الرئيسية / إضاءات / أرندت وهايدجر.. حب الفلاسفة

أرندت وهايدجر.. حب الفلاسفة



ذات يوم كتب «كارل ياسبرز» عن الفيلسوف «مارتن هايدجر» إن فلسفته بلا حب، لذا فإن أسلوبه غير محبب، وكان الفيلسوف يكتب في العام 1927 كتابه «الكينونة والزمان»، وكان يعيش آنذاك مغامرة عاطفية مع «حنة أرندت» تلميذته في جامعة ماربورج، وحين تحدث عن هذه العلاقة علنا لأول مرة قال إنها كانت «الأكثر ملاءمة لحياته»، واعترف بأنها كانت ملهمته وكانت تبث «الفكر العاطفي» في كتاباته.

في كتاب «الفلاسفة والحب» الذي ترجمته إلى العربية دينا مندور، نقرأ عن هذه العلاقة أنه «لن يطرأ تغيير كبير على الانجذاب الدائم في هذه العلاقة التي جمعت بين أرندت و»عصفور الغابة السوداء» على الرغم من تعاطف هذا الأخير مع النازية، ولم يكن لأحد أن يتنبأ في بداية هذه العلاقة بالشكل الأسطوري الذي ستصبح عليه فيما بعد، وهي التي جعلت من مفكر الأنطولوجيا الجديدة (علم الوجود) فيلسوفاً عاطفياً، يحتل مكانته إلى جانب أفلاطون وروسو.
يشير الكتاب إلى أن الحب احتل مكانة محورية في فكر كل من هايدجر وحنة أرندت، رغم أن كتابه الأشهر «الكينونة والزمان» لم يضم سوى استشهادين عن الحب الأول لباسكال: «عند حديثنا عن الأمور الإنسانية نقول إنه لابد أن نعرفها أولاً كي نحبها، وهو ما أصبح مثلاً دارجاً فيما بعد، أما القديسون فكانوا يقولون العكس عند حديثهم عن الأشياء الإلهية، إذ يجب أن نحبها أولاً حتى نعرفها، وإننا لا ننفذ إلى الحقيقة إلا من باب الرحمة، وتلك كانت واحدة من عباراتهم المهمة».
والاستشهاد الثاني من القديس أوغسطين: «نحن لا ننفذ إلى الحقيقة إلا بالحب»، والاستشهادان يشيران إلى أن الحب ممر العبور إلى الحقيقة، وإذا عدنا إلى كتاب «الكينونة والزمان» الذي زعزع فلسفة القرن العشرين، واستندت إليه محاضرات جامعة ماربورغ في صيف 1928، باعتباره مرجعاً أساسياً، إذ استعاد فيه هايدجر تأملاً مستوحى من تبادلاته مع ماكس شيلر، ويفضي هذا التأمل إلى أن الحب والكره يشكلان المعرفة، وقد استفاد من باسكال والقديس أوغسطين في دعم منطقه.
في المحاضرة التي ألقاها عن نيتشه عام 1936 أسس هايدجر نظرية للمشاعر، فعرفها أولاً، ثم انتقل إلى آثارها، ثم ميز الحب والكراهية كعواطف في مواجهة الانفعالات البسيطة، وهي موجودة دائماً في داخلنا، وتخترق وجودنا، والدليل على ذلك أنه يمكن أن نقول «إننا نغذي الغضب» «فالحب والكراهية لا يستلزمان وقتاً أطول فحسب، بل إنهما الشعوران الأصليان الوحيدان اللذان يحملان مسافة زمنية واستمرارية حقيقية في وجودنا».
من جانبها، كتبت حنة أرندت في عام 1953: «لا شيء يقودنا إلى قلب العالم النابض حقاً ومؤكداً أكثر من الحب»، وقبل ظهور كتاب «الكينونة والزمان» بعامين، تحديداً في 13 مايو/‏أيار 1925 كتب هايدجر إلى حنة: «أتعرفين ما أصعب شيء بين الأشياء جميعها وبين كل ما منح الإنسان ليحمله؟ بالنسبة للباقي توجد طرق ومخابئ ليحتمي الإنسان بها، أما أن تقع فريسة للحب فذلك يساوي أن يعامل الإنسان بازدراء في حياته الأكثر خصوصية».
يوضح كتاب «الفلاسفة والحب» أن هايدجر وحنة كانا عشيقين منذ أن تبادلا المراسلات بينهما في بداية عام 1925، وكان الموقف معقداً ومؤلماً، فقد كانت علاقتهما سرية، هو يكبرها بسبعة عشر عاماً، بينما كانت هي طالبة عمرها 18 عاماً، كانت تشعر بالقلق إزاء مستقبل علاقتهما، أما بالنسبة إليه فقد كانت هذه التساؤلات لا تعنيه، فالحب لم يترك لهما خياراً سوى «أن ينفتح كل منا على الآخر، وأن نترك الأمور تسير على ما هي عليه»، و«فلندع الموجود يوجد»، كان ذلك هو التغير الدقيق للحرية الذي قدمه في رسالته عن الإنسانية «الطريقة الوحيدة للحب هي أن يترك كل منا الآخر ليكون ما هو عليه بحرية»، من هنا جاء الاستشهاد بالقديس أوغسطين: «أريدك أن تكون ما أنت عليه»، إذ تتجذر الثقة من خلال تلك الحرية، ففيها يكمن تأكيد الحب، أن تحب إذاً، هو أن تحافظ على «الآخر» وأن تتركه يكون ما هو عليه، أي من دون أن تحاول تملكه، وهكذا ظل أوغسطين ملازماً لحنة، ولم تكن مصادفة أن تختار موضوع رسالة الدكتوراه الخاصة بها بعنوان «مفهوم الحب عند أوغسطين». في كتابها «يوميات الفكر» اقتطفت حنة نهايات مقاطع حديثة ومتعددة من حياتها، حيث تميز بين «عدم الإخلاص غير البريء» الذي «يتجسد بتقدم العمر والحياة»، وبين «جريمة عدم الإخلاص العظمى» التي «تغتال ما كان حقيقياً»، وتدمر ما يحمله الإنسان للعالم، كانت حنة أرندت واعية تماماً لحقيقة أن مشاعر العشق الحقيقية شديدة الندرة مثل الأعمال الأدبية العظيمة بالضبط.
في بطاقة صغيرة لم ترسلها إليه أبداً، كتبت حنة أرندت أن مارتن هايدجر كان الرجل الوحيد الذي بقيت من أجله مخلصة وغير مخلصة، من دون أن تكف عن حبه.
___
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

انتحار نعيمة البزاز.. راوية الجيل الثاني للمهاجرين المغاربة بهولندا

عماد فؤاد “هل الاكتئاب شيء هولندي، أوروبي؟ أم جزء من عملية الاندماج ذاتها؟”- هكذا تساءلت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *