التي لها أجنحة البيجاسيوس الأسطوريَّة. لم يتبق منهم سوى أربعة فقط، تفرَّقوا أوان وصولهم. ذكرياتٌ ظلَّت تُؤرقه طويلًا، قبل أن يتماثل للنسيان تحت وطأة الرَّأسمال، وهيلمان الفاقة والعوز الذي لا يرحم. أضاع فيها حذاءه، وصوره التذكاريَّة، وتميمة الحظ التي كان يُعلِّقها على ذراعه، وكبرياءه أخيراً.
«سنلتقي قريباً.. أعدك!».
ظلت تلك الكلمات القديمة، المحفورة على جدران ذاكرته كرسومٍ بدائيةٍ، تُومض أمام مسامعه كل ليلةٍ، وكأنَّه يسمعها للمرَّة الأولى، كناموسٍ إلهيٍ حميمٍ، أو كنداءات أرواحٍ خيِّرةٍ، ذوات ضمائر لا تنام. قرَّر ليلتها أنَّ الحياة أضيَق من حُنجرة مُحتضرٍ، وعزم على العودة إلى بلاده غير آبهٍ بشيء: أرتال السَّيارات الفارهة عند مدخل مصنع الدُّونات الفرنسيَّة، اليونيفورم المنتظر على حبل الغسيل، إيجار غرفته المستحق بعد أيام، رهان اليانصيب المعلَّق بين شفتي القدر، أعلام الجنس المنتصبة على صدر شقراء ليليةٍ، ولُعابه الذي ظل يدّخرهُ ليبصقه على وجه أحدهم.
التصق بصره بتلك الأرض الأسمنتية، وهو يبتعد عنها، ليتركها تغيب أمام ناظريه، بين أمواج الأطلنطي كحوتٍ نهمٍ يبتلع قارب صيد. ولوهلةٍ لا مقياس لها، ظنَّ أنَّه ترك شيئاً ما يخصّه هناك. أدهشته هالة الحزن التي خيَّمت عليه فجأةً، ولم تُطمئنه رائحة المدار الاستوائي، وسحنات البحَّارة الدَّاكنة، والمتعرِّقة بفعل الرُّطوبة. انفلتت بكرة الخيط الرُّوحيَّة لتلتصق بأرصفة الشَّوارع الملساء؛ حيثُ ترك سنواتٍ عشر من عمره، كانت كفيلةً بأن تُشعره بالانتماء، رغم مرارات الوحدة واللاانتماء.
رمى جثته المُنهكة على إحدى صواري السَّفينة المنتصبة كذيول العقارب، وأمسك بمسمارٍ مُهملٍ، ومضى يخطُّ به على الأرضيَّة الخشبيَّة: «سنلتقي قريباً.. أعدك!». لم يحتمل تعاقب المشاعر المتضاربة على صدره المثقل برطوبة البحر، وسنوات الاغتراب المسفوكة على صفحات تاريخه كدماء قرصانةٍ مجهولي النَّسب. لم يكترث لنداءات ملاحي السَّفينة المطالبين بدخول الجميع إلى كبائنهم اتقاء إعصارٍ استوائيٍ غير مأمون الجانب، وظلَّ يُدندن بأهازيج من قصائد «صامويل غليوز» تلك التي كان يُردِّدها تُجَّار الخشب العائدين من واحات جغبوب:
قلتْ: أضيئي لي النُّجوم
كي أعثر على ما يُشبهني في الرُّؤى والخطوات
يا أيتها المدينة
أيتها الدَّمعة الحزينة
أبوكِ الأوَّل ضاع منذ صارت الأرض مثلثة الشَّكل
ذات زوايا وعتمة
فلا تنتظري أحداً
لأنَّ الذين يذهبون
يُصبحون مُجرَّد ذكريات
فلا تنتظري بعد اليوم
مَن وَعَدَكِ الشَّمس ولم يَعُد.
مدَّ خطاً طويلاً بلا إرادةٍ، وهو يُنصت بخوفٍ إلى زعيق زنجيٍ مُعلَّقٍ على إحدى الصَّواري: «السَّفينة تغرق الآن!» وابتسم في عبثٍ، وهو يرى الموت يتلَّبس ملامح البحَّارة، والهاربين خفيةً على السَّواء. قذفته الأمواج من ناحيةٍ إلى أُخرى، ولم يشعر تجاهها بالسُّخط؛ بل ظلَّ مُحافظاً على ابتسامته الهادئة، وهو يتذكر نبوءة آبا: «سنلتقي قريباً». فنظر عميقاً إلى البحر، ورأى صورتها مُبتسمةً كملاكٍ استوائيٍ نادرٍ، عاريةً كدُولفينٍ ودودٍ، وابتسم لها في المقابل، وتسنَّى له أن يتذوَّق مرارة عُصارة البابايا للمرَّة الأخيرة، قبل أن تبتلعه آخر الأمواج.
* روائي وقاص سوداني، صدر له من الروايات: أرتكاتا، السيدة الأولى، بتروفوبيا، قونقليز، أرض الميت، كاجومي.
وكتاب نقدي بعنوان: هرطقات في النقد الأدبي المعاصر 2014، حاصل على جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي – مركز عبد الكريم ميرغني 2010، وجائزة الطيب صالح للإبداع العالمية الكتابي 2015.
_____________

طَيْفُ بَامِيْجِي

سايمون ابرام *

مضى من الليل نصفه، والكائنات الآدمية لهذا الحي النائي نصفُ نيامٍ.. تتوجسُ خيفةً في مساكنها، وآذانها تستمعُ لكل حركةٍ قد تصدر بالخارج، تتوقع برهبةٍ زيارةً غير مرغوبٍ فيها، قد يقوم بها سُراة الليل، أبناء الظلام.. فالدواخل موصدة.. القناديل مطفأة.. الظلمة حالكة السواد.. والبروقُ تومضُ، يتسللُ ضوءُها بخجلٍ من بين شعاب الغيوم المتراصة في الأجواء، تصطدم بالألواح المعدنية التي صنعت منها تلك الأهرامات المتهالكة التي يدعوها أصحابها مساكن.. ونباحُ الكلاب الضالة يقصمُ ظهرالسكون المطبق بأنيابه على الحي!
قد بلغ بي الشوقُ شأواً سحيقاً.. إلى فتاتي «باميجي».. يصلبني على الآكام الموحشة، وفي مخابئ الصخر.. عند الينابيع الحارة.. «باميجي» عصفورةٌ استوائيةٌ فريدةٌ، متوحشة الجمال.. قد انفجرت ينابيعُ أنوثتها العذبة، وهي تبلغ من العمر تسعة عشر ربيعاً، لتستحيل فردوساً عبقرياً بنباتاتٍ غضةٍ، وتلالٍ من الأزاهر تسلل إليَ طيفها وأنا على مرقدي، أصارع جبروت الأرق الذي بات ينهك جفني.. أجثو على ركبتيَّ مبتهلاً إلى السماء طوراً، وأنبطح على فراشي وأقاوم اليأس طوراً آخر. ارتفع نقيق ضفدعة انساب نقيقها عبر ثغرات الخيزران التي بُني بها مسكني.. وإناث الأنوفليس البغيضة العطشى تغرز معاولها في جسدي تستبيح دمي ثم تتطاير تجوب أرجاء المسكن جيئة وذهاباً، وقد بيتت نية شريرة في احتلاله أو هكذا أظن.. كنت أود لو أرى النجوم المتلالئة تتراقص في مداراتها، والشهب والنيازك تتسابق نحو كرتنا هذه، غير أن النوم خارج الغرفة يعدّ مغامرة من العيار الثقيل في هذا الحي.. سرتْ في شراييني رعشة جميلة مبهمة.. اهتزت لها جوانحي إثر لثمة فجائية حارة طبعتها شفتا فتاتي باميجي الساحرتان على ثغري.. مددت يدي ومسست خدها، فتناطحت في خلدي الأفكار.. أراني قد سموت إلى فردوس استثنائي خاص بي.. ما وجدت بها شجرة لمعرفة خير أو شر.. فبتُ ألتهم بشرهٍ ما يقع نصب عينيَّ دونما اكتراث. انفلق باب الغرفة إثر ضربة عنيفة عاجله بها أحدهم، متبوعة بحركة لأجزاء بندقية آلية، وصوت قبيح يأمرني: «لا تتحرك». التصق جسدي النحيل بالفراش.. صرتُ كالمومياء.. لم أجد سانحة للحركة، ولم يترك لي ذلك الصوت متنفساً لتقويم وضعية جسدي في المرقد. ولج الغرفة شخصان لم أتبين خلقتهما أبداً. إني لم أزل متيبساً.. أشعل أحدهما مصباحاً يدوياً، صوّب الضوء إلى وجهي، أحالني إلى أعمى مؤقتاً.. وإذا بصوت يقول: «أين القروش واللابتوب والموبايل»؟.. يا للحظ السيئ! يبدو أني أتعرض للنهب.. يبدو أن أبناء الظلام قد أدركوني. أفصحت لهما عن مواضعها مكرهاً.. سيأخذونها لا محالة. اختلجت في داخلي أحاسيس بالغضب والوجل والحسرة، ولا حيلة. هؤلاء لا يرحمون.. ينهبون ويسلبون، يغتصبون ويقتلون، ولا يرمش لهم جفن. قلتُ أصون روحي فلا أفقدها أيضاً. انفلتت من رئتيَّ شهقة عميقة بُعيد ذهابهما، أعادت إلى موميائي أعني جسدي النحيل بعض الحياة… عاودني جبروت الأرق، مستصحباً اليأس والقنوط، بينما ابتدأت في الخارج، قطرات المطر تنقر سطح مسكني المعدني، نقرات متسارعة، كثيفة وعنيفة.. وريح هوجاء تهز ملابسي المتدلية من على حبل موثق بين خشبتين تعلوان فراشي.. وإناث الأنوفليس البغيضة تلك، اختفت إلى حيث لا أدري.. وأنا أحاول بعبوسٍ مراراً، اجترار الوقت قليلاً، من دون جدوى، لأستعيد أملاكي المنهوبة، وطيف فتاتي الرائعة الاستوائية باميجي!
* كاتب من جمهورية جنوب السودان.
___________

دوسنطاريا

منصور الصُويّم *

في اليوم الخامس، انسحبت الكتائب المتمترسة في العمق وتركت الساحة الخربة لكتائب الرايات الرمادية، تقدمت الكتائب الرمادية في شكل قوس كبير مطوقة الدخان والغبار والإسمنت المتداعي، توقف جيب مكشوف، قفز ضابط نحيل وأمر جنوداً أكثر نحافة منه بالانتشار: «اقتلوا حتى الظلال». قفز الجنود المذعورون صوب ركام المباني المنهارة محتضنين رشاشاتهم الصغيرة، جندي «ما» قفز مترنحاً، بدا وكأنه سيسقط، مترنحاً سار صوب الحطام المتداعي. كان يسمع صوت الرصاص والصرخات المكتومة وهو يقترب من بقايا مبنى ما، تكسرت حوائطه وبرزت أسياخه وشظايا زجاجه وتحول إلى مزبلة إسمنتية، بقبضته تمسك الجندي الـ «ما» بإحدى الأسياخ البارزة، كانت أنفاسه تتهدج وعرق غزير يتقطر من جسده ويبلله. أسقط السروال الكاكي وقعد. أحس بالألم حارقاً يكوي أحشاءه، تقلص بأكمله وسائل أصفر شفاف يندفع من مؤخرته، أحس بجسده يضيع ويتبخر، غرز مقدمة السيخة في جبينه وأحشاؤه تتمزق وتتلوى لمرة أخرى، صرخ بصوت مبحوح والسائل الأصفر يتدفق كالرشاش، ينتشر على ساقيه ويلطخ البوط الأسود ويرسم على الإسمنت المتكسر خرائط مشوهة ويسيل متقطراً.. هدنة قصيرة عاشها المحارب وأحشاؤه تستريح وهواء خفيف يضرب جسده المبلول بالعرق، أحس بانغراس السيخة في جبينه، تنبّه ثم أحس بغريزة المحارب بأنه مراقب، أطلق عينيه برفق وحدق في الظلام أمامه، برهة وتيقن، عينان، حدق أكثر عينان وجسد مسجى، أكثر، جندي من الفصيلة العدوة ممدد تحت ركام الإسمنت، تأمل الجسد المحطم بانذهال، لا يبين منه شيء سوى الصدر ويد وحيدة وعينان تحدقان به. انشبكا في التحديق لمدى خارج مدارات الحرب ودوي الرصاص والسفك اليومي، انكسرت عينا الجندي الـ «ما» المنحشر أسفل الإسمنت والسيخ والزجاج، مالتا نحو الأرض، انكسرت معهما عينا الجندي الـ «ما» المنحشر تحت جمر أحشائه الملتهبة، مالتا صوب الأرض. كان السائل الأصفر الشفاف قد خط مجرى نحيلاً وانحدر متعرجاً صوب الجسد المحطم. مدّ يده، مال بجسده المحموم، جعل كفه حاجزاً بين الوجه والسائل الشفاف الأصفر، جرف النثار، التراب والسائل الأصفر، بنى بكفه سداً ثم أغمض عينيه ودوار يجتاحه، سقط بمؤخرته العارية على الأرض، ثم سمع النداء: «اسرع، تحرك.. الطائرة». أبصر الزميل ينحدر متدحرجاً باتجاه الجهة المقابلة والرشاش الصغير في يده، نهض متطوحاً، سال السائل الأصفر الشفاف وانساب على ساقيه، تحرك ممسكاً بالكاكي، ومؤخرته مكشوفة تواجه عينين مرهقتين تبدآن الآن بالانطفاء.. جندي «ما» في الجبهة الشرقية للمدينة المحترقة، كان يتحرك متعثراً ببقايا الطوب وشظايا الزجاج ونثار الإسمنت، طائرة «ما» ظللته، حدق في المعدن المتوهج وهو يفرد يديه، همس: «الطائرة». دوى دوي حاد بأذنيه، ترنح.. جندي «ما» ترنح وتهاوى فوق ركام الإسمنت عند الجبهة الشرقية للمدينة.
* روائي قاص وكاتب سوداني
ولد عام 1970
صدر له: روايات: تخوم الرماد، ذاكرة شرير، أشباح فرنساوي، آخر السلاطين. حاصل على جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي عن روايته «ذاكرة شرير» 2005
____________

الجنونُ قريباً

بوي جون*

سيحل الخريف قريباً!
قالت سارة وهي تضع أمامنا صينية مليئة بقطع المانجو المجففة، وهذا أمرٌ جيد لأنه لا يوجد ما هو أفضل حتى نخمد به حرّ يناير، ربما قالت ذلك لأن الجو اليوم أشد حرارة من الأيام الفائتة، وربما تلمح بذلك إلى أن سقف الغرفة الوحيدة في المنزل تحتاج إلى ترميم.
بالنسبة لنا، جون وأنا، فإن الحر يبدو مضاعفاً أكثر مما يشعر به الجميع، والسبب هو التعب الذي تكبّدناه في الكرّ والفرّ ساعاتٍ طويلة، في محاولة يائسة لاصطياد «ورلٍ» بدأ يظهر منذ أن تراجع منسوب النهر.

والسبب أن جون يريد الحصول على كبد ذلك المخلوق العجيب، إنه يعتقد بطريقة ما أن ذلك سوف يفتح له أبواباً مغلقة، حاولتُ ثنيه عن تصديق أن الأمر محض شعوذة لكن دون جدوى. وحتى لا يكون وحده في هذا الدرب الخطر، قررتُ مرافقته كل يوم وأصبحت أجد الأمر مسلياً نوعاً ما، خاصة لشخص لا وقت له كيما يمارس الرياضة مثلي.
لم يرد عليها بشيء وكذلك فعلتُ أنا. هو لا يستطيع قول شيءٍ لها، لكن عندما نكون وحدنا، لكن عندما تكون غائبة عنا، منهمكة في إعداد شيءٍ ما في المطبخ، يبدأ هو في الحديث:
ألمْ أقل لكِ إن كل المشكلات الصغيرة هذه، سوف تُحل فور اصطياد ذلك المخلوق!
لكنه سرعان ما يعود إلى الهدوء، عندما تظهر أمامنا حاملة صينية الشاي أو الغداء، ثم يثرثر بصوت خافت:
عليّ ترك هذا الأمر مفاجأة لكِ.
عندما أنظر إلى سارة أستنتج أنه قد وضع قدماً في طريق الجنون، وهو على وشك وضع الاُخرى ليبدأ المشي فيه.
سارة إمرأة جميلة، لها قوام غزال وهدوء قط، إنها مثل الهدوء الذي يسبق العاصفة، لذلك عندما تثور لا يستطيع أحد إيقافها، لكن بمجرد أن تسكن وتهدأ، فإنها تصير مثل زرقة البحر، تغرم بها من أول نظرة، لذلك لا يستطيع جون إلا أن يحبها، لكنه أصبح خائفاً في الأيام الأخيرة، من أنها سوف تُخطف منه، إذا ظل على حاله من الفقر وسوء الحظ كما يعتقد.
فشلت محاولات الأصدقاء في إقناعه بغير ذلك، وربما الأمر يعود إلى ملابسات زواجه نفسها، فهو قد أفسد زواجاً مدبراً لها، كان سيضمن لأسرتها رمي الفقر والعوز وراءها إلى الأبد.
كان الوعد فردوساً بالنسبة لأي أسرةٍ تعيش الحرب، سوف تسكن في أي مكان تختاره هي، سوف يكون لها منزلها الخاص، وما لم يُقل هو أن الأسرة سوف تتلقى الدولار كل شهر في ويسترن يونيون.
الحب فقط كان غائباً عن جميع الوعود التي قُطعت، الوحيد الذي لم يكن، لم تستطع أن تقبل ولو في خيالها أن تنام بالقرب من رجلٍ في عمر أبيها، وقد كرهت فيه منذ أن رأته لأول مرة بصيلات شعره البيضاء، التي لم تستطع الصبغة الكثيفة إخفاءها، لقد بدا مقززاً في وجهها.
لم تعترض على إجراءات الزواج وتحضيراته، طوال أسابيع وأيام، كان المنزل مثل خلية نحل من الزوار، لكن في اليوم المنتظر لم تظهر، لم تكن موجودة في غرفتها كالعادة، بحثوا عنها في كل مكانٍ دون طائل، لم يتوقع أحدٌ من أهلها أن تكون هنا؛ في مثل هذا البيت الوضيع.
جلبت العار، وطردت الرزق!
قال الأقارب بل لم يزرها أحدٌ منهم أما هي فقالت: هذا أفضل للجميع.
الآن يقولون عن جون إنه مجنون، ويقولون عن سارة إنها منحوسة الحظ، وأنا أقول البلد معتوه لأن الشهادات أصبحت هنا محض أوراق، لا تقدم ولا تؤخر إلا عند الاستخدام في المرحاض، لأن الدم أصبح الشهادة المعتمدة لدى الحكومة، والنتيجة أنه ظل دون عمل رغم أن جميع الذين درسوا معه فعلوا ذلك.
وبعد أن نفد صبره، وجد وظيفة مدير في بيت دعارة، أعطوه راتباً جيداً وسيارة، وبعد أن بدا أنه في طريق تحقيق الحلم الجنوبي، تخلى عن العمل بعد أقل من شهر، وعاد إلى حياته الأولى وهي العمل كسمسار دولار، ينتهي كل ما حصل عليه في نفس اليوم، ليعود إلى السوق في اليوم التالي فارغ اليدين.
عندما أتت سارة وجد نفسه في طريق آخر، أصبحت المشكلات تحتاج إلى حلولٍ فورية: الغرفة التي يتسرب الماء من سقفها في ليالي الخريف الماطرة، ضرورة بناء مظلة من أجل حر الصيف الشديد، توفير الدواء عند المرض، وهنالك الخوف الدائم من الأصهار الذين قد يظهرون في أي وقت.
في مرة من المرات بدأ يفكر جاداً في أن يترك سارة، ويهاجر إلى أي من بلاد الله الواسعة، وشرع في التحضير لذلك بأن استخرج جواز سفر، وشهاداته الدراسية، وانخرط في محاولة لإقناعها بأن تزور أهلها بضعة أيام. ربما اشتاقوا إليكِ، كوني أفضل منهم.
كان يحاول أن يكسب الوقت حتى يكمل ترتيبات سفره سراً، لكنه عاد إلى المنزل ذات نهار، ورمى بالشهادات في النار ولم ينس إحراق الجواز أيضاً، فقد حدث له أمرٌ ما.
في الطريق إلى السوق صباحاً ذلك اليوم ناداه رجلٌ غريب باسمه، وأخبره أن حظه في الحياة سوف يتغير إذا ما جلب له كبد «ورل». منذ ذلك اليوم وهو ما يزال يذهب إلى النهر كل يوم، دون أن يكلّ أو يملّ وأنا من خلفه أجري.
_______________

شهادة/ أكثر من إزميل للنحت

جون بوي *

بعد أن كتبتُ رواية سوف تصدر قريباً، وأكثر من قصة قصيرة إلى جانب الشعر ــ الذي هو معي على الدوام ــ ما زالت أجدُ نفسي هاوياً، بل وكلما تقدمت بي السنوات أشعر أنني ما زالت عند نقطة البداية في الكتابة وكل ما يتعلق بعوالمها الرهيبة والرحبة في آن معاً، حيث يتحول فعلها عندي من مجرد كونها إحدى أدوات التسلية إلى أداة مهمة لطرح الأسئلة الحرجة، حول الحياة والإنسان وكل الأشجان المتصلة بهم.
والكتابة في بلد مثل جنوب السودان هو بكل تأكيد فعل مؤرق، حيث لا يزال كل شيءٍ مكتنفاً بالضباب مع سفور الفساد والإساءة إلى كرامة الإنسان، وهي للعجب ذات الأشياء التي قادت ابتداءً إلى تكوين الدولة نفسها منفصلة عن السودان، والأمر يبدو وكأنما التاريخ يضحك علينا ويسخر منا عبر ساستنا، وهذا الأمر يشكل انعطافة بالكتابة من محطة الحديث عن المهمشين إلى محطة الحيرة حول ماهية التشخيص السليم، لما آل إليه حال المهمشين عندما أصبحوا هم سادة أنفسهم ومالكي قرارها، حيث أصبحت الدولة الجديدة نسخة من تلك القديمة بكل أمراضها واحتمال مشاركتها ذات المصير.
لكن ذلك لا يعني أن الأسئلة الجمالية للكتابة لا تجد العناية الكافية وتبتلعها السياسة، فالثابت هو أن الكتابة في النهاية عملية إبداعية لها شروطها التي يجب العناية بها، لأن الأدب في النهاية لا يقاس بأهمية القضايا التي انشغل بها، وإنما بكيفية مقاربته إبداعياً لتلك القضايا، وهنا أقول أن التوزع بين حقول شتى من ضروب الكتابة؛ الشعر، القصة القصيرة، وأخيراً الرواية يجعلني في وضعٍ مريح جداً، من حيث تناول القضايا التي تشغلني إبداعياً وبين يدي أكثر من إزميل للنحت. وهي في النهاية قضايا لا تختلف عن تلك التي تشغل جميع المثقفين الجنوبيين تقريباً، وهي التركة الثقيلة من الحرب الطويلة بين الشمال والجنوب، وكيفية تأثير ذلك على تشكل الواقع اليوم بالإضافة إلى فخ الفساد وإهدار كرامة الإنسان الذي سقطت فيه البلاد. ورغم أن الذي يجعل تفضيل نوع معين من أنواع الكتابة على غيرها هو طبيعة الموضوع نفسه، كأمرٍ بديهي يمكن الاتفاق حوله إلا أن الرواية تظل هي الضرب الذي يمكن أن يعالج تلك القضايا الشائكة على النحو المُرضي، من حيث أنه الشكل الذي يتحمل بطبيعته الوعورة التي تحملها مثل تلك القضايا، لكن في النهاية تظل عملية الكتابة هي السيدة التي توجه الدفة رغم كل الأفكار المسبقة التي قد يحملها الفرد عنها ولها.
____________

ليلة قمرية

ستيلا قايتانو *

عهدتها وارفة الظلال، متينة الجذع، كثيفة الأغصان، فارعة الطول، وهي تقف في منتصف بلدتنا تتوسط القطاطي في حنية صادقة. كانت تلك الشجرة مقراً لمهمات وهزليات البلدة، كانت مجلساً للسلاطين وكبار رجال البلدة، وكانت منتدى للشباب والصبيان، يرقصون قربها في الليالي القمرية على أنغام الطبول الشجية، تلك الأنغام التي تنبعث بالرهبة والرغبة، ولم لا وهي وليدة الاستوائية وابنة الأدغال؟ ذلك العالم المغلق.. العالم الذي إذا اقتحمته أعطاك الخير والشر بذات القدر، يمنحك الخوف والأمان، الموت والحياة وكل التناقضات. كانت مقر التائه، واستراحة المتعب، ومنزل المسافر، أصبحت معلماً بارزاً في قريتنا، وفي آخر ليلة قمرية تهيأنا لنعد العدة للرقص والأغاني الزنجية. الفتيات تجمعن بأجسادهن السوداء، تزينهن سلاسل مرتبة في الطول والقصر حول أعناقهن وأساور عريضة من العاج تحيط بالمعاصم، وخلاخل في الأرجل تصدر أصواتاً رتيبة، وتنورة تغطي الجزء الأسفل من الجسد، بدأ الرقص اهتزت الأجسام متناغمة مع الطبيعة الصارخة وأشعة القمر تصطدم بالجلود السوداء، اللامعة لترتد إلى مصدرها الأول. فجأة حدث شجار قوي بين مجموعة من الشباب، الفتيات صرخن في فوضى، أمرهنّ أحدهم: اذهبن إلى بيوتكن. هرولن في رعب، كان الصراع بين ثلاثة شباب من القرية المجاورة فتصدى لهم ثلاثة شباب من قريتنا لأنه ليس من الشرف والرجولة أن نصارعهم جميعنا.. انتهى الصراع كما ينتهي أي صراع كل يوم، لا يحمل أحد منهم حقداً أو كراهية. في الليل سطع ضوء قوي وسط القرية وأخذت ظلال القطاطي تتراقص في جنون، خرجت القرية في لحظة، وأخذت تنظر في حزن. اشتعلت الشجرة في حريق هائل، شلت حركتهم، كأن أجسادهم هي التي تحترق، حاول بعضهم إطفاء النار، ولكن دون جدوى لأن النيران كانت قد وصلت القمم، وأخذت تلتهم الأوراق في شراهة. كانوا يحسون بها كأنها تنتفض وتصرخ: أنقذوني.. أنقذوني، ولكن من ينقذها؟ من ينقذ الأم الحنون؟ من يستطيع تسلق شجرة من نار.. من؟ وفي قمة هذه الأسئلة تلبدت السماء، تجمعت السحب الداكنة وانفجر الرعد في غضب ثائر. أمطرت السماء في غزارة الأمطار الاستوائية المفاجئة. كانوا يقفون في أماكنهم غير مبالين بالأمطار فقط كان همهم أن تنطفئ النار.. وانطفأت.. توقفت السماء عن البكاء وكثرت الأسئلة. من أحرق الشجرة؟ وكثرت الشائعات.. أصبحت سوداء كئيبة مثل شبح يريد التهام القرية، وكثرت أسئلة عشاقها، هل ستخضرّ الشجرة مرة أخرى بعد أن فقدت أوراقها؟ وهل ستعود إليها الحياة بعدما رسم الموت آثاره عليها؟
وفي يوم كنا نجلس تحتها نتذكر الأيام الحلوة التي قضيناها قربها ونلعن الشبان الثلاثة، لا بد أن لهم يداً في الحريق. ورفعت رأسي أنظر إليها، كأني أريد إعادة الحياة لها، فتخيلت، بل لمحت هناك فرعاً صغيراً أخضر بين الفروع المتفحمة لا يكاد يرى. نهضت من مكاني كأنني أريد الطيران، كأن شيئاً لسعني، فتسلقتها دون أن أرد على أسئلة أصدقائي المقلقة، حتى وصلته. نعم إنها مخضرّة، إنها حية، الشجرة لم تمت، صرخت بهذه الكلمات دون وعي، والدموع تسيل على خدي. احتضنت الفرع كأني احتضن جزءاً مني واحتضن أصدقائي الجذع كأنهم يحتضنون أماً عادت بعد غياب.
* كاتبة من جنوب السودان. لها مجموعتان قصصيتان: «زهور ذابلة»، «العودة».

_____________
كلمات
العدد ٢٨٤٢

شاهد أيضاً

رسائل الاسكندر إلى أمّه لم تُنشر من قبل

ثقافات – مرزوق الحلبي 1. لا تصدّقي يا أمّي أنني فتحتُ الهندَ والسندَ وأن الممالكَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *