الرئيسية / فنون / اللاذقية تحتضر سينمائيا

اللاذقية تحتضر سينمائيا


بلال سليطين


في العام 1960 كانت مدينة اللاذقية تحتضن 21 صالة عرض سينمائية، أي بعد عام واحد على الاحتفالية التي أقامتها وزارة الثقافة السورية بمناسبة تأسيسها وشارك فيها ابن اللاذقية «زياد عجان».

اليوم وبعد أكثر من نصف قرن على ذلك التاريخ تئن اللاذقية تحت وطأة غياب صالات العرض عنها، وتأتي صالات المسرح كبديل لا يمكن له أن يملأ ذلك الفراغ، فهي غير مهيّأة لاستقبال الجمهور وتفتقر لحميمية السينما وتجهيزاتها. هذا الواقع أرخى بظلاله على علاقة الجمهور مع السينما في محافظة قدّمت خلال العقود الماضية للفن السابع مممثلين ومخرجين تركوا بصمتهم على مستوى سوريا «محمد اسماعيل آغا، نبيه نعمان … وآخرين»، بعضهم رحل عن هذه الدنيا وبعضهم الآخر مازال حياً يتألم على ما وصلت إليها الأحوال.
كثيرون حمّلوا المسؤولية فيما وصلت له اللاذقية لوزارة الثقافة السورية والمؤسسة العامة للسينما التي يقع على عاتقها الجزء الأكبر، فهي المعني بالشأن السينمائي بالدرجة الأولى ويأتي من بعدها القطاع الخاص والعاملون في الشأن السينمائي. معاون مدير المؤسسة العامة للسينما باسم خباز رفض تحميل مسؤولية غياب صالات العرض للمؤسسة وحدها، وقال في حديثه مع «السفير»: «لا يمكن لنا أن نحمل العبء بمفردنا، فالقطاع الخاص له دورٌ أيضاً لكنه يتجاهل السينما، على اعتبار أنه رأسمال جبان يسعى للربح السريع، والموضوع السينمائي موضوع ثقافي ولا يحقق له الريعية التي يتمناها بوقت قياسي، مما يدفعه للابتعاد عنه».
آخر صالة عرض عرفها جمهور اللاذقية كانت سينما الكندي وسط المدينة وهي اليوم مغلقة، لكن العمل جارٍ على إعادة فتحها بأقرب فرصة، هذا ما يؤكده خباز.
تحدي غياب السينما يقلق العاملين في هذا المجال، لكنه لا يمنعهم من العمل، يقول الفنان «مجد يونس أحمد»: «هذا الموضوع محزن ومؤلم، لكن في الوقت نفسه علينا خلق سينما بديلة»، وهو يدعو السينمائيين لكي يعرضوا بالشارع أو بالمسرح، فغياب صالة العرض لا يعني أن ينام السينمائيون على خدّهم ويندبون واقعهم، وإنما عليهم البحث عن فضاء آخر والكلام ليونس الذي يرى في ذلك سبيلاً لجعل أصحاب القرار يشعرون بمسؤولياتهم ويجدون حلاً لهذه المشكلة.
عندما لا يكون لديك خبز من نوع فاخر، فإنك تبحث عن بديل ولا تميت نفسك من الجوع، هكذا ينظر الكاتب حسن م. يوسف للموضوع، ويقول إنها مشكلة عربية أيضاً «عدد صالات الوطن العربي كان في العام 1985 قرابة 1800 صالة، بينما عدد صالات هنغاريا في ذلك الوقت كان 2000 صالة». يدعو يوسف للبحث عن مسارب جديدة في العمل، ويقترح ادخال السينما إلى العروض المسرحية، وإيجاد منفذ إلى محطات التلفزيون من خلال تثبيت الأفلام القصيرة كفقرات ربط، ويقترح: «بدل أن تظهر المذيعة وتقول كلاماً (بلا لازمة حسب تعبيره)، نعرض فيلماً قصيراً يربط بين فقرة وأخرى، برنامج وآخر وما إلى ذلك».
هذه الخطوة لها فوائد كثيرة وستنعكس إيجاباً على سوية الأفلام، بحسب يوسف، فالعاملون بالأفلام إذا شعروا بأنها ستحقق ريعية سيعملون على تحسين جودتها، وبالتالي سندخل في سياق تنافسي يؤدي إلى صناعة سينمائية حقيقية.
كل ذلك لا يشبع حاجة المتلقي للسينما وعلى سبيل المثال يقول وليم وهو من المهتمين: «كنا على وشك النسيان أن الأفلام تعرض بالسينما، لأننا بتنا نشاهدها في المنازل على شاشات التلفزة وكذلك في صالات المسرح فقط». لم يعد المتلقي يرى أفلاماً من اللاذقية أو حتى أفلاماً سورية إلا ما قل وندر، ما يخلق هوةً بينه وبين السينما، وعلى اعتبار أنها الفن الســابع فإننا نخسر فناً هاماً، نخسر جزءاً من ثقافتنا إن لم نكن نخسر ثقافتنا كلها تدريجياً. هكذا يرى وليم فمجرد أن تسمع حديث والدك عن 21 سينما في اللاذقية قبل نصف قرن، وصفر سينما في العام 2015 فإنك ستُحبط وتحسم أن ثقافتنا في خطر. لا شك في أننا وصلنا إلى مرحلة تكاد تنعدم فيها العلاقة مع السينما، ومحاولة هنا وأخرى هناك لإحيائها لا يمكن أن تفي بالغرض على اعتبار أن أدنى مقومات هذه العلاقة والمتمثلة بصالات العرض غير متوفرة، وغيابها لا علاقة له بالحرب السورية الراهنة وإنما سبقها بسنوات عديدة، وما اللاذقية إلا صورة مصغرة عن سورية.
السفير

شاهد أيضاً

البحر الأحمر.. سينمائيا

ثقافات – داليا عاصم السينما فن وصناعة تجمع المبدعين من مؤلفين ومخرجين وممثلين، ليخرجوا بمعزوفة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *