الرئيسية / إضاءات / الصداقة

الصداقة



*عالية ممدوح



أسئلة الصداقة 
«يا أصدقائي!» ليس ثم البتة من صديق.. «مونتيني»
«يا أعدائي!» ليس ثم البتة من عدو.. «نيتشه»
1
إلى أين يمضي الصديق حين يغادرنا حانقاً من صداقتنا، أو العكس؟ هل يختلق لنا احكاما مشددة؟ أم نلتمس له اعذاراً مخففة؟ هل تشبه الصداقات بين البشر، وفي العموم، تنظيم الخدمة العسكرية، أم المجتمع الأقطاعي؟ التي تسارع في الأولى إلى الانضباط الشديد الذي قد يصل للتمرد، وربما العنيف على بعض شروط الصداقة، وفي الثانية إلى الانقلاب على جميع ترتيبات توزيع الأرض/ الصداقة بالدونم أو الهكتار، بالثانية والدقيقة. متى تبدأ بعض الصداقات تثقل كاهلنا فيسارع أحدنا إلى تأييد وتأبيد الانفصال؟ هل للصداقة أعمار موضوعية باردة ومحايدة وتدخلها بعض البراغماتية، وربما تٌلقن ببعض الأحكام لكي تستمر ولو على مضض، فقط لأن أحد الأطراف يفزع من الوحدة على سبيل المثال؟ هل تصادف أن فردنا صدرنا في أحد السنين وقلنا بصوت لا رجعة فيه؛ آه، هو/ هي هذه التي استطيع أن استذكر وبدقة جميع الحجج والذرائع في سلوكها، في الملابسات وسوء الفهم، في الاختفاء والعودة، في الحضور والغياب الخ فأردد حسناً، ومع كل هذا فما زالت تلك الصديقة كوكب حياتي. هل هناك منهج تأويلي لا علاقة له لا بالحداثة وما بعد بعدها، ولا بتداعيات النسوية وخصوبة مفاهيم ما بعد الاستعمار للتحري عن صديق ولن اضيف بعده النعت إياه “صديق حقيقي”؟ كيف نستنتج من بعض المحادثات التي نتابعها ونصغي إليها عرضاً أو حقيقة لما يجري بين ما يدعون أنهم أصدقاء، وما أن يختفي أحدهم أو أحداهن حتى نتأكد أن ذاك الصديق هو الخصم والعدو رقم واحد!
2
في أثناء انشغالنا بالبحث عن ذواتنا، وداخل كل منا القوة والهشاشة لكي نفكر ونراجع مرامي حياتنا فنلاحظ انبثاق وجه ما عبر شق الباب أو الشباك مفروداً هو أيضاً مثلنا غير واثق من الآخر والغير. يخشى من التجاهل والبرود لكنه يتمسك بالحيز الوحيد الباقي أمامه، أن يكون صديقا وحراً. الحرية، كما أظن هي برهة وأبدية في علاقات الأصدقاء وفي قانون كل صداقة سواء كانت بين رسامين أو نقاد، بين روائيات ونحاتات، وبين جميع أبناء البشر كافة. قي أحدى السنين اعتقدت وما زلت، ربما لليوم، أن هناك تصوراً يقول ب معاداة الصداقة كما هي معاداة السامية. فقد بدت التضحية بها علامة امتياز وزهو ووجاهة تتجاوز المفهوم القيمي وتمضي إلى التبعات السياسية والنفسية والعصبية وبدرجات قريبة التفاوت. كعراقية الوالد وسوربة الأم ليس عندي تصورات أو أوهام حول صنوف السياسة وبجميع اطيافها السياسية: القومية والماركسية والإسلامية، وخلال كل الحقب الدموية وإلى الساعة، فقد أطاحت السياسة وفساد طبقاتها بجميع أنواع الصداقات. لست هنا بصدد التوثيق أو التمحيص مما أذكر ولا أدعي الأخلاص فيما أقول، فقد دونت بعضه في كتاب الأجنبية وينتظر البعض في كتب لاحقة. لقد تعلمت من مصاحبتي لأصدقاء وصديقات من المملكة المغربية، وفي أثناء إقامتي الطويلة هناك، كيف اضبط غدد التعدد والاختلاف بين اليمين واليسار كعلامة استقرار على شروط الصداقة ورحابة الفكر وسكينة الأنس الذي لم أشعر يوما أنه معرض للتهديد أو الوعيد. كما كانت الصداقة بين الكاتبين والباحثين اللبنانيين جوزيف سماحة وحازم صاغّية مثالاً على أدلة إبداعية يقدر الباحث السياسي الوصول إليها بالاعتراض وبواسطته للوصول لحجة وجوهر الصداقة الحقيقية التي جمعت الاثنين. ولقد كتبت عنهما بعد وفاة الصديقة مي غصوب ووفاة جوزيف سماحة وهو في بيت الثاني في لندن حين سافر لمواساة صديقه صاغية.
3
وأنا أشتغل على هذه الموضوعة الأثيرة والمضنية، الصداقة، كتبت إلى الزملاء والأصدقاء والأصحاب ومن الجنسين. تجنبت بعضهن/ بعضهم بسبب النفور مني. وبعضهن بسبب “أنني أغار منها ومنه”. بعضهن فزعن من السؤال بسبب المس بالقيعان الشديدة الانحدار للذات البشرية فقد تعثر أحداهن على ما يدعها تخرس عن جميع الادعاءات والسفاسف التي كانت تتصور أنها معمدة بشهادة حُسن الصداقة. بدأت الردود تتوالى مما ضاعف الحماسة فكتبت لأسماء أكن لها التقدير والإعجاب لكنها المرة الأولى التي أكتب إليها فكانت الاستجابة فريدة حقاً. كان علي حفظ وتجميع هذه الأدلة المكتوبة، أما الاشتغال عليها كنوع من المونتاج والقص واللصق ما بين هذه الشاعرة وكاتب القصة ذاك، أو ادعها، كل نص في أثر نفسه يؤسس ويحافظ في نهاية المطاف على حركته الداخلية. لكن بعض النصوص التي وصلتني كانت جد قصيرة، ربما بضعة سطور، وبعضها تتجاور ال700 كلمة، والبعض كتب عن أمر مغاير عما سألت. ماذا أفعل بكل هذا الشجن، والغضب، والمفارقة والتنظير، والحس الفكاهي المرْ والقاتل بمعاني الصداقة. البعض كتب لي قائلاً؛ ما هذا الموضوع من يسأل عن الصداقة اليوم والبلدان تتهاوى؟ بالضبط، هو استنطاق للأصدقاء والبلدان سوياً. لا أعرف إن كان الصديق بمقدوره أن يسند بلده عبر الصداقة والأصدقاء كما كتبت الشاعرة السورية عائشة أرناؤوط. إذاً هي تقنيات عدة سوف اشتغل عليها وفي حلقات عدة وعبر يوميات/ نصوص الصديقات والأصدقاء اللاتي/ والذين ما زلت أنتظر بعضها. فبعد أن كانت مجرد فكرة ساتحدث كيف بزغت، تطورت وصار الرقم أكثر مما تصورت!!
__________
نصوص الصداقة
1
في العام الماضي كتبت لي الناقدة العراقية فاطمة المحسن؛ أنها بصدد تأليف كتاب عن مرحلة الستينيات، عن البدايات والصداقات بالكاتبات العراقيات، عن زوجي، وعن عزيز السيد جاسم وعن.. الخ. بغتة، تضعك الأسئلة والأسماء والأحداث والوقائع وسط حياتي الخاصة والعامة لشركاء وأصحاب وزميلات.. إجرائيا هزتني تلك المراحل فكتبت عنها عموم رواياتي وما زلت في عملي الأخير والجديد الذي ما زلت أشتغل عليه. المحسن اعطتني بطاقة ائتمان لمصرف لم يعد موجوداً في بلد يختفي من وثائق التحليل النفسي وحيثيات الإرشيف الذي نهبه حفنة من العراقيين/ الأميركان وصلوا بطائرات وشاحنات ودون أن يرف أي جفن لأي عراقي مستقل أن يتساءل؛ أين هو ذلك الإرشيف؟ كانت أمنيتي، ربما لو تكتب المحسن وغيرها وغيرهن من الذين يصل صوتهم لأصحاب القرار أن يكون كتابها عن هذه المساءلة التاريخية ذات الغرضية الوطنية بدلا من ومن… ستقول وغيرها أن تلك الحقب الدامية هي التي أورثتنا كل هذا وأكثر، صحيح هذا وأكثر. لكننا نتقدم بالسن، بعضنا سيصاب بالخرف والمرض والنسيان، وبعضنا قضى والذي كان مراهقا في بدء الاحتلال اليوم هو شاب ولديه أسئلة حارقة فمن سيجيب عنها؟ فعلا كانت بعض أسئلتها استنطاق شديد الحيوية ولو أنه كما يبدو حاشد بالألغام. لم يتسن لي قراءة كتابها، لكني أنتقل لسؤالها حول صداقة زميلات ذلك العمر الذي مضى ويمضي فأستعيد بعض فقرات الجواب فثمة بعض القواسم المشتركة بين انشغالاتي اليوم بموضوعة الصداقة كأثر رجعي، وذلك لغيابها في اليفاعة: “ليس لي صداقات قط مع أي كاتبة عراقية في تلك المرحلة -الستينيات- وهذا تأريخ غير دقيق على الأقل لي؛ لأنني لم أبدأ بالنشر وباسمي الصريح إلا في بداية السبعينيات. القاصة سالمة صالح كانت تعمل، لا أذكر اسم المؤسسة لكنها في شارع الرشيد، وجارتي كانت حيث كنت أشغل رئاسة تحرير جريدة الراصد الأسبوعية.
2
حاولت زيارة سالمة والتقينا في مكتبها لكنها بدت بعيدة وتضع مسافات، بعضها غير إنساني فتركتها. حكاية القاصة بثينة الناصري مختلفة. فقد سمعنا جميعا أن زوجها عبدالستار ناصر حكم عليه بالسجن بسبب قصة نشرها في مجلة عربية. بحثت عنها وعثرت عليها والتقينا في مقهى بحي المنصور. ظلت مرتابة ومتطيرة مني كوني زوجة رجل بعثي، وأنا أود التضامن معها فقط !! بين هذه وتلك تعرفت في مصيف بحمدون على الكاتبة لطفية الدليمي. كانوا عائدين من المملكة السعودية على ما أذكر، ونحن كنا على وشك المغادرة إلى العراق بعد انتفاء لجوء زوجي السياسي في بيروت وكان ذلك في العام 1969. ياه كم مضى على تلك الأحداث من سنين؟ لكن هذا العام، وفي اليوم الخامس من فبراير من عام 2015 التقينا نحن الثلاثة؛ الشاعرة المصرية إيمان مرسال، والروائية اللبنانية إيمان حميدان وأنا. كانت المرة الأولى التي ألتقي الشاعرة فأنا سوف أحتار بمناداة الإيمانين. فبعد كتابة مقالي عن ديوانها الباهر “حتى أتخلى عن فكرة البيوت”. اعتبرت الكتاب إياها صديقي، ويقول أعماقي. فنحن نكتب عن كتب نحبها، فيطرأ بعض التناغم ذاهبا إلى صاحبته / صاحبه. بالتأكيد إنني احتفظ بسر الإبداع بعيداً عن سيرة المبدع، لكنني أحتفظ بصلواتي السرية أن يكون قابلا للاستدعاء الإشراقي والفكري والصداقي، هو وكتابه. في تلك الأمسية ونحن نتناول “القيمة المستحقة” للصداقة، وفي لحظات من حضور الإيمانين المتوهج وإنسانيتهما الراقية،، شعرت بأن الشاعرة تغذي فكرة؛ صديقتي الجديدة؛ لم تصدر أحكاما، ولم تعط دروساً، وأستطيع رسم تواضع وكبرياء الإيمانين كمصباح يضيء. كنا نصغي سويا ولبعضنا وبشغف شديد ونطلق ضحكا آسراً، وتدمع عيوننا فأشعر بتأسيس لحظات شديدة التوهج، ونحن نجوس أرض صداقات آفلت بسبب عصف مرض التكبر وداء الغطرسة، وجنون عظمة الأنا إلخ.. هنا استخدمت الشاعرة مرسال في تلك الجلسة مفهوماً دقيقاً حول الصداقة بين الكاتبات وعلى الخصوص العربيات.
3
قالت:
نحن لا نملك مصادر أو مناخات تشير إلى تقاليد معقولة، ربما، وليست عريقة حقا في تأريخ الصداقة بين الكاتبة العربية وزميلتها. بين كاتبتين أو أكثر. لم تصنف لدينا كصيرورة حقيقية لكائنيين مأخوذين ببناء صداقة فكرية وروحية بالدرجة الأولى، فلتكن مؤشراتها الصعود والنزول فهذا أمر إنساني، أما غيابها حقا من حياتنا الثقافية فهو مؤشر يدل على خلل فادح ومرض ثقافي. مضت الشهور وأنا أحاول وبإخلاص حقيقي الاحتفاء بالشاعرة مرسال. هي تعمل أستاذ مساعد للأدب العربي ودراسات الشرق الأوسط في جامعة ألبرتا في كندا وباللغة الإنكليزية
وقد أختارت رواية المحبوبات ومنذ أعوام مع حشد من الكتاب والكاتبات العرب وأنا لا علم لي. أخبرتني بذلك وتورد خداها حياءً. أما إيمان حميدان فأنا ومنذ تعارفي بها قبل عامين وأنا أحتفي بصداقتها النفيسة تقريبا كل يوم. فتبزغ الأفكار والمعارف والنقاشات التي تقول عمرها ومحبتها ولا نضع بجوارها أي رقم لأنها تلغيه. كانت نكهة طهي تلك الجلسة تعود لنا بالطبع، وربما لمقاومة الشظف والشح والبخل في صداقات شاطت واحترقت. عمليا بعضهم أحياء لكنهم قضوا، والبعض على العكس مازال يتنفس تحت جلودنا من حضورهم العارم. من هنا بدأت هذه المتابعات والمصاحبات لأصحاب وزملاء وأصدقاء وكأننا نعزف على إيقاع واحد ما بين بعض الأمزجة التي كانت في الأوج وهي تستجيب للتساؤل بنظرة وكتابة بهيجة لكنها أسية أيضا. لكن الجميع ثبت أمراً حقيقياً في هذه المشاركات العميقة والسخية حول الصداقة، وما يصيبها من؛ الغيرة والتحاسد والتنافسية شديدة الغلواء التي أطاحت ببعض الزملاء والزميلات بما كان يدعى بالصداقة. فكرة سطعت حول طاولة عشاء في يوم باريسي مثلج، وفي ليلة تضيئها إشعاعات صداقة آتية، في استجابات لزميلات وزملاء غير متوقعة بالفعل. وفي حزني الذي علي أن أسجله لغياب الصديقين الدكتور عبدالله الغذامي والدكتورة فوزية أبو خالد، والسبب عدم امتلاكي أي نوع كان من أنواع التواصل الاجتماعي، فهما يتواجدان كما قيل لي، على الفيسبوك والتوتير. إنني أحب ثقل الأرض وحركتي فوقها، وأخشى من الأثير الافتراضي إذا قام وطيرني إلى ما لا أعرف. لكني وُعدت ببريدهما الألكتروني وها أنا أنتظر، وربما، أن هذا الأخير سيدخل المتحف كما دخل البريد العادي في قادم السنين !!
______

في نصوص الذات والآخر
كانت جميع النصوص، حتى تلك التي قدمت “حظرها ” على أرشيف صداقاتها الآفلة أو الخائنة، هن/ وهم/ لم يحسموا التباس موضوعة الصداقة من نظام حياتهم الشخصية أو الفكرية. في هذه الحلقة عليّ أن أشكر اللاتي/ والذين/ لم يفصحوا، أو، أو.. لكنهم كانوا بالنسبة لي الأكثر تشوشاً وحضوراً وتداخلا ما بين الصداقة واللاصداقة، ما بين السيرة الذاتية والسيرة الإبداعية. ولكن، هل فكر أحدنا، ولو على سبيل المزاح، الكتابة عن اللااصدقاء؟ ما علينا! وأنا أفرد جميع ما وصلني من مشاركات سخية وعميقة وشديدة المرارة، وبعد ضبط وتوزيع السياقات والأسماء الخ، لاحظت أمراً غاية في الإثارة والتشويق: فنحن أسماء العلم من الكاتبات والشاعرات والروائيات والرسامات الخ، وهم أصدقاء التأويل والتنظير واللبسْ. الكتومين لمشاعرهم وعواطفهم، والفضاحين لمواقع كلامنا وخطوات أصواتنا وشفرات اسلوبنا. لاحظت نصوص الكتاب من النقاد والشعراء والروائيين الخ تستنطق المفهوم لمقاربة شذرات الصداقة فيخفي الكاتب مشاعره أو غدر صديقه. يكتب الرجل الناقد باحثا عن الحل ولا يعلن الحداد على موت الصديق أو يكابد من عثرات الصداقة. على الجانب الآخر، الشاعرة والرسامة والروائية، تكدح عاطفة، وتحكي عن انخطاف تلك المكابدة من الغدر فتعلن عبر نصوصها أسماء المخلصات من الصديقات، وهذا الأمر كان معدوما لدى زميلها الرجل. كانت متعة حقيقة قراءة أفكار ومفاهيم أصدقائي وصديقاتي وزملائي وأصحابي في نصوصهم وحسهم بالمسؤولية الراقية والاستجابة ضمن الفترة المحددة. للشاعرتين الصديقتين ارناؤوط وصايغ وكل منهما تعيش مكابدتها في النفي والترحل، وللفنان التشكيلي يوسف عبد لكي الذي أول ما خاطبته وهو يقيم في دمشق اجابني بسخريته اللاذعة ؛ مراجع صداقاتي هي القنابل والصواريخ. سأبعث لك ما أشاء وأنت أعملي به ما تشائين.وللسردّي العراقي الكبير محمد خضير الذي لم يغادر يوما مدينة البصرة. فكانت تظهر في جميع نصوصه وبحوثه وقصصة فتنة المعاني وسلطة للصداقة لمن لا يقيم ويقيم فيها، وبلا ضمانات إلا من عذابها. نحن لم نتلاق يوما، ولكن من يقول ذلك؟
الصداقات المستحيلة
محمد خضير
أميز بين نوعين من علاقات الصداقة الأدبية: شخصية عاطفية، وصداقة جيلية عابرة للأشخاص والأجناس والأزمان. النوع الأول مما يمسه الذبول والنسيان، كعلاقة غسان كنفاني بغادة السمان وعلاقة خليل حاوي بديزي الأمير. أما النوع الثاني فلا ينتهي أثره إلا بتدهور الأخلاق والقيم، وتبدل وسائط العلاقة، وغياب الصلات الشخصية الحميمة، كصداقة الجيل المهجري الأول وصداقة الجماعات الفنية وصداقة الجيل المهجري الأول وصداقة الجيل الأدبي في سيتينات القرن المنصرم. وإلى هذا النوع نعزو سبب تدهور علاقات الصداقة الأدبية، في وقتنا الحاضر. وقد لا نعبأ هنا بصداقة الأخويات السياسية وتضحياتها الأيديولوجية، فهي من نوع الصداقات التي تنفصم بانفصام العاطفة عن الأخلاق، وتقديم الموت على الحياة، والصراع على الحب. أفهم كيف علاقة قائمة على الفهم المشترك لقيمة العمل ونعمة العقل وخفة الروح، كعلاقة جبران بميخائيل نعيمة ومحمود درويش بسميح القاسم وعبدالملك نوري بفؤاد التكرلي، ولا أفهم كيف لا تنهار علاقة كبرياء الطبقة وشهوة السلطة والمال، كالعلاقة التي تربط رؤساء الدول فيما بينهم، وبينهم من يدّعي الأدب وصداقة الأدباء، ومثلها صداقة الناشرين للأدباء ممن ينشرون كتبهم. لم أستمتع في حياتي بصداقة كتلك التي وصلتني بنفوس لم ألتقها إلا مرات قليلة، ومازالت تستهويني بسماتها ولفتاتها وأحاديثها التي تخلفت من لقاءاتها النادرة. وما زالت في ذاكرتي عبارة كتبها يوسف الصائغ عن لقاء صحفي له بديزي الأمير، وقد خلفت هذه بعد مغادرتها في مكانه “رائحة طلع”. وما يزيد المتعة ويؤجج الرائحة أن يتخلف مثل ذلك الانطباع، في غياب الاثنين، عند من استتبع آثار الفرار والهجرة وراء خطواتهما وصورتيهما الباهتتين. كيف لي ألا أقيم صداقتي على آثار ذلك الجيل الأدبي، وألا تلفني الكآبة لفقدان تلك الآثار؟ أزعم مع نفسي أن “الغياب” الذي تملؤه” رائحة ” ما، رائحة الصورة أو النص المقروء لرجل أو امرأة، التقيتهما يوما، ثم فقد آثرهما، هو رابط عاطفي، وعقلي، يصلني بأقوى دلالات الصداقة المفقودة، بسبب تدهور الأخلاق وتدّني القيم وانقطاع الروائح، في عصر الميديا الحديثة. غالباً ما أقيم صلة أدبية بأصدقاء متفرقين حول العالم، لكني أفتقد دوما انطباعاً قوياً يتبقى بعد انقطاع الرسالة المنقولة عبر الشبكة التواصلية. ولا بد لنا من أن نقتنع بهذا القدَر التواصلي الذي يقطع الأوصال قبل أن يزيف الرسائل ببرودته وحياده وحتميته، عبر المسافات الافتراضية. وقد ينطبق هذا الشعور القدرّي على الصلات الجسدية التي تجمع أدباء القرن الحالي في بقعة جغرافية واحدة، حيث يزيد الانعزال وسوء الفهم والغرور من هوة الصداقة المستحيلة في ظل وجود “الغول الخفي” المفرٌّق لهم. عندما نتأمل المصير الكئيب لصداقة الأدبي، وقد خرقتها الأقدار الحتمية، أكثر من ذي قبل، لا يعود لنا أن نعجب من غلبة الكآبة على المتعة ذات الرائحة الحميمة، والاتصال الافتراضي على التلازم الحقيقي ؛ وإنه لقدر لا مردّ له أن يصنع لنا “الغياب” حضوراً خاليا من الروائح والأحاديث الحية، شبكة من الافتراضات البديلة عن صداقة الجيل، فكأننا نتسلم رسالة بلا حروف ولا كلمات كان البريد القديم ينقلها لنا من حبيب قديم أو صديق غير مقيم، وإنه لقدّر القانعين لكآبتهم يعتبرونها سمة الصداقة بدلالتها الجديدة…
البصرة..
—–
تراص بلورات الثلج أذكى من الإنسان
عائشة أرناؤوط
قبل أن ألامس على عجل الزوايا المتعددة التي يرسمها سؤال من هذا النوع، ربما علّي أن أستعيد جملة لم أعد أذكر قائلها: “بإمكان الجميع أن يسمع ما تقول، أما صديقك فهو يصغي إلى ما تقول، وأفضل الأصدقاء هو الذي يفهم ما لا تقوله”. قد استطيع البوح إذاً بأن معيار الصداقة، بالنسبة لي على الأقل، يعتمد على هذا المبدأ. في تلك الحالة من التماهي، يمكن، للحضور الملموس أن يكون وارداً حيث فراسة الصديق تحيلك إلى شفوف أمام عينيه، لكنه < أي الحضور > لا يستأثر وحده بذلك التماهي، هناك نبرة الصوت وحدها على الهاتف، ويأتي الرد: ما بك اليوم؟ هناك جملة قصيرة عابرة تكتبها على صفحتك لا تشير إلى ما أنت عليه فعلاً، وتصلك رسالة: هل أنتِ على ما يرام اليوم؟ وهذا ما يحدث معي من وقت وآخر -وبالتبادل- منذ زمن بعيد وحتى الآن. يحلو لي هنا أن أستشهد بتجربة علمية بحتة أصّلت لدي إيماني في هذا الإطار. لو جمعنا فوتونين معاً في علبة صغيرة ثم أطلقناها متباعدين بحيث تعادل المسافة بينهما آلاف السنين الضوئية، فإننا/ بالتجربة/ نجد أن كل فوتون يتصرف آنيا على توائم كامل مع تصرف الآخر، كما لو يعرف سريرته اللحظية. والمعضلة التي واجهها العلماء هنا تتمثل في أن وصول تلك “المعلومة” بينهما تتجاوز سرعة الضوء علمياً، وفي هذا انتهاك للنظرية النسبية. أعود إلى السؤال. لا أرى أن هناك تقاليد بالمعنى الحرفي للكلمة، بل بالاحرى تفاعل حيّ قد يوجد أو لا يوجد، حسب طبيعة الكاتب أو الكاتبة ومستوى وعيه لخافيته وإدراكه لجوهر وجوده، وكذلك تبعا لميله الذوقي إلى نوع إبداع من آخر. وأجد أنه لا يمكن أن تحقق صداقة فعلية مع الآخرين إلا بعد أن نتوصل اولاً إلى صداقة حميمة مع أنفسنا تجتث امراض الذات المُهينة لنا ككائنات واعية. لذا أتوقع بشكل عام -في هذا الخضم الذي يعيشه عالمنا حاليا والتنامي المتزايد للفردية الذاتية- اختفاء تدريجيا لهذا النوع من العلاقات الديناميكية، التي ساهمت في القرنين الماضيين مثلاً على إبداع مدارس فنية وأدبية تتوالد إحداها عن الأخرى سواء بسبب موقف مضاد أو موقف يريد تجاوز الموجود. قد نسينا أن تفرّد كل منّا عن الآخر المشابه لبلورات الثلج التي رغم عددها المريع ما من واحدة تشبه أخرى على الإطلاق، لكنها تبدو أذكى من الإنسان إذ إن حدسها في التراص يجعل الثلج متماسكا. حتى هنا أتحدث عن الصداقة المتبادلة في الحياة، هناك على الجانب الآخر صداقة تتنامى في الحياة والموت معاً. وهذا ما اكتشفته مع الثورة السورية التي كان لها الفضل في تعرفي الحميم على أصدقاء ما كان لي أن أعرفهم لولاها. منهم من يكتب دون أن يعتبر نفسه كاتباً فيضع كتاباته في زجاجات صغيرة ويرميها في بحاره الشبحية، فتؤجج أفكاراً لدى الآخرين، ومنهم من يموت كل يوم ليعيد جبل رماده في الغد. صداقة فريدة من نوعها، فهي في احتمالاتها اليومية بين موت وحياة وفي آنيتها المعطاء الثرية تغدو شيئا يستحق اختراع تسمية تقارب التناضح. خلال السنوات الأخيرة أعيشها بكثافة.. وللأسف فقدت عدداً منهم على حين غرة! أعيشها بالإضافة طبعا إلى أصدقاء الحياة الذين يشاركوني الاستمرار في السير على حبل ممدود فوق هاوية رغم تباعد غايتنا الأولى والتي ما زالت نصب أعيننا.
باريس.
____
علاقات الصداقة تتسم بالإكراه و…
يوسف عبد لكي
تطرح علاقة الكاتب بالرسام بالناقد الخ جملة من الاشكالات دفعة واحدة، غير أن المقاربة اللصيقة للموضوع تحيلنا دون تلكؤ إلى انواع من الصلات التي تتسم بالإكراه والتهديد والعنف والابتزاز الدائم. فتبدو في رأيي علاقة قائمة على الحب والكره، والاعجاب والنفور، على الرغبة في تشكيل ثنائي والسعي الدائم للهروب من ذلك.
دمشق…
—–
إنها صديقتي…
مي صائغ
شخصيا لم أعرف بأن هناك تقاليد للصداقة بين الكاتبات والروائيات والشاعرات الخ حتى تكون في طريقها إلى التلاشي أو الإزدهار، لأن الصداقة لا تحكمها تقاليد حيث تتغذى بتقارب الآراء والأذواق والمشاعر. لقد كان دوري شخصيا إلى جانب حقوق المرأة وتعزيز دورها في النضال الوطني وعطائها الأدبي والفني، وهي صديقتي التي تفرحني بكل انتاج أو عطاء جديد.
المملكة الأردنية، عمان..
__________
بين النيران والعداوات ؛ هل تتقد الصداقات ؟

شغوفة حقاً بما يكتبه الثلاثة ؛ ناقدان بارزان ومختلفان ؛ سعد البازعي وصبحي حديدي. يستنطقان الفكر والنصوص، في الإرث المعرفي وفي الرواية العربية والعالمية، في تجميع الأدلة وتحليل سلطة الإبداع، في تعين مكان الإقامة، إقامتي كقارىء بين طبقات من المعايير والمفاهيم والتأويلات، في محاولة للقبض على حقيقة عملية الإبداع فيما يدلان عليه، ويفارقان فيه وحوله في الكتابة والترجمة والاختيارات الخ. والشاعر الباهر عباس بيضون الذي ما زال يتنقل بين سلالات الإبداع وعلى مدى السنين العشر الأخيرة على الخصوص، بين الرواية / السيرة كمسكن للتدوين والتخييل الإبداعي الذي كان يبتكر اقتراحات طليعية في تعدد الأصوات وتدشين الغاء حظر الرقابة على ما قدمه لنا التحليل النفسي في موضوعة الصداقة بالذات في كتابه الآسر « مرآيا فرانكشتاين « وهو يقوم بالتنزه ما بين الذات والآخر. بوسعي القول أن نصوص هذه الحلقة، وبطريقة من الطرق تشير؛ إن لا شيء يحمي الصداقة من عوادي – الغيرة والتحاسد – التي تحضر مباغتة، أو تتحول على مر أعوام الصداقة فتنحو العلاقة تلك نحو التلاشي. ربما ،الضوء الشديد الذي يصيب أحدهم أو أحداهن ما أن يحضر قد يعمي البصر والبصيرة فتتم المصادقة على موت الصداقة. هذا الرأي سوف يتكرر في أكثر من طريقة ومع التسعين بالمئة من نصوص الصديقات والأصدقاء. امتنان شديد للاستجابة العميقة والسخية، وهي المرة الأولى التي أسأل فيها الثلاثة الأعزاء فأتلقى الكرم هذا .

« نيران صديقة »

تقول إحدى الحكم الشائعة إنه عندما يتصل الأمر بالحقيقة فإن العرض أكثر من الطلب، الكل يعرض الحقيقة وقليل هم من يريدونها أو قادرون على تقبلها. ويبدو أن الأمر يتصل بأمور كثيرة أخرى، منها الصداقة. ما أكثر الحديث عن الصداقة، وما أكثر ترددها في الخطاب اليومي ، في الرسائل المتوددة، في وصف الناس بعضهم لبعض، في وصف الأشياء، حتى النار والقذائف المميتة وصفت بأنها قد تكون “صديقة” ! أي صادرة من مصدر صديق. الصداقة في كل مكان ، معروضها أكثر من إمكانية التعامل معها أو تقبل نتائجها أو الخضوع لالتزاماتها. ” ما أكثر الأصحاب حين تعدهم/ لكنهم في النائبات قليل” . ولعل من أطرف مظاهر الندرة فيما يتصل بالصداقة والأصدقاء صعوبة العثور على أعمال أدبية تتمحور حول هذه الخصلة والظاهرة الإنسانية الكبرى . كثيرون هم الأصدقاء في الأدب، وكثيرة هي الإشارة إلى الصداقة، فذلك في النهاية انعكاس للخطاب اليومي والثقافة الشعبية التي تغذي الأدب، لكن ليس من السهل العثور على أعمال تكون الصداقة بؤرة الرؤية والتأمل فيها. على الأقل ليست تلك الأعمال مما يتبادر إلى الذهن بين روائع الأدب، بل وعلى مستوى الفنون. لن تجد كلمة ” صديق ” أو ” صداقة ” مما يتردد في عناوين التراث العربي أو في أعمال الغربيين: لن تجدها في مسرحيات شكسبير أو الروايات الروسية الكبرى، أو أعمال همنغواي أو ماركيز أو كثير غيرهما، أو لدى نجيب محفوظ أو عبدالرحمن منيف أو غيرهما في الرواية العربية المعاصرة ولا في المسرح. في الأعمال ولدى الكتاب ثمة أصدقاء وتناول للصداقة من زوايا مختلفة، لكنها غالباً عرضية ، جزء من موضوع أشمل : الحب، الانتقام، الصراع، الحرب، السعادة، إلى غير ذلك من معان . مطروحة في الطريق كما قال الجاحظ . مسرحية شكسبير ” تاجر البندقية” من أكثر الأعمال التي أعرفها اهتماماً بالصداقة وإشادة بها، لكنها لا تجعلها بؤرة الرؤية. في البؤرة جشع اليهودي شايلوك، مع أن ذلك الجشع لا يظهره سوى نبل الصداقة بين رجلين يضع أحدهما حياته رهنا يفتدي به الآخر بتقطيع لحمه أن لم يسدد الدين. هل لأن الصداقة أقل اجتذاباً للقارىء أو المشاهد من الجشع؟ هل لأنها أكثر جدارة بالمعالجة بين نوازع البشر لأنها اعمق انغراساً وأكثر ديمومة . ثم أخيراً هل غياب الصداقة بهذا الشكل الفادح ناتج عن رؤية سوداوية ترى أن الصداقة في حقيقتها أكثر مثالية وطوباوية من أن تكون واقعية وجديرة بالتناول؟ أم هل لأنها في النهاية ” نار صديقة ” ؟

*الرياض

«العداوة المقبلة»

الصداقة بين الأدباء والمفكرين لم تكن يوما مثالاً . طالما استهجنا العلاقات التي تنشأ بين أفراد هذه النخب، وطالما وجدناها فوق فهمنا وغابت عنا أسبابها. يبدأ هؤلاء الأفراد متساوين ثم يتفاوتون مع الوقت ويتباعدون وتختلف حظوظهم من الاعتبار والشهرة وهم عند انفسهم متساوون كعهدهم الأول ببعضهم بعضاً فلا يقرن بهذا التفاوت ويعتبرونه بالتأكيد ظلماً وافتئاتاً أن لم يعتبروه من لعنات الحظ ومفاجآت القدر. لابد عندئذ أن يشعر هؤلاء بأنهم ضحايا مؤامرات لن يعفوا الآخرين من الاشتراك ولو على نحو غامض فيها. مصدر ذلك أن الناس لا ينمون سواسية ولا يكبرون سواسية . يشبه ذلك العلاقات العاطفية والزوجية التي ينكر فيها المتضررون فعل الزمن ويحملونه على فساد الطرف الآخر وخيانته . من هنا لا تدوم الصداقات في هذا الوسط طويلا بل تحمل الصداقة في قرارتها نقيضها. فكأن العداوة المقبلة تطل من ثنايا الصداقة الحاضرة . ثم لا ننسى أن الفن أو الأدب أو الفكر أمر مغرق في فرديته وخصوصيته وهما امران لا يعترضان العموم فحسب بل يعترضان الفروع والتفاصيل فتبدو الخلافات حول الدقائق والصغائر والثانويات. يمكن للأديب أو الفنان أو المفكر أن يعقد صداقة مع واحد ليس من جنسه وقد يكون تلميذا له أو تابعا . إن صداقة ماركس وانجلس أمر نادر .

*بيروت .

«عن الصداقات الأدبية»

من جانبي، في إطار التجربة الشخصية بالطبع، ما تزال تتوفر تقاليد نبيلة وأصيلة وبنّاة وربما إبداعية أيضا، بين أهل الأدب . وإلى جانب كونها تجلياً، على هذا النحو أو ذاك ، لطبائع العلاقات الإنسانية عموماً ، فأهل الأدب بشر في أول المطاف ونهايته؛ مع ذلك ، اشخص الأمر على نحو ملموس أكثر، في ثلاثة انساق. الأول بين مشتغل بالنقد الأدبي، مثلي، وشاعر أو روائي، حيث تتشعب العلاقة الإنسانية التلقائية، لتكتسب بُعد الإغناء المتبادل، خاصة إذا منح المبدع ثقة خاصة لصديقه الناقد، في قراءة مخطوطاته مسبقاً على سبيل المثال. وهذه كانت حالي مع عدد من الصديقات والأصدقاء الشعراء الروائيين ممن يشرّفوني ببهجة القراءة المسبقة، وينتظرون منّي رأياً صريحاً متعمقاً، يقودهم إلى هذا المستوى أو ذاك من تبصّر المخطوط. التجربة علمتني أن هذه الرياضة تحديداً تنقلب إلى آصرة فريدة لتوطيد المستوى الإنساني من الصداقة، وتتكفل أيضا بغفران أسرع، وأسلس ، لكثير من الأخطاء المتبادلة بين الصديقين. النسق الثاني هو بين كتّاب الجنس الأدبي الواحد / كما في الصداقة بين شاعر وشاعر، أو روائي وروائي. وإذا كنت لم أعش تجارب مماثلة، لأنني لا أكتب الشعر أو الرواية ، فإن حكايات أصدقائي ممّن تنطبق عليهم هذه الحال لا تبشر بالخير دائما، إذ غالباً ما تنقلب صداقة الحياة اليومية إلى تنافس < مشروع مبدئياً > حول تفوّق الصديق على صديقه في الإبداع ؛ قبل أن يتشوّه التنافس الإيجابي ليصبح سلبياً، غيرة وحسداً وانتقاصاً من الآخر، ثم قطيعة تأتي على الصداقة الإنسانية، قبل الأدبية . النسق الثالث هو مزيج من النسقين السابقين، ولكن بين امرأة ورجل هذه المرّة . وفي ظني أنّ الصلة النقدية أو الأدبية الصداقة ، هنا لا تفلح دائماً في إنقاذ الصداقة الإنسانية من المزالق الاجتماعية التي تكتنف اتصال رجل بامرأة ، عموماً ؛ خاصة في المجتمعات العربية التي تحكمها تقاليد عريقة في تنميط هذه العلاقة، وفي تنزيهها عن المآرب الجنسية على وجه التحديد. وأعترف أنني لا أملك إلا القليل جداً من الأمثلة على هذا النسق الثالث، رغم أن الطرفين فيه قد يكونان بمنأى تام عن الأغراض والخلفيات المناقضة للصداقة الطبيعية النقية وغني عن القول إن الصداقات الأدبية تزدهر، وفي ظني، أو تنحدر استناداً إلى صحة أو اعتلال الشروط الإنسانية في هذه الأنساق الثلاثة ؛ وسواها كثير ، بالطبع .

* باريس

________
*مجموعة من المقالات نشرت للكاتبة في جريدة الرياض.

شاهد أيضاً

وفاة الروائي الإسباني الشهير كارلوس زافون بعد صراع مع السرطان

ثقافات  – رحل عن عالمنا الروائي الإسباني، كارلوس رويز زافون، عن عمر يناهز 55 عاما، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *