الرئيسية / نصوص / حبّ في حقيبة سفر ..

حبّ في حقيبة سفر ..


*آسيا رحاحليه


خاص ( ثقافات )
إنّه الصيف ..
الشّمس سافرة في تحدٍ واضح والبحر يملأه الغرور, مستلقٍ بدلال بين أحضان الشواطئ. الشمس والبحر والليل وبعض أمل في النسيان.الشمس تتواطأ ضدّي. تمارس عليّ كلَّ ألوان الغواية فأقع فريسة الإغراء 
وفي لحظة أقرّر.. السفر .
ماذا لو أهرب إلى البحر؟ ماذا لو أهرب منك إلى الصيف؟ لن يعتقني من أسر هواك سوى الصيف.. من غيره يحرّر الكون من كآبة الخريف وتجهّم الشتاء؟
قرّرتُ أن لا أفكرَ فيك. سأحتمي بالبحر منك. أطفئ في زُرقته لهيب اللّوعة وجحيم الحرمان. سأسافر إلى مدنٍ أخرى.. إلى الضّوضاء والأضواء.. أجرّبُ فوضى الأماكن والأزقّة..أتلاشى في كسلِ الثواني وتثاؤب الساعات.
روتين الخروج .
طوابيرٌ من البشر على الحدود .
حدّقت في الوجوه كمن ينظر في صورة فوتوغرافية قديمة بالأبيض والأسود .
ترى من منكم مثلي هارب إلى الصيف؟
لم أملأ البطاقة بالسرعة المعتادة. تردّدت عند خانة قادم من / ذاهب إلى.. فكّرت أن أسأل الشاب الذي يقف بجانبي ثم انتبهت لغرابة الفكرة .
ابتسمت في حزن.. قادمة منك / ذاهبة.. إليك .
الدركيّ يحدّق في ملامحي.. تراه سيراك تسبح في أحداقي أو تتأرجح بين رموش عينيّ؟
ـ ماذا في الحقيبة, سيدتي؟
آه.. في حقيبتي رجل من حب.. حكمت عيناه على قلبي بالسجن مدى الحياة.. وعدتني شفتاه بالذوبان ويمناه رمت صدري بسحر الكلام فوقع قلبي مغشيا عليه.
ـ ثياب وكتاب وقلم وأوراق.. سيدي.
آه.. سيّدي.. في حقيبتي رجل أُمعن فيه حباً فيمعن هجرانا.. اليوم قرّرتُ أن أسافر منه.. سوف أضعه داخل صدَفَة وأرمي بها في البحر.. سوف أغطس في الماء لأخرج منه عاريةً من ذكرياتي معه.. منسلخةً من وجع هواه.
دعني أمرّ وأعدك حين أرجع لن تكون حقيبتي ثقيلة.. ولا ذاكرتي .
وكان أن تهتُ في الصيف ..
جرّبتُ الضياع في شوارع مدن لا تنام.. امتهنتُ التسكّع على رمال الشاطئ, حافية القدمين, عارية الألم. جلستُ ليلا إلى مقهىً عتيق.. سامرتُ خيالي. دندنتُ بأغنية.. طلبتُ عصيرا باردا. ركّبتُ فوق وجهي ملامح الدهشة والفضول لامرأة تزور المكان لأول مرة ..
وماذا بعد؟
هل حقا سافرت؟ هل غادرت مكاني هناك حيث كنا نلتقي.. حيث حوارنا وشجارنا وطيشنا وشعرنا… وبكائي مراتٍ ومراتٍ بين يديك؟
روتين الدخول ..
نفس الطابور من البشر. نفس الأشكال والأشياء.. ربما الوجوه مختلفة..لا أدري .
تساءلتْ لماذا الحدود؟ وما جدوى التفتيش والأسئلة ولا أحدَ استطاع أن يكتشف أنني أهرّبك مثل تهمة أنّىَ توجهت.. ما معنى الحدود وقلبي يحملك في المطارات والموانئ والمدن دون جواز سفر..
جلست أنتظر دوري.. غفوت. صرخ الدركيّ “أوقفوا تلك المرأة.. ضبطناها متلبسة بالعشق وتحمل في الحقيبة حبا محظورا!
______
*أديبة جزائرية 

شاهد أيضاً

رسائل الاسكندر إلى أمّه لم تُنشر من قبل

ثقافات – مرزوق الحلبي 1. لا تصدّقي يا أمّي أنني فتحتُ الهندَ والسندَ وأن الممالكَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *