الرئيسية / مقالات / بلا مظاهرات بلا مقاطعة… عليكم بالبطّيخ!

بلا مظاهرات بلا مقاطعة… عليكم بالبطّيخ!


غصون رحال*


خاص ( ثقافات )

(رداً على مقال زليخة أبو ريشة “بلا مظاهرات بلا بطيخ”) 
الأنظمة غافية فلا توقظوها بهتافاتكم! الأنظمة (زجاجية) فلا تكسروها بمظاهراتكم!
لن تحتمل الأنظمة كلفة زعزعة أمن الدولة (التي ربع سكانها من المهجَّرين)، فهناك احتمال أن يندسَّ في هذه المظاهرات عناصر مريبة من داعشيين، ومستعربين صدرهم العدو خصيصاً لإثارة الفوضى والقلاقل في صفوفكم. وعلى الرغم من أن مظاهراتكم لن يسمح لها بالتجمهر والخروج إلا بعد استيفاء الشروط القانونية الصارمة، من تقديم الطلبات والتعهد بدفع الغرامات، وطبع كشوف بأسماء المنظّمين وانتماءاتهم الحزبية، وأرصدتهم البنكية، وحلف أغلظ الإيمان أن لن يشارك في المظاهرة إلا المؤمنين بقضايا الوطن والأمة منذ ولدتهم أمهاتهم حتى لحظة انطلاق المظاهرة، إلا أن الأنظمة ستصرُّ أمام ما أبديتموه من نوايا حسنة على حراسة مظاهراتكم بقوَّات، وهراوات، ومدرَّعات الأمن العام من نقطة الانطلاق حتى الهدف النهائي، على ألا يكون هذا الهدف مبنى السفارة الإسرائيلية! وبما أنه، ومهما تفرَّع خط السير المقرَّر لمظاهرتكم، سينتهي بكم المطاف أمام السفارة الإسرائيلية لأن ردود أفعالكم تجاه ما تقوم به إسرائيل من قتل وتدمير (حماسيَّة) بحتة! فمن الأفضل لكم نسيان فكرة التظاهر جملةً وتفصيلاً والالتفات إلى هدف (مكلف) له مفعول السحر في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وقطع دابر وجوده مثل (إحياء اللجان الشعبية التي تقاوم التطبيع وتوعية الشعب بأهمية هذه المقاطعة)، ومن ثم (نقل هذه الحركة، من موقعها المحلي، إلى الأفق العالمي).
لا يضيركم أن لجنة مقاومة التطبيع – التي ولدت في ذات العام الذي ولدت فيها اتفاقية وادي عربة – لم تفلح على مدى اثنين وعشرون عاماً في توعيتكم، فقد جرى تقطيعها إرباً إرباً بأن سلَّطت عليها الحكومات كتَّابا يقلِّلون من جدوى المقاطعة وأثرها الاقتصادي على إسرائيل لأن حليفتها أمريكا “سدَّادة”، ويشكِّكون بمصداقية قوائم المطبِّعين الصادرة عن لجانها الشعبية بحجة حماية أمن الدولة الاقتصادي القائم على أكتاف التجار ورجال الأعمال، والنخب التي لا يمكن المساس بها أو التشكيك في ولاءاتها. ولا يثنيكم عن عزمكم في تشكيل اللجان الشعبية أن الحكومات كرَّست مخبرين لملاحقة ناشطي لجنة مقاومة التطبيع وزجِّهم في السجون بتهمة التشهير بقامات وطنية عملاقة، فهذه الممارسات ما هي إلا إجراءات صورية كي تثبت للطرف الثاني من اتقافية وادي عربة أننا أمة تقدِّس مواثيقها وتحفظ عهودها!
ولا يدهشكم أن منظمات عالمية تعمل على مقاطعة إسرائيل تجارياً وأكاديمياً وثقافياً منذ سنوات، ولها باع طويل من الإنجازات المتوفرة على موقع “اليوتيوب”، ولا تنتظر تحرككم أو لجانكم الشعبية. يكفي أن حركة Boycott, Divestment and Sanction (BDS) وحدها تشكّل كابوساً، ليس لإسرائيل فحسب، وإنما لدول الغرب عموماً، فالكثير من البضائع والمنتجات الإسرائيلية جرى إلقاؤها عن رفوف المحلات التجارية باحتفالات ودبكات شعبية فلسطينية، وما عليكم إلا أن تكثّفوا نشاطكم عبر وسائل الاتصال الحديثة لمتابعة إنجازاتها وتقليد وسائلها. 
لا تبتئسوا، لا زال بإمكانكم مقاطعة البضائع الإسرائيلية المنتشرة بسرعة تفوق انتشار وباء الكوليرا في أسواقكم، من المانجا والكاكا إلى فلاتر المياه وزراعة الأسنان. ها هي الشركات التجارية التي تعلن دون خجل أو ريبة عن دعمها لمشاريع بناء وتوسيع المستوطنات، وتسليح جيش الدفاع الإسرائيلي، وتزويد السجون الإسرائيلية بأجهزة المراقبة والتعذيب من Starbucks” ” و”MacDonald’s” و” Marks & Spenser ” و”G4S” تجثم على أراضيكم، تحتل مولاتكم وأرصفتكم، وتجوب شوارعكم. لقد وفّرتها الحكومات لكم وسمحت لها بممارسة نشاطها التجاري لتتيح لكم ممارسة هواية المقاطعة كما يحلو لكم. ولكن احذروا، فإن مقاطعة مثل هذه البضائع والمحلات، وفقاً للناطق الرسمي للحكومة، يؤدي إلى قطع أرزاق الأيدي العاملة الوطنية وتشريد آلاف الأسر التي تعتاش من مشترياتكم، حتى وإن بلغت أرباح مالكيها من اليهود ملايين الدولارات، كما أن أي تعاطف تبديه الحكومة مع مناهضي التطبيع قد يعرَضها للمساءلة القانونية والإحراج الدولي بسبب خرقها لالتزاماتها التعاقدية مع إسرائيل وأنتم شعوب لا ترتضي لحكوماتها أن يراق ماء وجهها حرجاً في المحافل الدولية! 
ثم إن أكثر الدول الديمقراطية أصبحت تتنكر لالتزاماتها الدولية، فها هي حكومة بريطانيا المحافظة تصدر تعليمات تمنع من خلالها أي نشاط لمقاطعة البضائع الإسرائيلية المنتجة في المستعمرات رغم توقيعها على بروتكولات ومواثيق الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر المستوطنات غير شرعية كونها مقامة على أراض فلسطينية محتلة. 
قد تكون المظاهرات بغيضة لدى الحكومات، إلا أنها مضطرة إلى مهادنتها لمقتضيات المحافظة على وجهها الديمقراطي، والتنفيس عن الشعوب المغلوب على أمرها، وقياس درجة الغليان التي وصل إليها الشارع لتتمكن من استرضائه قبل أن ينفجر قهراً، بخلاف المقاطعة، التي لن يتسنَّى لها غضُّ الطرف عن أي شروع فيها لأنها تمسُّ وثائق تحمل ختم الدولة المبجَّل! 
أما وقد اتضح لكم انعدام خياري المظاهرات والمقاطعة، فعليكم بالبطيخ، خاصة إن كان “عالسكين”، كالبطيخ الإسرائيلي؛ قلبه أحمر قانٍ مثل الدم، دون حاجة “للطبطبة” على قفاه!
* روائية أردنية.

شاهد أيضاً

كورونا… ثقافة الوباء العشوائية

 د. محمد عبد الستار البدري كأي ظاهرة طبيعية تصيب الإنسانية، يظل الوباء مصدراً للإلهام الأدبي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *