الرئيسية / Uncategorized / ثقافة منزوعة النّخاع

ثقافة منزوعة النّخاع


*خيري منصور



لم يكن الشاعر لوركا ناقدا بالمعنى الحرفي والتقليدي لهذا المصطلح، لكنه شاعر تعامل مع الكلمة من داخلها فصدق عليه ما يقوله أليوت عن الشاعر بأنه الناقد التطبيقي الأول، لأنه يختار ويحذف، ومسوداته هي ذروة هذا النقد، لهذا حين قال لوركا إن هناك بُعدا ثالثا لكل نصّ يتجاوز ثنائية الشكل والمضمون وهو النخاع، فقد جعل من هذا الأقنوم كشفا فات الكثير من النقاد، والنخاع هنا هو شيء آخر غير الأسلوب والمعنى، والدلالات، أنه جذر الرؤية التي تجترح للنصّ آفاقا جديدة، ولو طبق هذا القول على ما كتب تحت عنوان الموزون المقفى لسقط الكثير منه، ولم يصمد أمام هذا الغربال الصارم.
وما يصدق على الشعر يصدق بدرجة أشمل على الثقافات، فهي أيضا ليست تراكم معلومات ومعارف، وليست حاصل جمع نصوص، إن لها نخاعا غير مرئي تحزره القراءة الحصيفة كما يحزر طائر النورس السمكة التي يقال بأنه يصطادها ثم يراها لفرط رشاقته، وهذا أيضا ما عبّر عنه هاوسمان حين رفض كل التعريفات المتداولة للشعر، لأنه عصيّ على كل تأطير، وأضاف أنه يحزر الشعر كما يحزر القط الفأر عندما يراه ويستشعر وجوده فقط وليس كما هو معرّف في علم الأحياء.
الثقافة، مصطلح حديث في لغتنا، وقد يدهش البعض إذا قرأوا ما كتبه سلامة موسى ذات يوم، وهو أنه أول من استخدم هذا المصطلح في النصف الأول من القرن العشرين، فالثقافة مرادف للحضارة برمّتها وليست بعدا من أبعادها لأنها تشمل الأنماط والتفاصيل كلها.
وبإمكان أي مراقب لتجليات المشهد الثقافي الآن في العالم العربي أن يقول إنها ثقافة منزوعة النخاع، رغم كل ما يكسوها من عظم وشحم وبدانة، ذلك ببساطة لأنها في معظمها ثقافة مغتربة عن الزمان والمكان، فهي زمنيا رهينة موروث أكسبه التواطؤ قداسة تحرسه، وهي مكانيا مهاجرة إما إلى الداخل والباطن أو إلى المنفى، لكن منفاها ليس بلدا أو مكانا محددا في الجغرافيا، إنه سياق معرفي، والواقع بالنسبة اليها إما مُتخيّل ومعاد إنتاجه أو مترجم بتصرف تماما، كما يحدث في تكييف الثياب كي تناسب الجسد.
وثقافة كهذه ليست فقط تراكمية وعشوائية، بل هي أيضا ملفّقة، وتعيش على موجات تتعاقب لكنها لا تصل الشاطئ كي تمكث عليه ولو دقيقة، فالموجة الوجودية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي لم تنجب سوى أشباه يتغذون على نصوص سارتر وبوفوار وكامو، إلى الحد الذي دفع شابا عربيا إلى كتابة قصة بعنوان «ضياع في قريته» على غرار رواية ويلسون «ضياع في سوهو» !
وغاب عن هؤلاء أن التيارات الأدبية ليست نبتا شيطانيا، وأن هناك تساوقا وتناغما بينها وبين المناخات الفكرية والفلسفية السائدة وللمثال فقط لم تكن الرواية الجديدة، أو ما سماها سارتر اللارواية التي كتبها روب غرييه وآخرون مجرد موجة تجريبية في العراء، فهي باستبدال الزمان بالمكان والشخص بالشيء تعكس مناخا ثقافيا مشبعا فالفينومونولوجيا وهي ما ترجم إلى العربية بالظاهراتية.
إن ثقافة منزوعة النخاع لم تتوقف عند ترجمة النصوص، بل حاولت ترجمة مدن ومناخات اجتماعية وسياقات تاريخية لا تشبهها على الإطلاق، ففي الوقت الذي كتب فيه أليوت وسيتويل وغيرهما قصائد تشكو من افتراس المدينة المعاصرة والعملاقة للبشر، انعكس هذا على الفور في قصائد عربية، رغم أن شعراءها إما ريفيون قادمون للتو من قرى تُضاء بالنفط وتحرث فيها الأرض بالأبقار والخيول والبغال، أو مقيمون في مدن هي في حقيقتها عناقيد من القرى في مجمل نسيجها الاجتماعي وتقاليدها.
وما أن ترجمت أولى دراسات عن البنيوية حتى سارع بعض ابناء الثقافة المنزوعة النخاع إلى كتابة نصوص تصلح للنقد البنيوي الذي يستبعد أحكام القيمة، وفات هؤلاء كالعادة أن البنيوية بنيويات، وأن منها الشكلاني والتكويني المطعم بالمنهج الماركسي الذي جسّده غولدمان في ثقافة كهذه تكون الـ هناك بديلا لـ الهنا، والآخر بديلا للذات، وحين قال أنطون مقدسي إن العربي كانت قامته القومية معادلة لقامته البشرية في الجاهلية، بعكس ما هو عليه الآن، فمعنى ذلك أنه لم يكن منجذبا إلى نموذج يقتفيه ويحاكيه ويستمد منه معايير الأحكام والتقييم، وهذا ما قاله أيضا الرائد المهجور ابن خلدون عن ثقافة المغلوب، ثم أضاف إليه المفكر الجزائري مالك بن نبي الاستلاب بمعنى تبني المغلوب لثقافة الغالب ومنظومة قيمه، وللمثال سأذكر كتبا ألفها مثقفون أثناء الاحتلال والانتداب والوصاية منها ما يشيد بالمستعمر الإنكليزي ككتاب حافظ عفيفي وكتاب أمين المُميّز، إضافة إلى قصائد تشيد ببني التايمز كالقصيدة التي كتبها إسكندر الخوري عام 1917، أي في العام ذاته الذي صدر فيه وعد بلفور، جذر البلاء والداء الذي ندفع ثمنه طيلة قرن كامل.
لقد حاول بعض المثقفين، ومنهم أمين معلوف ردم الهوة بين الثقافات وبالتالي الهويات كما في كتابه الهويات القاتلة، وهذا ما حاوله أيضا داريوش الإيراني في كتابين عن النفس المبتورة وعصاب الهوية، لكن هذه الهوة لا تردم بالرّغائب فهي قد تردم لدى المثقف المهاجر الذي اندمج في سياق آخر، لكنها تتعمّق وتتسع بين الماكثين في ديارهم والآخرين الذين يتطورون بتسارع محموم في كل شيء، وهذا ما يفسر لنا المديونيات المعرفية التي قد يتعذّر تسديدها في المدى المشهود.
____
*القدس العربي

شاهد أيضاً

ظلال السّرد المهمّشة..مُقاربات في الفن الروائي (2)

*لطفية الدليمي أقرأ غالباً على صفحات الفيسبوك المشحونة بالصخب مجادلات ونزاعات ووجهات نظر متباينة ومتطرفة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *