الرئيسية / قراءات / العجيب في التصوف بوابة مفتوحة للجماليات

العجيب في التصوف بوابة مفتوحة للجماليات






خاص ( ثقافات )

تقديم كتاب “جماليات العجيب في الكتابات الصوفية” لمؤلفه الدكتور خالد التوزاني
في طبعة أنيقة وفاخرة، صدر نهاية يوليو 2015م، كتاب جديد للدكتور خالد التوزاني يحمل عنوان: “جماليات العجيب في الكتابات الصوفية: رحلة ماء الموائد لأبي سالم العياشي (ت1090هـ) أنموذجا”، ضمن منشورات مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة بوجدة، التابع للرابطة المحمدية للعلماء بالرباط، وقد كتب السيد الأمين العام للرابطة العلامة الدكتور أحمد عبادي تقديما لهذا الإصدار الجديد الذي اعتبره “قيمة مضافة للتأليف في بابه، لما يتميز به من اجتهاد منهجي ومعرفي، في سبر أغوار الكتابات الصوفية وتجلية مكنوناتها، وكذا لفرادة موضوعه: العجيب، ولوعي صاحبه الملموس في طيات صفحات هذا العمل بالخصوصية المغربية في هذا الباب”، ويضيف العلامة الدكتور أحمد عبادي قائلا: ” وقد اجتهد المؤلف خالد التوزاني، حفظه الله، في بسط جماليات العجيب في الكتابات الصوفية عامة، من خلال تتبع ما حفل به التراث الصوفي من رصيد ضخم من العجائب، ومركزا بشكل خاص على جماليات العجيب في نموذج رحلة “ماء الموائد” لأبي سالم العياشي (ق 11هــ)، حيث رصد تجليات العجيب في هذه الرحلة، وبحث كيفية تأسيسه وبنائه وكذا مناقشته لمختلف الأبعاد والآفاق التي يفتحها، مما جعل عمله متميزا في اختيار الموضوع ومنهجية تناوله، كما جعله متميزا من حيث أهمية نتائجه، خاصة مع ندوة البحوث في هذا الضرب من المواضيع العلمية”. 
وهكذا، تكمن القيمة العلمية لهذا الكتاب في كونه يقارب موضوعا فريدا ويخوض صاحبه مغامرة علمية جريئة بمحاولته الكشف عن جماليات الكتابة الصوفية العجيبة، وتبيان طاقات الإبداع والتميز فيها، باعتبار العجيب في الكتابات الصوفية من حيثُ كونِهِ نصًّا سَرديا جميلا، من نصوص الإبداع المتميزة في الثقافة العربية الإسلامية والتي تحتاج لمزيد من البحوث والدراسات. وإذا كان “العجيب” مصطلحا نقديا تبنَّته بعض الدراسات الغربية والتي تأثر بها النقد العربي المعاصر في سياق التجريب وتوسيع أفق القراءة والتأويل، فإن هذا الكتاب قارب الموضوع باستحضار خصوصيات النص العربي، وخاصة التراثي منه، بمراعاة نسق التصوف وبنائه الداخلي، وبذلك فسح المجال للنص الصوفي ليقدم مؤهلاته في تعديل نظريات العجيب وإغنائها في سياق التبادل الثقافي العالمي والانفتاح الكوني على الثقافات الإنسانية، خاصة وأن موضوع العجيب لم تخل منه ثقافة من الثقافات، فهو متجذر في تاريخ الإنسانية، علما أن مؤلف الكتاب الدكتور خالد التوزاني قد فصَّل القول في نظريات العجيب وروافدها وما يتعلق بها من إشكالات وآفاق، وذلك في كتابه الموسوم بـ “أدب العجيب في الثقافتين العربية والغربية” الصادر عن منشورات دار كنوز المعرفة بالأردن.
ويأتي كتاب “جماليات العجيب في الكتابات الصوفية” ليسلط الضوء على نموذج تطبيقي ينتمي للأدب المغربي، حيث يتعلق الأمر بواحدة من أشهر الرحلات المغربية، وهي الرحلة العياشية المسماة “ماء الموائد” لصاحبها المتصوف العياشي والمشهور بأبي سالم (ت 1090هـ)، وذلك وعيا من المؤلف الدكتور خالد التوزاني بأهمية الأدب المغربي وضرورة تعميق البحث فيه، ترسيخا لقيم الوطنية وتأكيدا على ثوابت الهوية المغربية، في جانب من جوانب الإبداع المتميز لغة وفكرا ومنهجا، تجعل القارئ المغربي يشعر بالاعتزاز والفخر بتراثه، كما تجعل القارئ العربي يعيد النظر في أحكامه المسبقة حول الأدب المغربي وفتح آفاق البحث فيه والاستفادة منه، وفي هذا السياق جاء في تقديم السيد الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء العلامة الدكتور أحمد عبادي لهذا الإصدار قوله: ” إن هذه الدراسة العلمية باتخاذها نصوصا من أدب الرحلات المغربية مجالا للتطبيق، تكون قد سعت للإسهام في تعزيز البحث في الأدب المغربي وكشف جمالياته داخل جنس أدبي يحتاج لمزيد من الدراسات فيه، لتعميق النقاش حوله، ليس على مستوى النصوص المتداولة فيه فحسب، وإنما كذلك على مستويات التنقيب والتوثيق، والجمع والتحقيق، ثم الدراسة والتقييم”، ولعل هذه الأهمية التي يحظى بها الأدب المغربي راجعة لكونه يندرج ضمن الثروة اللامادية والرأسمال الرمزي للأمة المغربية والذي ينبغي استثماره في دعم جهود التنمية وتقوية الانتماء للوطن وتعزيز المكتسبات.
بذل المؤلف الدكتور خالد التوزاني مجهودا واضحا في ثنايا هذا الإصدار، حيث خضع الكتاب قبل نشره للتحكيم والمراجعة من قبل لجنة علمية تحت إشراف مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة، مما جعل كتاب “جماليات العجيب في الكتابات الصوفية” مؤسسا على منهجية علمية صارمة وتدقيق في محتواه ولغته، قبل أن يخرج في حلته المشرقة، على غرار إصدارات الرابطة المحمدية للعلماء التي تتميز بالدقة والجودة.
تأسيسا لمشروعية البحث في عجيب الأدب الصوفي، اجتهد المؤلف الدكتور خالد التوزاني في رصد جل الدراسات التي تناولت ظاهرة العجيب في الأدب العربي بشكل عام، والتي تمحور أغلبها حول الرواية والقصة القصيرة، واقتصرت الدراسات على تحليل النصوص المتداولة والشائعة؛ سواء في التراث العربي القديم أو في الإبداع الحديث والمعاصر، وعند تقييم حصيلة تلك الجهود، تبيَّن أن العجيب في الأدب الحديث حظي بنصيب وافر من مجمل الدراسات، نظرا لطابعي التجريب والحداثة اللذين غلبا على الإبداع المعاصر، وأثرا في حركة النقد الأدبي، ومن جملة ما يؤكد ذلك، أن أغلب الدراسات المنجزة حول العجيب، منشورة على شكل مقالات ضمن مجلات أدبية، أما دراسات العجيب في الأدب الصوفي فنادرة جدا، و ما هو موجود منها يُعد على رؤوس أصابع اليد الواحدة، ولم تتجاوز تلك الدراسات على ندرتها إحصاء ما يثير العجب، ووصفه، حيث أغفلت الحديث عن جمالياته، فضلا عن أن بحوث العجيب لم تكن في غالبيتها إلا انعكاسا لما جاءت به نظرية تودوروف حول الأدب العجائبي، ومن هنا تزداد أهمية كتاب “جماليات العجيب في الكتابات الصوفية” لمؤلفه الدكتور خالد التوزاني، وتزداد صعوبة الاختيار ومتعته في الآن نفسه، إذ لم يكن الاقتراب من العجيب سهلا أبدا، حيث يذكر المؤلف بعضا من الصعوبات التي رافقت إنجازه لهذا العمل، ومما جاء في مقدمة الكتاب حول الصعوبات والمنهج قول المؤلف:
“إن التعامل مع الكتابات الصوفية عموما، وأدب العجيب خصوصا، يفرز العديد من الصعوبات الكامنة في طبيعة الموضوع وخصوصيته من جهة، واختيار المنهج واللغة الواصفة والموصوفة معا والتصورات التي تتخللهما من جهة أخرى. ولعل أهم صعوبة واجهت المؤلف هي: وسم بعض النصوص الصوفية بـ”العجيب”، لأن الأمر لم يكن يخلو من مجازفة، وقد يحمل في طياته رؤية مسبقة، أو أحكاما قبلية، تعكس نظرة نوع معين من التلقي؛ الذي لم يستطع إخفاء تعجبه من هذه النصوص، فالقارئ، أي قارئ، يقف من النص موقفا خاصا، تحدد خصوصيته نوع ثقافته، فيصدق عجائب النص ويسلم بها، أو يلجأ إلى تأويلها تأويلات شتى، أو يرفضها، ومن هنا تختلف زوايا القراءة، مع أن النص قد يسهم في منح هذه الإمكانية أو تلك في القراءة بما يوفره من قدرة على التأثير والإقناع والسطو. ولتجاوز مأزق القراءة التصنيفية، عمد المؤلف إلى محاولة ضبط مفهوم العجيب، وتتبع دلالاته، ومناطق نفوذه وتأثيره، بغية التوصل لتحديد معايير في تصنيف النصوص أو انتقائها، تكون أقرب للموضوعية، وتنسجم مع قواعد البحث العلمي المتعارف عليها، وتحافظ في الآن ذاته على خصوصية الكتابة الصوفية ونسقها الإبداعي والمعرفي. وهكذا، حُدِّدَ مفهوم العجيب في: كل أمر مخالف للمألوف، باعث للحيرة والاستفهام. لكن هل يتعلق الأمر بمخالفة مألوف المتلقي/الباحث، أو مألوف المتصوف/ مبدع النص؟ لتجاوز هذا الإشكال كان التركيز في انتقاء النصوص، على ما أثار تعجّب المتصوف المبدع، مع عدم إغفال دهشة الباحث أمام بعض المتون، باعتباره متلقيا للنص “العجيب” متذوقا لجمالياته”. 
أما المنهج المتبع في كتاب “جماليات العجيب في الكتابات الصوفية” فقد أفصح المؤلف عن هويته في مقدمة الكتاب، حيث يتعلق الأمر بــجمالية التلقي، قائلا: “يفضي الحديث عن صعوبات البحث، إلى حديث عن المنهج المعتمد في الكتاب، والذي فرضته طبيعة الموضوع، ونوع الصعوبات التي رافقت الإنجاز، فكان لابد من الحديث بلسان النص “العجيب”، لنَقْلِ رسالته كما أرادها، وبتعبير آخر: أن نمنح للنص إمكانية الكلام بصوت مرتفع، ولذلك كان التركيز على صنف من “العجيب” الذي أثار تعجب المتصوف الرحالة العياشي واستغرابه، علما أن ذلك لا يمنع من وجود عجيب آخر غير مصرح به، بل لا يعده أبو سالم العياشي أصلا من باب العجيب، فنقله للقارئ على أنه من الأمور العادية المسَلم بها والمتفق عليها زَمَنَهُ الذي هو زمن الكتابة، وبالطبع يختلف عن أزمنة القراءة. وبذلك، يمكن القول بأن العجيب في رحلة “ماء الموائد” عجيبان: عجيب العياشي وعجيب القارئ. ولأن هذا الأخير، أحيانا يكون مطالبا بتحقيق نوع من الحياد والموضوعية في قراءة النص، يصبح العجيب الأول، أي عجيب المتصوف هو المستهدف من الدراسة. ونظرا لكون التردد التفسيري الذي تخلقه نصوص العجيب، يجعل المتلقي في وضعية مأزق حرج؛ فلا هو يستطيع تفسير ما يحدث، ولا هو يُسَلِّمُ بما يقرأ، ولا يمكنه أيضا أن يرفض، فإن الخروج من هذا المأزق يكمن في التعامل مع “النص العجيب” من منظور أدبي، وأن يكون التحليل من داخل بنية التصوف؛ بما يوافق نسقه، وينسجم مع خصوصيته، أملا في تذوق بعض جماليات الكتابة العجيبة، والكشف عن طاقات الإبداع والتميز فيها، باعتبار العجيب في الكتابات الصوفية من حيث كونه نصا سرديا جميلا، من نصوص الإبداع المتميزة في الثقافة العربية الإسلامية.
هكذا، يمكن التعامل مع النص الصوفي العجيب، باعتباره كائنا حيا، ينطق ويعبر، ويصمت ويتردد، فنصغي إليه ونتحاور معه، لا أن نسكته وننطق نحن، فكثيرا ما نسيء فهم الآخرين إذا لم نحسن الإنصات إليهم. ومن ثم، عوّل المؤلف في مقاربة العجيب على منهج “جمالية التلقي” بشرط تكييف هذا المنهج مع خصوصية النص الصوفي، وخلق ألفة مع نصوص القوم، لأن العمل الفني إذا اقتصرنا على تذوقه للمرة الأولى فمن المحقق أن أشياء كثيرة ستفوتنا، أما إذا أتيحت لنا الألفة معه مرة ومرات سوف نزداد معرفة بحقيقته، ونقترب أكثر من جماليته، خاصة إذا كان المنطلقُ بريئا من الأحكام المسبقة، خاليا من أي مرجعية غريبة على النص المدروس. 
إذا كان هدف العجيب في الأدب غير الصوفي فضح الواقع وتعرية المعاني المختفية في شقوقه، فإنه في نموذج رحلة “ماء الموائد” لأبي سالم العياشي (ت1090هـ) محاولة لتغيير ذلك الواقع، من خلال اقتراح حلول جديدة تخدم عمران الكون والإنسان، حيث تفنن عجيب هذه الرحلة في أساليب الوصول إلى عقل الإنسان ووجدانه، عبر الكتابة المبدعة التي حاولت كسر أفق انتظار المتلقي، وتمكنت من تشييد نص إبداعي يمتح من الثقافة الصوفية الإسلامية روحه ومحتواه، فكان تطلع العجيب نحو مدارج الترقي الروحي والإيماني، باعتبار السفر انتقالا من حال مألوف غير مرغوب فيه، إلى حال “عجيب” مرغوب ومطلوب”.
وواضح من خلال مقدمة كتاب جماليات العجيب في الكتابات الصوفية وكذلك المدخل التمهيدي الذي أسس المؤلف من خلاله عمران بحثه، أن الكاتب يسعى لبناء تصور جديد حول الكتابة الصوفية العجيبة، مفاده الارتباط الوثيق بين اللغة والفكر والوجدان في تشييد نص عجيبٍ مُعجِبٍ غير مألوف تتداخل فيه الذات مع الآخر ويعكس التفاعل المبدع مع الكون والوجود وكذلك يفصح عن غرابة الذات الصوفية وتحولاتها وتشكلاتها، مما يجعل النص الصوفي العجيب نصا فريدا من نوعه له سماته الخاصة به.
وقد جاءت لغة الكتاب مشرقة, وأسلوبه جميلا، وشواهده كانت مضبوطة، وتوثيقه كان دقيقا، ولائحة مصادره ومراجعه ثرية وغنية تجاوزت 300 مصدرا ومرجعا، وكان توزيع فصوله متوازنا، وعناوين مباحثه مثيرة وجذابة, ونتيجة لهذه المعطيات الموصوفة، يتبين أن الدكتور خالد التوزاني كان على وعي تام بكل هذه التعالقات المتشابكة في موضوع العجيب، الأمر الذي جعل عمله غنيا ومفيدا، مقدما بذلك خدمة جليلة للتراث الصوفي المغربي.
هكذا، ضم كتاب “جماليات العجيب في الكتابات الصوفية” فصولا مشوقة من عجائب الصوفية، وخاصة في نموذج رحلة “ماء الموائد” لأبي سالم العياشي، وهي الرحلة التي طبقت شهرتها الآفاق، ولم تخلو منها مكتبة عالم، صفحات هذه الرحلة تتجاوز 1600 صفحة في التحقيق الذي أنجزه المحقق العلامة الدكتور خالد سقاط، والذي كان في عدة مجلدات، حيث نال بها المحقق درجة الدكتوراه، وهو التحقيق المعتمد في انتقاء عجائب هذه الرحلة الرائعة والدرة النفيسة.
ضم كتاب “جماليات العجيب في الكتابات الصوفية” أكثر من 300 صفحة من الحجم الكبير وبغلاف مجلد وأنيق في طبعة فاخرة، حيث الإخراج الفني للكتاب كان في منتهى المهنية والجودة في الخطوط ونوع الورق، حيث أبدع الخطاط المغربي المبدع الأستاذ بلعيد حميدي خطوط عناوين هذا الكتاب، مما جعل هذا المُؤَلَّف تحفة فنية قبل أن يكون مصدرا علميا هاما من مصادر دراسة الأدب الصوفي في المغرب وخاصة أدب الرحلات، نظرا للصرامة العلمية التي ميَّزت الكتاب والدقة المنهجية التي كُتب بها، حيث يبدو فيه الطابع التنظيري واضحا، فالدراسة تجاوزت البعد التحليلي إلى التنظير للنص الصوفي العجيب، من خلال اقتراح مفاهيم جديدة – مثل عجيب الهدم وعجيب البناء- تعكس رؤية علمية وخلفية فكرية وأدبية تستفيد من نظريات النقد الأدبي وتحاور النص الصوفي لاقتراح قراءة جديدة للكتابة العجيبة، وفق منهج يسخّر كل إمكانات التحليل المتداولة ويضيف إليها أبعادا أخرى تنسجم مع السياق الصوفي وخصوصية المتن المدروس.
وعلى الرغم من قيمة النتائج التي خلص إليها الكتاب، إلا أن المؤلف الدكتور خالد التوزاني يعتبرها بمثابة حصيلة مؤقتة، تُعبِّرُ عن مرحلة معينة من القراءة والتأمل، قابلة لاحتواء الجديد عند كل إعادة للقراءة وتجديد للنظر، لأن تذوق جماليات العجيب في الكتابات الصوفية يرتبط ارتباطا وثيقا بطبيعة التفاعل المبدع مع النص، ومدى الإنصات له؛ فكلما تذوق المتلقي النص، كلما زادت قدرته على اكتشاف جماليات جديدة، ولعل هذه الخاصية في حد ذاتها يمكن عدها سمة جمالية تطبع عجيب الكتابات الصوفية، وتجعل النص العجيب قابلا للانتقال –بفعل تكرار محاولات القراءة وتجددها باستمرار- من مألوف الأثر الذي هو الحيرة إلى الشعور بالهيبة أمام قدرة هذا النص على التلوّن والتشكّل بفسيفساء من الجمال لا تنقضي عجائبه.
على الرغم من أن أدب الرحلات يعتبر بابا مفتوحا للعجائب والغرائب لا ينضب معينه، إلا أن عجيب رحلة “ماء الموائد” لأبي سالم العياشي كانت له خصوصياته، فقد تفنَّن عجيب هذه الرحلة في أساليب الوصول إلى عقل الإنسان ووجدانه، عبر الكتابة المبدعة التي نجحت في الجمع بين غايتي “العلم والسمر”، وتمكنت من تشييد نص إبداعي جميل يمتح من الثقافة الصوفية المعتدلة روحه ومحتواه، ويستمد من جماليات البناء اللغوي قوة تأثيره وصموده، وليؤسس جمالية النص العجيب، ويُحوِّل وظيفة التعجيب من الإمتاع الحسـي والمعنوي، إلى نوعٍ من التلذذ الروحي والإيماني، يكون قادرا على نقل المشاعر المقدسة وتشويق المتلقي لخوض التجربة وشق الطريق، حيث إن دافع رحلة ماء الموائد كان في اتجاه أداء مناسك الحج والعمرة واقتباس منافع لقاء الشيوخ والعلماء. وهكذا، يمكن اعتبار العجيب في رحلة “ماء الموائد” مُعبِّرا عن السلوك الصوفي، وناقلا لمعارف القوم وعوارفهم، وكذا انشغالاتهم الراهنة وتطلعاتهم المستقبلية، فهو طريقة لفهم العالَم وإدراك آليات اشتغاله، وهو – تبعا لكل ذلك- مفتاح لفهم شخصية المتصوف في مختلف تجلياتها وأبعادها، وهو الأفق الذي يفتحه هذا الكتاب، ليؤكد أن النص الصوفي العجيب باب مشرع لولوج شخصية المتصوف واقتحام بنيته النفسية والاجتماعية. 
فهرس محتويات كتاب: “جماليات العجيب في الكتابات الصوفية”، لمؤلفه الدكتور خالد التوزاني:
تقديم السيد الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء العلامة الدكتور أحمد عبادي
مقدمة المؤلف
 مدخل: حاجة العجيب للدراسة
أولا: حاجة العجيب للدراسة 
1- تأخر دراسة العجيب 
2- نماذج من الدراسات 
3- ندرة دراسات عجيب التصوف
ثانيا: مفهوم العجيب 
1- صعوبات التحديد 
2- حد العجيب 
3- محاولة القزويني تنظير العجيب 
4- رؤية العياشي للعجيب 
5- نسبية العجيب وتفاوت التلقي 
خاتمة 
 الباب الأول: جماليات العجيب في الكتابات الصوفية: التأسيس والتجليات
الفصل الأول: جماليات التأسيس
أولا: العجيب في التصوف الإسلامي 
1- مفهوم التصوف الإسلامي 
2- مظاهر العجيب في التصوف الإسلامي
3- التجربة الصوفية وسؤال العجيب
ثانيا: العجيب في الكتابات الصوفية 
1- ميثاق القراءة
2- لذة الغموض 
3- الحيرة العظمى 
الفصل الثاني: جماليات التجليات 
المبحث الأول: عجيب اللغة 
1- من المألوف إلى العجيب 
2- الشطح اللغوي وجمالية البوح 
المبحث الثاني: عجيب الفكر 
1- نبِّه على السرِّ ولا تفشه 
2- جدلية الكتم والبوح 
3- التمييز العجيب 
خاتمة 
 الباب الثاني: جماليات العجيب في رحلة “ماء الموائد”: البناء والتجليات 
الفصل الأول: جماليات البناء 
أولا: “ماء الموائد”: نموذج العجيب 
1- قيمة الرحلة 
2- جماليات العتبة والعتمة 
3- عجيب العصر 
4- عجيب الإنسان
ثانيا: بناء العجيب 
1- جغرافية العجيب 
2- الإسناد وتصديق العجيب 
3- تفسير العجيب 
4- عجيب التلقي والتلقي العجيب 
الفصل الثاني: جماليات التجليات 
المبحث الأول: أنماط العجيب 
1- عجيب الهدم وتنشئة الوهم 
2- عجيب البناء وتنشئة الإنسان الكامل 
3- استخلاص 
المبحث الثاني: موضوعات العجيب 
1- عجيب الأمكنة وجمالية المقدس 
2- عجيب الاحتفال وجمالية الزينة 
3- آلات عجيبة 
4- مخلوقات عجيبة 
5- عجيب السلوك 
6- استخلاص 
خلاصة واستنتاجات 
الفهارس
_______
1 باحث في الأدب المغربي والنقد الثقافي

شاهد أيضاً

الوطن اليوطوبيفي “ترانيم في حضرة الوطن”

خاص- ثقافات د. مصــطــفى غَــلْــمَـان   مثلما هي البناءات التخييلية المتينة، تتداعى بين العبارات الحسية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *