الرئيسية / فكر / عن أية حداثة تخصنا يمكن أن نتحدث حسب بول ريكور؟

عن أية حداثة تخصنا يمكن أن نتحدث حسب بول ريكور؟


*زهير الخويلدي



“لقد أخذت الحداثة تقترب من تعريف نفسها عن طريق تعارضها مع نفسها عينها”[1].
لقد اتفق غالبية الشُرَّاح على منح بول ريكور لقب “الفيلسوف المسيحي” وهي تسمية كثيرًا ما كان يرفضها في محاوراته ويعتذر لكل من يطلقها على فلسفته وذلك لكونه يعتبر نفسه من طينة المفكرين الذين لا يعيرون أي اهتمام وثوقي في قراءاته الدينية بل يحاول قدر الإمكان التمييز بين سجل التفكير التأملي ومجال الإيمان الشخصي ويعرف تفكيره بوصفه فلسفةً دون مطلق بل نراه يعول بشدة على هذا التمييز الصارم قصد التخلص من النزعة الألوهية واحترام مفاهيم البنية والاختلاف والغيرية والعلمنة.
لقد وقع اتهام ريكور من قبل بعض المتابعين مثل ( Rainer Rochlitz وAnnette Wiework وAlain Badiou) بأنّه يثبت وجهة النظر المسيحية للذات التاريخية ضد وجهة النظر الفلسفية التاريخية التي تنحدر من أصول يهودية وخاصة في مسألة سياسة الذاكرة العادلة. صحيح أنّ الفلسفة الريكورية هي مجال الحجاج والدقة، ولكنها لا تدعي بلورة الحقيقة المطلقة، وصحيح أنّها عادت في بعض الأحيان إلى مشاكل الإثم والغفران والخطيئة الأصلية والعطوبية والتناهي وهي مفاهيم مشتقة من الفضاء الديني، إلا أنّ ذلك لم يكن مراده عقلنة اللاهوت وبناء تأويلية لاهوتية بقدر ما يتعلق الأمر بالكشف عن صعوبات وإمكانيات الصفح وتهيئة سياقات الغفران وتحديد الاستراتيجيات من أجل تحقيق اندماج الذاكرة في محيطها الثقافي والتعامل معها كمطية لبلوغ وضعية إتيقية متصالحة مع نفسها والتفاعل مع قيم الإيثار والمسؤولية والعيش المشترك. على هذا النحو يمكن القول إنّ الفلسفة الريكورية طورت النقاش حول الذاكرة والنسيان والصفح منذ قيامها بالجمع بين المسائل الفنومينولوجية والتحليل النفسي وبين الدراسات التاريخية والمقاربات الابستيمولوجية وفكرت في الإتيقا بجدلنتها مع الأنطولوجيا ضمن منهاج براغماتي تداولي. غير أنّها عارضت بين ذاكرة الأحياء والتاريخ المكتوب وطرحت إشكالية تمثيل الماضي وسعت إلى وضع مكان التمشي الوضعاني الحدثاني سياسة الذاكرة العادلة عبر لحظات ثلاث هي فنومينولوجيا الذاكرة وإبستيمولوجيا العلوم التاريخية وهرمينوطيقا الوضع التاريخي. حري بنا أن نبين في هذا المقام أنّ الذاكرة العادلة ليست تلك القادرة على إحياء الذكريات وممارسة فن التذكر بجدارة وأصالة ولا تلك القادرة على النسيان بالمعنى السلبي بل هي الذاكرة القادرة على الصفح والنسيان بالمعنى الإيجابي الذي يؤدي إلى التطهر والعلاج والتصالح مع الذات. وآيتنا على ذلك أنّ الصفح وحده القادر على نحت مفهوم إسكاتولوجيا الذاكرة الذي يستطيع إعادة تأويل أحداث التاريخ الماضية واستكمال الآمال والرغبات وبلوغ ذاكرة سردية سعيدة ومرتاحة وذلك بالعثور على الحاضر والانتباه إلى الراهن والاحتراس من المداهم والمباغت والطارئ. كما يمكن القول بأنّ الأطروحة التي دافع عليها بول ريكور في هذا المقام تعطي الأولوية الأنطولوجية والأنثربولوجية للذاكرة على حساب جميع الأبنية التاريخية وتعيد الاعتبار إلى الذاكرة الحية ضد تنسيب المؤرخين وزعمهم التقيّد بالموضوعية. كما يثني ريكور بطريقة عقلانية وتحليلية على الذاكرة العادلة والعلاقة الذاتية والحية مع الماضي ويتسلح بمجموعة من المناهج والمقاربات الإبستيمولوجية بغية تفادي الفهم المسبق والأحكام المسبقة التي يمكن أن تقع فيها تجربة الذاكرة الحية ويحاول استثمار هذه المعرفة في استنتاج القطب الإتيقي والسياسي. كما سمحت تحليلات ريكور حول الظواهر الذاكرية بالكشف عن تأثيرات الإيديولوجيا في النظرة التي يشكلها الناس حول أنفسهم ورؤيتهم للعلاقات التي تجمع بينهم وللعالم الذي يعيشون فيه، ووقفت وراء الطرق التي يختارون بها معتقداتهم الجماعية بكيفية تمنحهم الحياة والديمومة. لقد تفطن ريكور إلى أهمية الذاكرة في تكوين الهوية وفي تحديد العلاقة المتداخلة بين الهوية الجماعية والهوية الشخصية والنظر إلى الهويات الفردية على أنّها تنتمي إلى هوية جماعية، ولكنّها قادرة على التحرر من أطرها الضيقة وأنماطها الثقافية وبناء هويتها السردية المنفتحة. غني عن البيان أنّ أهمية مفهوم الهوية السردية عند ريكور تكمن في سماحه بالتقاء الزمان والسرد وبين الشعرية والوجود، وكذلك بتقاطع التاريخ والذاكرة، وانبثاق زمن ثالث هو الزمن المروي، وتحول النسيان إلى طريقة لتحصيل السعادة في إطار المجهود السياسي نحو تحقيق العفو العام والمصالحة مع الماضي الثقافي. هكذا تمثل الهوية السردية هذا التفاعل العجيب والتثاقف الخلاق بين الذاكرة الجماعية ومجموعة الذكريات التي تنتمي إلى هوية شخصية عاشت حياة خاصة مليئة بالتقلبات والأحداث الفريدة. كما أنّ هذه الذاكرة الجماعية تضمن الاستمرار الزمني للأفراد وتسمح لهم بالتواصل وتبادل الرؤى والمشاعر والتطلعات والأمنيات والأحلام والتشارك في القيم عن طريق السرديات والقصص. أضف إلى ذلك تجعل الذاكرة السردية إمكانية تعرف الذات على ذاتها أمرًا ممكنًا وتظهر الكيفية التي تعتني بها الذات بذاتها وتكتشف كينونتها وتثبت إنيتها بواسطة التعرف على الغيرية الكامنة فيها وتجعل من بنية الأفعال رهينة تحمل الفاعلين الحقيقيين مسؤولية أفعالهم واقتدارهم وعزمهم. على هذا النحو يمكن القول إنّ التاريخ البشري هو مسرح التجارب والأحداث وفضاء الممكنات والفرضيات والوعود لكونه يصنعه الناس وفق المراوحات التي تفصل وتصل بين الذكريات الشخصية الهشة والمحتملة والذاكرة الجماعية المترسبة والصلبة. على هذا الأساس يمكن الإقرار بخضوع الوعي البشري لنقد الحداثة وانخراطه في ألعاب الزمان وأهواء الأفراد ولأشكال التوسط بين الذات والغير وبين المواطنة والغرباء التي تتبلور في تقاسم الذاكرة عبر صور التكامل والتبادل بين هبة الحياة والخشية من الموت.
رأس الأمر أنّ ما يسود في فكرة الحداثة أو التحديث عند بول ريكور ليس التوافق مع أفكار الزمن بل هو عدم الرضا وعدم الاتفاق مع الزمان الحاضر. بناء على ذلك يرفض اللاأدرية المتشددة تجاه فكرة الحداثة ويعتبر مديح الحداثة هو التفكير الشمولي الميتاتاريخي في التاريخ ويرى أنّ المعنى الحقيقي للحداثة الخاصة بنا هو الاعتراف بالوضع السجالي والمتصارع حوله واللاّنهائي لكل النقاشات الدائرة في الفضاء العمومي، ويقدم التراجيدي على السردي، ويتخلى عن معرفة تاريخية بالذات تريد أن تكون كلية، ويقوم بتفكيك ادعاء التفكير بشكل مطلق في التاريخ، ويستبعد عملية تنصيب الحاضر التاريخي حكمًا مطلقًا على كل الأزمنة ويكتفي بالتفكير في الحدود، وُيعرّف الحداثة بكونها مفهومًا بعيدًا عن كل رغبة في انتهاك الحدود من طرف الفاعلين الحقيقيين للتاريخ الحالي والاعتراف بالوجود المدين تجاه التقاليد. ويبرهن على ذلك بقول برنارد بوشارتر: “نحن أقزام يقفون على أكتاف عمالقة. ما الأعظم والأشرف صلابة عملاق أو حداقة نظر القزم؟”[2]. في هذا الصدد يضع ريكور جملة من الملاحظات النقدية حول مفهوم الحداثة:
– التكرار المتتالي لعبارة حداثة، والحال أنّ العديد من العصور وصفت نفسها بأنّها حديثة.
– تظهر فكرة الحداثة حينما تعمل فكرة زماننا من تلقاء نفسها في اختلافها مع الماضي.
– تظهر الحداثة حينما تحدث تمايزات على أساس القبل والبعد والماضي مع الحاضر.
– أول استعمال كلمة حديث كان محايدًا وبذلك اقترن بكلمة جديد ومواجهة قدم التقليد.
– استعمل الوعي الغربي كلمة حداثة لينصب نفسه مرشدًا للإنسانية نحو التقدم والتطور.
– فكرة الحداثة هي رؤية الحاضر بأعين المستقبل وعدم الاتفاق وعدم الرضا بالموجود.
– التمييز بين الحداثة الغربية والحداثات المغايرة واقتراب الحداثة الغربية من درجة تعريف نفسها بالانقلاب على ذاتها ومراجعة أسسها والتجذّر في التجربة الحية.
– التركيز في الحداثة على المحدث وتدوين تاريخ تمثلات الذات ومراقبة الحاضر.
– يتضمن خطاب الحداثة التفكير النضالي والسعي الى التغيير بدل الاستعادة والاسترجاع.
– لم تعد الحداثة أمرًا محايدًا بالنسبة إلى ما ينظمه، وأصبحت تعني تسلسل جملة من الأفكار والوقائع والأحداث لا تتطابق مع التقويم التاريخي بل مع دلالتها في الزمن الفلسفي.
– إنّ الحداثة هي في الوقت نفسه مقيمة لذاتها وذاتية المرجع والإحالة وتقتضي حصول وعي تاريخي للذات والقيام بحركة استخلاص من الحاضر قيمًا حيوية وجديرة بأن تبقى.
– الحداثة ليست الحدث المفارق الذي ينجز قطيعة وتقدمًا، بل هي حديث عن التنوير وتاريخ التمثلات والفهم الذاتي لاختلافنا نحن في هذا العصر عن غيرنا الذين سبقونا.
– يغير خطاب الحداثة نظامه في كل مرة يحس فيها بالوقوع في التكرار ولكي يتفادى تقليد القديم وسعيًا منه إلى إنتاج التمييز الذي يكرس الاختلاف والفرادة عن بقية العصور.
– الحداثة تمتلك محاسن ومساوئ وتتوقف على تقاطع الكوني والتاريخي ورفع اللاّمقول واقتدار الحاضر أن يتعرف على نفسه في قلب التغيرات ويفكر في ذاته بشكل مختلف.
– تعبير ما بعد الحداثة هو مرادف لتعبير الحداثة ويدل سلبيًّا على إنكار كل مديح للمحدث وناتج عن تغيير المعرفة لوضعها في الوقت الذي تتغير فيه منزلة الثقافة في المجتمع وقد ارتبطت بخطاب نزع الشرعنة عن خطابات الوضعية والتأويلية والدهرنة اللاّهوتية.
– التسمية الذاتية لعصرنا بأنّه ما بعد حديث تتضمن شحنة سجالية وجرعة تنويرية ولكنها تعاني من تناقض إنشائي وغياب فكرة المعيار وصعوبة الوصول إلى إجماع ووفاق.
– الحداثة مشروع غير قابل للاكتمال تتطلب التوصل من خلف خطابات الشرعنة إلى القوة البلاغية الموظفة في القص بعد فقدان السرد كل صدقية وتوصيفه الشمولي للعصر.
– الأمل الوحيد عند ريكور من مشروع الحداثة: “ممارسة العدالة تصاحبها أشكال محلية لاتفاقات مصنوعة من النزاعات التي لا يمكن التغلب عليها تساندها قصص صغيرة”[3].
غاية المراد أنّ التساؤلات الفلسفية الشائكة حول العنف والازدراء واللاّإنساني واللاّمقول والإرهاب والحياة الجيدة ومعنى الكينونة لا يتم تحسسها وإثارتها وطرحها بدقة إلا بواسطة مناهج متعددة يشترك فيها البحث التاريخي والمقاربة السوسيولوجية مع التحليل النفسي. لقد حاول ريكور جاهدًا أن يضع الأسس الصلبة لفلسفة الذاكرة وحاول الحصول على آخر الاكتشافات العلمية في عصره، وأصر على إعطاء البعد الأنطولوجي الإتيقي الحيز الأكبر في مشروعه ولكنه اصطدم بطول المسار الذي قطعه ولذلك ترك العديد من الإشكالية مطروحةً، وكشف العديد من الأجوبة غير المكتملة، وقرب الفنومينولوجيا والإتيقا من فلسفة الحياة.
المخرج المقترح من قبل ريكور هو نحت ذاكرة متوازنة وعادلة تنعم بالهدوء وقادرة على النسيان في علاقة بالعذاب والألم والحزن الذي تسبب فيه التاريخ وعلى التسامح والصفح في علاقة بالإهانة والشقاء والازدراء والشر الذي تعرضت له الذات تحت تأثير السلطة والرغبة.
لكن ألا يعتبر مثل هذا المخرج الريكوري معالجة أخلاقوية لتاريخ عنيف وجراح عميقة ناتجة عن شر أصلي متجذر في الطبيعة البشرية اللامعصومة والمصابة بالعطوبية والهشاشة؟ ومن يضمن لنا ألا تتعرض هذه الذاكرة مجددًا إلى التمويه والتلاعب من طرف السلطة ؟ وكيف تتجسد مساهمة الذاكرة الجماعية في التكوين السردي للهوية ؟ وأليس المطلوب هو التحرر من هذه القيم المطلقة والقناعات المترسخة والروايات الكبرى التي يفرضها التاريخ الرسمي؟ وألم يقع ريكور في تبرير المحو المتعمد للأسباب الحقيقية والصمت المبرمج إزاء الأحداث السياسية الصاخبة؟ وإلى أي مدى كان منصفًا نحو ضحايا التاريخ ورادعًا لأنانية الرأسماليين وشمولية الإيديولوجيين وتعصب المتدينين؟
في الواقع يستحق بول ريكور أن يكون مفكرًا به بصورة عميقة ومتزنة، ويليق بأعماله أن تكون مقروءة بأكثر عمق ومؤولة بصورة متنوعة وثرية. وهذا الاهتمام يكون تارةً بالاقتناع والتوافق معه وطورًا بتبني الرأي المعاكس والسير ضده بإبراز التنافر مع وجهة نظره والتناظر مع نصوصه. جملة القول إنّه إذا ما أردنا التفكير بشكل أفضل بما قد بقي غير مفكر فيه عند بول ريكور فإنّه حري بنا أن نعرج على عزمه ذات يوم كتابة جزء ثالث من مشروع “فلسفة الإرادة” كان يود تخصيصه للحديث عن مبدأ الخيرية والطيبة والبراءة والشاعرية ويبين فيه طرق الانتصار على الشر والعنف والكذب والتناهي وسبل مواجهة استعصاءات الإثم والذنب ومآسي التاريخ. لكن أليس كل ما كتبه هو صفحة جديدة غير مصرح بها لهذا الكتاب الذي لم يكتب؟
المصادر:
ريكور (بول)، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة جورج زيناتي، الدار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، طبعة أولى، 2009
Ricœur (Paul), Mémoire, histoire et oubli, édition seuil, Paris, 2000
[1] ريكور بول، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة جورج زيناتي، الدار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، طبعة أولى، 2009، ص 460
[2] ريكور بول، الذاكرة، التاريخ، النسيان، مذكور في الهامش عدد 21، ص 458
___________
*عن ” مؤمنون بلا حدود”.

شاهد أيضاً

نعوم تشومسكي : إنها فرصتنا لخلق عالم مختلف،أو لن يتحقق ذلك

ثقافات –  ترجمة  : سعيد بوخليط   تقديم : يتضمن هذا الحوار،وجهة نظر اللساني اللامع والفيلسوف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *