الرئيسية / نصوص / ذاكرة في حقيبة سَفَرْ

ذاكرة في حقيبة سَفَرْ


*ناصر الريماوي


خاص ( ثقافات ) 
” أوّل الليل / رسالة “
أصدقائي…
ربما أنا شبه محظوظ، فالقيظ هنا على دفعات، ويمكن تقسيطه على مدار اليوم والساعة، وفقا لسلّم الأوقات المترامي. 
بالنسبة لي، لم يتغير شيء، سوى أن الليل قاتم، وقائظ قليلا، وأقصر مما توقعت.
هذا المساء، عزلة مشوّقة ووحدة مع الليل، تأخذاني إلى حافة السّهر، حتى الصباح.
أرقب العتمة وهي تنتشر أسفل النافذة المطلّة، وحتى التلّة الغارقة في السكون.
منذ المغيب، والظلال تتراجع، تتمرد أحيانا ثم تنكسر، هكذا، حتى أرغمتها العتمة على الرحيل، ذهبت بها – أخيرا – خلف التلّة، ثم عادت من دونها. لكن ما الذي يبقى لينسج للغريب حكاياه، حتى الصباح؟ 
ومفردات الليل المتاحة، قليلة، غارقة في جمودها حد الموت… !
ليس هناك أكثر من شارع نصف مسفلت، يطل مع العتمة فقط، يلتمس الإذن بالصعود، نحو تلّة مدفونة في رمل الأفق وبيت مهجور بلا شرفات حقيقية، يربض فوق قمّتها العنيدة. 
ذلك الشارع يعيد إلى ذاكرتي رهبة المسالك العتيقة، الصاعدة، في عمّان، 
لكنها بعيدة عن هنا الآن.
سيل ماء، يعبر مذعورا، أسفل الوادي، وأشجار يداعبها النسيم في فتور.
شتلة ياسمين مراوغة أوقعتني في حيرة بالغة، أرقبها منذ ليلتين، في الصباح ترتمي على سور البيت المجاور، ثملة، حتى آخر النهار، ومع أول الليل تختفي، قبل قليل فقط لمحتها عند الناصية الترابية، تلوذ بالعتمة، ولا تأبه لشيء ابداً.
الذاكرة بطبعها رفيقة دائمة، لكنها غامضة ومزعجة، أبقيتها في حقائب السفر.
منذ لحظة وصولي، وهي حبيسة الحقائب كإجراء وقائي فقط.
تكفيني هنا مفردات الليل الساكنة وهي تتململ، لتحكي… وأنا بدوري، سأحكي لكم. 
” قبل منتصف الليل”
الشارع النصف مسفلت، والذي يتسلق التلة، يطل الآن فجأة..!
من أين يأتي، وكيف يذهب؟ 
تحت أضواء المصابيح الشاحبة، عند الطريق العام… ينبثق بلا مقدمات.
أراه يشق طريقه مسرعا عبر المساحة النائية، يحاذي أعمدة الانارة في صعوده التدريجي، ويدوس الحشائش.
المصابيح تنثر بقعا برتقالية، مضيئة، تنتشر بما يكفي لجمع حياة ضئيلة، مؤقته، من حوله، ثم تشيعه وهو يلتف حول رخام المنزل الصامت عند الناصية، أول التلة، قبل أن يبدأ وجيب لهاثه المسموع، بأنفاس ثقيلة تفلت من قبضة السكون المفترض، وهو يمضي صعودا إلى القمة.
البيت الرخامي… يبدو أكثر إتساعا مع الليل،أربع شجيرات نخيل ضخمة تحط عند بابه،
من أين تأتي، وكيف تذهب مع الصباح؟! التلة القاتمة، حتى في شمس الظهيرة، كيف يشعلها الليل بعتمة الشارع الفرعي، وبنصف سفلتة مشوبة بأتربة النهار؟ 
ثلاثة منازل حجرية تنبت فجأة، كي تتربع على يسار الشارع،
من أين يأتي بها الليل، وإلى أين تمضي مع طلعة الشمس؟ 
أضواء تتراقص حولها، تميل نحو الخلاء الممتد، على الطرف الآخر،
حيث يصعب التكهن حول حقيقة الدافع الفعلي لظهورها…
أناس يأتي بهم، طوعا، ليفرغوا على شرفاتها الوادعة، صرخاتهم، وحاجاتهم للصخب، 
يأتي بهم بكامل غرائزهم، ليصلبهم أمامي.
عبث ثرثرات، لا تنتهي، صراخ، وإيقاعات لحنيّة يجترّها الشارع مرغما حتى الصباح.
في النهار… تغدو التلة خالية، وفارغة من كل شيء، إلا من كتل صخرية وحشائش برية ضامرة، مغبرة، وشارع ترابي، رسمته الرياح.
فمن أين يأتي الليل، بكل هذا، وإلى أين يذهب؟!
أطالع من مكاني حقائب السّفر، المتناثرة، وسط الزوايا المعتمة. تطل منها فجأة بعض الشوارع الصاعدة، المخيفة. كنتُ تركتها ورائي في “عمّان”، ربما جلبتها الذاكرة إلى هنا كوهم مستطير إلى زوايا غرفتي، أو أحيتها التلّة مع الليل. 
“طلعة المصدار”… إحداها، تنبثق بقسوة، لتنهض مع العتمة كجثة مغطاة بوحل المقابر.
“طلعة الشابسوغ”… هي الأخرى، تفتح باب غرفتي الموصد ببطء، لينزلق الصرير بوحشة في الذهن. 
يا إلهي، حتى شتلة الياسمين لم تعد بعد، مكانها يختلط بالسواد على السور المقابل، والجارة ـ على قلقها ذاته منذ المغيب ـ تحدّقُ فيه.
” عند منتصف الليل “
البيت الوحيد المنعزل على التلة،
مع الليل… تستفيق على جنباته ثلاث شرفات فارغة،
ومصباح إنارة غريب يتدلى في الهواء،
يتراقص وهو ينفض عن بوابة السور الأمامي بعضا من غبار العتمة.
الشارع النصف مسفلت، إسفلته الأسود يشتعل على وقع انعكاسات عابرة للضوء، ولا يصل للقمة.
في الثلث الثاني من الليل، يغدو البيت واهنا بطلاء باهت من بعيد، 
تضاء أركانه لمرة واحدة في السنة، لزوار يعبرونه على عجل.
قال لي بعضهم، بأن البيوت المهجورة، تظل حزينة، وقد تبكي أحيانا، أو تنتحب، وربما تشرع بالشكوى. 
عند منتصف الليل، أو بعد ذلك بقليل، تكلح وجوه البرندات الثلاث المزنرة على الخاصرة، من وجع خفي، وهي تعود لتبتلع صمتها وفراغها. 
تلك البيوت تظل مقفرة، ووحيدة. منعزلة، تغلق نوافذها مرغمة، في وجوه الناس والمصابيح، حين تذهب بعيدا في سرير عتابها الطويل كي تنام.
يعود البيت إلى عزلته فوق التلة، ويبقى الشارع المحتال. 
على وقع إنعكاساته المريبة تطل شوارع أخرى، أكثر ريبة، ومن زوايا غرفتي تحديدا…
“طلعة الحايك”، هذه المرّة … مريبة حقاً، إيقاعها الغامض في الظهور، مخيف، وكأنها تأتي من نصف مقبرة، نحو هذا الليل، لتزرع أعمدة غريبة في الظهر وتمضي.
“طلعة الخيّام”، أيضا … تستدير نحوي كمنجل أسود، مميت، يطالعني بابتسامة موحشة، قبل أن يحصد كل الأخيلة في لحظة، ويرحل . 

” بعد منتصف الليل”
الثالثة فجراً، هو أكثر الأوقات تعقيدا وشفافيه…
عند تلك الساعة تحديدا يبدأ الليل بالتنحي،
في تخل تدريجي عن صحبة الكائنات.
حفيف جماعي مباغت، يفرّ من أوراق الشجر، ليملأ الوادي،
يشتبك ببراعة ودون إذن مسبق، مع خرير المياه في الجدول القريب.
حتى ذلك الهدير الصاخب لمضخات سحب المياه على ضفة السيل الصغير، غدا عميقا وموحشا، وله دوره في جوقة العزف الصباحي.
مع أول الفجر يزداد النباح كثافة،
يتردد صداه ويصل مبحوحا من عدة أماكن مجاورة. 
صوت محراث ” جرّار ” زراعي مخنوق ، في طريق العودة،
يحاذي التلة ويعبر من ذلك الممر الترابي الممهد، يشق عتمة الليل بمصباحه الباهت،
ويزحف ببطء ودود نحو القرية.
ما الذي يدفع بفلاح بسيط ليبقى بعيدا، حتى الصباح؟
الجارة، الكائن الوحيد المصاب بأرق الإنتظار، ترفع عينيها عن سور البيت الفارغ من شتلة الياسمين، لتلاحق ببصرها هالة الضوء الوحيدة، الباهتة، المنبثقة عن هامة “الجرّار”، حتى 
يتلاشى صخب المحرك، سريعا، ويفنى مع هدأة الليل.
رفرفة طيور تنتشرعلى قمم قريبة، وحول أشجار تطوق المكان. 
شجر ثمل بهبات رياح طائشة، ومنعشة…
صباح يتململ خلف ستائر الأفق المقفلة، 
وأضواء مصابيح معلقة فوق باحات بيوت ريفية 
على الجانب الآخر من التلة، تتثاءب.
لا يبزغ الصبح من دون طير، أو بحّة عميقة تكسر الوقت، 
أو قبل أن ينهي الليل حزم أمتعته الشخصية،
ليس قبل أن يسوق حشراته الشبحية أمامه، ويرحل.
أسراب العصافير محايدة، لكنها تستفز بفوضى غنائها قرارة الشمس بالصعود.
سكون الشجر السفلي في الحدائق، ترحيب خفي بالصباح.
دقائق، بعد الثالثة فجرا… ويبتلع الصباح كل شيء،
عودة شتلة الياسمين متعبة إلى الّسور المجاور، عتاب الجارة، وارتياحها الغامض، 
يمهدان لذلك.
” آخر الليل “
تفقدّت كل شيء، خيوط الصباح الأولى، حقائب السّفر المحتقنة، عصافير الدوري وهي تضبط إيقاع أصواتها بإحكام وتعلن عن رحيل آخر حشرات الليل وصريرها الموحش، ثم نِمْت.
ربما قبل ذلك بقليل، أو بعده، أغلب الظن… حط طائر مجهول عند حلق النافذة، وراح يسرد لي قصة الليل وشتلة الياسمين، والجارة.
قال:
” لتعلم، بأن علاقة ما تجمع بين الليل وشتلة الياسمين، على الأغلب
يشوبها انتهاز طفيف للفرص، حد الإثارة، وضمن مستوى الشبهات.
بعد أن يهبط الليل، وفي غفلة منّا، كنا نلمحها وهي
تراود العتمة عن نفسها، 
لكننا نغض الطرف طوعا كي تفيض…!
تروّجُ الجارة لقصة عشق خفية وطارئة منذ الربيع الفائت، 
لكنها تنصف شتلتها وتدعي غواية الليل لها، عن خبث، 
ولا أحد هنا يصدق…! 
كانا على طرف الطريق قبل قليل، يتناجيان، ثم انتحيا جانبا تحت ظل برندة جانبية.”
لوَّحَ الطائر الغامض بإحدى جناحيه، تنهّد مثلنا، وهو يفضي بآخر ما لديه، قبل أن يطير: 
” نصف الحقيقة سيخطفها الصباح،
في حين سيذوب نصفها الآخر
بين عبق الرائحة وثرثرات لا تنتهي، تكفّلت بها الجارة، منذ الربيع الفائت،
ولا نيّة لأحد في أن يصدق.”
البيت المنعزل على التلّة، بدا الآن أكثر رعباً، وهو يرقد تحت عامود الإنارة كتابوت، ويحدّق بمكر في جناحي الطائر الغامض وهو يرفرف فوقه. 
رهبة المسالك الصاعدة، نحو مسلخ أمانة عمّان ومبنى الضمان، ومثلث الحديد، والميادين المكتظة ونفق المخابرات … رسمت شقوقا سوداء، متعرجة، على جبهة التلّة، أشار لها الطائر نحو نافذتي، وهو يفرّ مبتعدا، سرعان ما تفشّت في غيظ، ثم أخذت تنحدر مسرعة باتجاهي.
” أول النهار التالي / تتمة الرسالة”
الصخب نوعي أول النهار، ويأخذ صداقتي على محمل الجد رغم أني لا أطيقه.
الصباحات شبه مفقودة، وأعني وقت الثامنة منها على وجه الخصوص.
أفقت وأنا أفكر “بالشتلة” المراوغة، سارعتُ ـ قبل أي شيء ـ إلى تفقّد السّور المجاور، عبر نافذتي، كان زوج الجارة يصخب وهو يقسم حانقاً، بأنه سيجتثها.
أخذ يصيح في وجه زوجته: هذه الشتلة اللعينة، كانت على عناق مستفز مع العتمة.
منذ ليلتين وهي ترقد في حضن الغريب ونافذته، ونحن لا نعلم. 
فوح الرائحة، وذلك “الهدهد”، أخبراني بكل شيء، ثم أشارَ إلى مكاني في حنق.
أعود إلى قهوتي، وأنا أضحك، فلم يبق ما يحاورني في مكاني، سوى جسد التلّة العاري وهو يهرب مبتعدا، تحت غلالة الشمس، يبحث عن ظل شحيح ليغتسل. والشارع النصف مسفلت، المشغول بنفسه حيث كان ينفض عن جانبيه التراب ويرمق التلة والناس في حرج شديد، الرائحة الملتبسة لشتلة السور أرغمتني على إغلاق النافذة أيضا.
قهوة الصباح ـ بالمناسبة ـ باتت جريئة، ووقحة، تمدّ لسانها للشمس، في عزّ الظهيرة، ولا تأبه لوجودي.
أصدقائي الأعزّاء، الأهم من هذا كله… 
أن الذاكرة في القيظ مزعجة، وتستفزني عن قصد، لهذا أبقيتها في حقائب السّفر الصغيرة.
اليوم، قبيل الصبح، تفقّدتُها، ونِمْت. 
قبل قليل وجدتها على أرفف التسريحة، شبه مختنقة… 
ترى من أخرجها منكم، على سبيل المزاح؟
______________________
*قاص من الأردن 

شاهد أيضاً

رسائل الاسكندر إلى أمّه لم تُنشر من قبل

ثقافات – مرزوق الحلبي 1. لا تصدّقي يا أمّي أنني فتحتُ الهندَ والسندَ وأن الممالكَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *