رسائل عبد الرحمن منيف ومروان قصاب باشي

                 رسائل عبد الرحمن منيف ومروان قصاب باشي

                           سعيد بوخليط

                    

يعتبر عبد الرّحمن منيف أقرب الرّوائيين العرب إلى قلبي،رغم أنّي صراحة لست من عشّاق متون الرّواية فما بالك الإدمان، لكن كلّما اشتقت ثانية وفكّرت في العودة إلى الاستماع بنصٍّ روائيّ ينزع ذهني سريعا ودون تردّد نحو كتابات عبد الرّحمان منيف، وبعده يأتي صنع الله إبراهيم.   

يعود تاريخ اكتشافي لنصوص هذين الكاتبين اليساريين التقدّميين المتشبّعين حدّ النّخاع بقيم التحرّر والدّيمقراطية وبناء الانسان العربي على جميع المستويات، بضرورة التخلّص جذريا من منظومات الدّيكتاتوريات الرّجعية والتخلّف، إلى أواخر الثّمانينيات من خلال روايتي “شرق المتوسط” و ”تلك الرّائحة”، ثمّ استمرّت محاورة تلك النّصوص بين الفينة والأخرى غاية اليوم. 

إذن عبد الرحمن منيف ليس غريبا عن عالم قراءاتي منذ زمن بعيد، بل احتلّ مكان الصّدارة على مستوى السّرد. أمّا عن الرّسّام والفنّان التّشكيلي السّوري مروان قصاب باشي، فلم أكن قط أعرف اسمه إلى أن صادفت كتاب: ”في أدب الصّداقة ”(1).

تضمّن هذا العمل التّوثيقي المهمّ زهاء مائة وأربعين رسالة تبادلها الصّديقان الكبيران،كلّ واحد في مجاله، فقدّما فعليا من خلال أربعمائة صفحة ونيف درسا أخلاقيا عظيما أبديّا انطوى على قيم إنسانية غير قابلة للمساومة أو التّقسيط مثلما يستشفّ القارئ: الصّداقة، المحبّة، الوفاء، النّبل، المعرفة، الوطن، الأمّة، الحرّية، الفنّ، الجمال، المقاومة، الدّأب، الاعتراف…مبادئ حضرت بزخم على امتداد الرّسائل،فأخرج الأخيرة من إطار الرّوتين المستند أساسا على تبادل المشاعر المألوفة والأخبار العادية واستقصاء معلومات الوقائع الشّخصية وتعويض قسري عن الاتّصال المادّي المباشر، لكنّ رسائل منيف وقصاب باشي جسّدت بكلّ المقاييس خطابا ثريّا ذا قيمه مثالية ليس فقط على مستوى إرساء معاني دالّة للغاية بخصوص صداقة وفق مفهومها الاغريقي الفلسفي المجرّد، المنتج لحقيقة وجودية أساسها محاولة فهم العالم بالحوار الفكري التأملي. تتجلى لحظات فرح وغبطة عارمتين بمجرّد تسلّم أحدهما رسالة من الثّاني،لأنّها صداقة حقيقية جدا ابتدأت منذ دائما ولن تنتهي قط نتيجة تخليدها عبر هذا الإصدار.يقول فواز طرابلسي :” هذه المراسلات قصّة صداقة سابقة على بدء التراسل.وصداقة تجلّت وتطوّرت أثناءها ومن خلالها.في تعليق على كتاب عبد الرحمن منيف”عروة الزمان الباهي”،عن صديقه المناضل والصحفي المغربي الباهي محمد، كتبتُ أن عبد الرحمن يؤسس في كتابه لأدب جديد هو أدب الصداقة.في هذه المراسلات،يكتب الصديقان عبد الرحمن منيف ومروان قصاب باشي سفرا جديدا في هذا النوع الأدبي”(2).

 ينحدر عبد الرحمان منيف المولود عام 1933،من أبٍ ينتمي إلى منطقة نجد السعودية وأمّ عراقية،درس في العراق ومصر ويوغوسلافيا.كان عضوا في القيادة القومية لحزب البعث،الذي استقال منه عام 1962 .خلال السّنة الموالية ، جرّده النّظام السّعودي من الجنسية بسبب مواقفه اليسارية التقدّمية،هكذا عاش منيف دائم التّرحال بين الأردن، العراق، مصر، يوغوسلافيا، لبنان، فرنسا، كي ينتهي به المقام في سوريا تحديدا العاصمة دمشق غاية وفاته سنة 2009،كأنّه آمن بعد كلّ شيء بأنّ وطنه الأصيل وانتماءه النّهائي وهويّته الحقّة تكمن في الابداع الرّوائي خاصّة والكتابة عموما ولعل خماسية ملحمته العظيمة مدن الملح : التّيه(1984)، الأخدود (1985)،تقاسيم اللّيل والنّهار(1989)،المنبت(1989)،بادية الظّلمات (1989)،وقد قارب متنها ألفين وخمسمائة صفحة تعقّبت تاريخ السّعودية منذ تأسيسها غاية الطّفرة النّفطية والتحوّلات الهجينة التي عاشتها منذئذ شبه الجزيرة العربية، جسّدت خير مثال عن تأويل لالبس فيه بخصوص إيمان منيف بجنسية واحدة تكمن في الفضاء الرّوائي. 

انتقل إلى عالم الأدب من مجال تقنوقراطي صرف بعد حصوله على الدّكتوراه في اقتصاد النّفط سنة 1958 خلال الحقبة الشّيوعية ليوغوسلافيا إبّان حكم جوزيف تيتو.   

عبد الرحمن منيف الرّوائي، المناضل السّياسي، الخبير الاقتصادي، عاشق الفنّ التّشكيلي، كاتب السّير، القاصّ، ترك مايزيد عن ثلاثين عنوانا صارت تدرّس ضمن برامج تعليمية في جامعات أمريكية وأوروبية واختير ضمن أعظم الرّوائيين على امتداد العصور.

أمّا الفنّان السّوري مروان قصاب باشي، فقد ولد سنة 1934 بين أحضان أسرة بورجوازية دمشقية، تطلّع بداية إلى دراسة الفنّ في باريس لكن طبيعة الظّروف قادته نحو المعهد العالي للفنون الجميلة في برلين، ثمّ عيِّن أستاذا للتّصوير الزّيتي في نفس المعهد. نال عام 1955، الجائزة الأولى عن تمثاله الجوع، فكان ذلك تتويجا محلّيا داخل سوريا، شكّل لبنة أولى لاعتراف عالمي عندما حظي سنة 2005 بتكريم من الرّئيس الألماني بوسام الاستحقاق من الفئة الأولى. لحظتان مفصليتان، ضمن متواليات مسار فنّي أنجز قصاب باشي جلّ عناوينه التّشكيلية والنّحتية في ألمانيا بعد اتّخاذه قرار التوقّف منذ 1962 عن مختلف أنشطته السّياسية والحزبية والانكباب تماما على الفنّ.

عاد مروان قصاب باشي إلى دمشق عام 2005، بعد خمسين عاما على مغادرة وطنه قصد المشاركة في تظاهرة فنّية كبيرة أقامتها المفوّضية الأوروبّية، توفّي يوم 23 أكتوبر 2016. عموما، انصبّ مشروعه على تيمة الرّأس مستلهما في ذات السّياق الإرث العربي الإسلامي، ثمّ تجربة الدّمية.  

تعود صداقة المبدعين إلى سنة 1965، وقد انتميا معا إلى حزب البعث الاشتراكي، وتجدّدت ثانية بعد أربع وثلاثين عاما، تحديدا سنة 1990 في برلين بمناسبة زيارة منيف إلى المدينة الألمانية. منذئذ، انطلق التّراسل بينهما غاية سنة 2003  .فترة ليست هيّنة، غطّتها  مئات الرّسائل تضمّنت مختلف معاني نبل الصّداقة والمشاعر الأفلاطونية التي لاتتنازل عن استحضار الأحاسيس الإنسانية ضمن منتهى كمالها المثالي وقد تعالت عن مختلف الحسابات المادية الانتهازية :”هذه صفحات لصديقين تخلو رسائلهما من كلمة نابية في حق أحد ومن أي تعريض بأحد.ولاحذف هنا ولارقابة.يدخل أصدقاؤهما المشتركون الرسائل كما يزور الصديق صديقه.وماعدا ذلك،مايجعل الصداقة أدبا :النخوة والدماثة والوفاء والاهتمام الحقيقي بالآخر والتواطؤ العميق معه.والأدب هنا كنية عن رقي في المشاعر والسلوك هذبها سعي مشترك نحو الحقيقة والجمال”(3) .  

قدّمت هذه الرّسائل، مادّة غنيّة لكتّاب السّيرة الذّاتية بخصوص جوانب ذاتية كثيرة تهمّ حياتي منيف وقصاب لأنّها أوحت بمعلومات عنهما أبانت للقارئ بشكل حثيث طبيعة الاشتغال في أوراش الفنّان وكذا عند طاولة منيف أحد معلّمي كِتابة الرّواية. 

أمسك الخيط النّاظم لهذه الرّسائل بجملة تصوّرات عفوية شخصية تجلّت على سجّيتها وعفويتها دون ثقل نظري أو كابح وحاجز مفهومي فيما يتعلّق بالكتابة والفنّ والطّبع والنّشر والأصدقاء والعزلة والمزاج والتّفاؤل والتّشاؤم والمقاومة والأسفار والموت والحياة إلخ.رصدت بعض تفاصيل اليوميات ،آراء محض نظرية، هواجس نفسية خالصة، تطلّعات، خيبات، أفراح، آمال، إخفاقات، لذلك، هي رسائل بقدر إماطتها اللّثام عن معطيات سياسية مهمّة من التّاريخ العربي المعاصر، فقد كشفت للقارئ جوانب شخصية من حياة منيف ومروان قصاب وطريقة اشتغالهما روائيا وفنّيا وهواجسهما وتقديم تجربتيهما على نحو لم يكن معلوما سابقا للعموم .

مثّلت مجالا فسيحا حرّا للبوح والاستبطان الذّاتي،تكلّمت بلغة حميمة وصادقة عن مشاعر عبر مسافة طويلة وبعيدة امتدّت ذهابا وإيّابا من دمشق إلى برلين،لاسيما وأنّ الرّسائل المكتوبة بخطّ اليد تظلّ قياسا للتطوّرات التي عرفتها تقنيات التّواصل الحديثة أكثر صدقا وعمقا واطمئنانا وانسياقا خلف ممكنات الهمس ومصدر صحّتها أكثر أنّ الهدف من وراء كتابتها لم يكن بغرض النّشر وترتيب إخراجها إلى العلن،بل جاءت المبادرة بعد وفاة منيف(24 يناير 2004) بمبادرة من زوجته سعاد قوادري وإخراج مائة وأربعين رسالة شغلت مساحة زمانية شملت الحقبة الممتدّة بين( 1990 -2003) وصدرت عام.2012

نكتشف لأوّل مرّة،أنّ عبد الرحمن منيف سكنته رغبة التحوّل الجدّي إلى فنّ الرّسم على يد مروان قصاب باشي نتيجة اختباره فعليا خذلان وتعهّر كلمة لم يعد يجد معها متنفّسا نقيّا لإمكانية التّعبير والحلم خلال لحظات الإحباط الكبيرة،كما الشّأن مثلا فترة الغزو الأمريكي للعراق حين استكان منيف إلى بلاغة الصّمت جرّاء هول الحدث فلم تعد الكتابة تشفي الغليل أمام هول وفظاعة عودة الاستعمار والتوسّع الامبريالي من الباب الواسع: ”ربما اللون، للبكارة التي يتمتع بها، وللحياد الذي يميزه، لايزال قادرا على أن يقول الأشياء بشكل جديد ومختلف، أما بالنسبة للوسائل الأخرى فإنها لفرط ما استعملت واستهلكت فإنها غير قادرة على أن تقول شيئا، ولهذا أصررنا على استعمالها فقد لاتزيد على كونها ممارسة للعادة السرية، آخر شيء ولاتعني شيئا أبدا، وهذا، ربما، سر عبثها وقسوتها معا، وهذا ما يجعلها عصية في أحيان كثيرة،على إعادة التكوين والتجدد،لكي تقول نفسها الذي امتص منها كل دمها.كلمات…كلمات…كلمات،ولا شيء في النهاية”(4). هكذا، يصرخ منيف صارخا بمأثور الحكمة الشعبية: ”إذا ماخربت مابتعمر”. 

لقد تعهّرت الكلمة، أضاعت جدواها، تحلّلت معانيها، نتيجة بؤس الظّروف السياسية الصعبة والارتدادات التي يعيشها دون توقّف المحيط الإقليمي والعربي مما يشعر المثقف بالإحباط وضياع الأمل، نفس الإحساس عاشه منيف بكيفية أخرى يوم رحيل صديقه الكبير جبرا إبراهيم جبرا الذي أنجز صحبته رواية ”سباق المسافات الطويلة”(1982). 

يشعر صاحب ملحمة مدن الملح بضجر كبير من الكتابة في خضم اغتراب اللّغة ونفوره النّفسي والابداعي من استعادة نفس الإطار اللغوي، متمنّيا لو امتلك مثل مروان قصاب باشي أسرار اللّغة الفنّية كي يراهن على الرّسم بدل عقم الكلمة. مخاض الكتابة وصعوباتها، وكذا عهر الكلمة، من ثمّة يتخيّل منيف كتابة غير خاضعة للرّقابة الذّاتية قصد إعادة الاعتبار: ” لو لم أكتب لرسمت. أعرف أني لست موهوبا في هذا المجال، لكن الغليان الذي يملؤني، والذي يفيض باستمرار لايمكن أن تستوعبه الكلمة المعهرة والتي أصبحت شائعة إلى درجة أنها لاتقول شيئا البتة، أو تقول الأشياء كلها دفعة واحدة، وبالتالي لامعنى لها. هذه خاصية الكلمة، إنها طريقة استعمالية إلى درجة آلية، مما يفقدها سحرها، بكارتها، لحظة انفجارها. وربما كان التشكيل وحده يمتلك خاصية تجعله مختلفا. إنني الآن أتكلم وحدي، تقريبا أي لا أريد أن أثبت شيئا أو أقنع أحدا”(5).

بدوره، مروان قصاب باشي، لم يسعفه على الصّمود سوى قولة سعد الله ونوس الشّهيرة ”نحن محكومون بالأمل”، على منوال جملة صديقهما المشترك الصحفي والمناضل المغربي محمد الباهي:”يأتي الطوفان فيصير كل شيء ممكنا، وتحذف كلمة مستحيل من القاموس، نوح جديد يطيح بالاتكالية البليدة السائدة، رجل وامرأة تحدوهما الرغبة بالحب والانجاب والعمل، يعمران الدنيا الجديدة حسب ذوقهما ويملآن الأرض عدلا بعد ان ملأها الناس جورا، أين أنت أيها الطوفان العظيم”. 

يبدي مروان قصاب باشي عن رغبته كي يمتلك ناصية اللّغة، رغم أنّ الرّسم وحده يمنحه الاطمئنان بفضل حياد اللّون، لاسيما خلال لحظات استسلامه إلى توقّد مشاعر التّرحال حين انتقاله بين برلين ودمشق: ”وقد بنيت عشي في برلين وهي(دمشقي)وثم إن برلين أو دمشق هي مرسمي وهو العش الحار حيث(غزلت)به عاما بعد عام القسط الأكبر والهام من حياتي بكل مافيها من اليومية المعتادة والأمل والمناعة والفرح والحزن. إنّ أصعب رحلاتي النادرة هي دمشق حيث يعود الطفل الرجل إلى مدينته الأم وقد أخذت دمشق طريقها كما أخذت طريقي والمدينة لها قصة حياة كما للإنسان. في دمشق أشعر بالحنان والحب والغربة أيضا. وأعود إلى برلين غريبا من جديد”(6). أيضا، يقول مروان قصاب باشي في رسالة أخرى: ”كان سفري لدمشق في الماضي ينطبع بالخوف، ليس من دمشق أو الوطن بل من برلين والعودة اليها حيث أواجه الانشطار والغربة من جديد وبشكل مختلف عن أيام الصبا مع امتداد الزمن…لقد اختلفت هذه الزيارة عن الزيارات الأخرى. لقد اختلفت هذه الزيارة عن الزيارات الأخرى. لقد كنت كالعاشق يسرع للقاء حبيبه ومع اللقاء كان القلب يبكي لمعرفته بالفراق ثم الألم الكبير بسبب الحس بالضياع القادم ومعه تقريبا ضياع النفس وثقل القدم على الأرض حيث تكاد تفقد موقعها وظلها في المكان”(7).

أتاحت مناسبة تبادل هذه الرّسائل مجالا كي يستعيد مروان قصاب باشي، ذكريات طفولته في دمشق وبداياته الأولى مع الرّسم وكذا مشاعره العاطفية نحو امرأة عانس من خلال فقرة حنين مستفيضة. معطيات اعتمد عليها منيف، وأمّدته بمعلومات بخصوص الألوان، الجسد، الموسيقى، أولى اللّوحات، أسئلة وجودية حول اللّغة، الطّبيعة، الزمان، المرأة، الخطيئة، الجمال، العنف، القبح. قصد استثمارها حين اشتغاله على السّيرة الذاتية والفنّية لمروان قصاب باشي، التي تجلّت مختلف تفاصيل وحيثيات معالمها في كتاب:”مروان قصاب باشي: رحلة الحياة والفن”(1996). 

بهذا الخصوص، دأب منيف على الاستماع لأشرطة أرسلها مروان قصاب من ألمانيا تضمّنت اللّبنات الأساسية لمشروع إنجاز هذه الدراسة السِّيرية : ”الآن فقط، والوقت الظهر، انتهيت من سماع الأشرطة الثلاثة التي أرسلتَها. رائعة وهامة، ويمكن أن تفتح الطريق عريضا من أجل كتابة مناسبة. كنت وأنا أستمع أخشى من شيء واحد: أن تنتهي! كنت أريدك أن تواصل، أن لاتتوقف، ولكن لكل شيء نهاية، بما فيها الأشرطة والحديث. لقد سررت إلى أقصى الحدود بمعرفة هذه التفاصيل”(8). في غضون ذلك، يستشرف منيف طبيعة البناء الهيكلي والمنهجي لدراسته حول أعمال صديقه بحيث استمرّ النّقاش والاشارات بهذا الخصوص بين طيّات الرّسائل: ”عدت إلى قواعدي بعد السفرة الممتعة. أنجزت الفصول الأخيرة، واستدركت بعض الملاحظات، بعد النقاشات التي جرت بيننا، وأعتبر أن الصيغة الحالية هي الصيغة شبه النهائية، إلا إذا جدت أفكار أو ملاحظات أساسية. أرجو أن تتطلع بعناية على هذا النص، وأن تبدي رأيك، وأرجو أن يتم ذلك بسرعة، لأن من جملة عاداتي السيئة أني إذا انتهيت من عمل ألا أعود إليه مرة أخرى، وإلا حصل معي كما يحصل معك في تحطيم اللوحة، مع فارق أساسي، أنك تمتلك الجرأة لتعود إليه من جديد وأنا غير قادر”(9).             

لغة هاته الرّسائل متعدّدة ومتنوّعة، تأخذ كلّ رسالة عند مروان قصاب باشي مذاق ونكهة ”طعام روحي” تبعث لديه سعادة غامرة: ”عندما أتلقى الظرف بخطك الدقيق، فأصعد الدرج فرحا متفائلا ثم أضع ما أحمل على المقعد وأضع رسالتك على الطاولة الصغيرة التي تذكرها وأنا أعاند لذة فتحها دون طقوس الانتظار المحبب ثم أشعل سيجارة وأقص الظرف بحذر قبل أن أبدأ بالتهام سطورك مرتين. وكما ذكرت إنه الطعام الروحي يربطني بتراث وأرض أحبها من شخص صاحب وعزيز” (10)، ويضيف مقطع ثان:”شوقي لكم هائل وأحيانا معذب، ولكن، وكما تعرف فإن في بعض العذاب متعة وثروة، فليدم لنا هذا العذاب، وإلا مافائدة الأيام ومافائدة الحياة!”(11)،ونموذج مقطع آخر :”لعن الله البعد. أفرح بالحديث معك وتضحك روحي… ويحك عبد الرحمن،أين حروفك! ”(12).لكن، القدرة على تدبيج رسالة حتّى تبلغ مستوى هذا الإيحاء ومدارج  السلوى المتوخّاة تقتضي حسب منيف البوح ثمّ توفّر مزاج الكتابة. 

تضمّنت وانطوت على رؤى نقدية حول الفنّ التّشكيلي أفصح عنها مروان قصاب بين طيّات عبلا أكثر من رسالة واحدة كما الحال مع الفقرات التالية:”أحاول الرسم منذ البارحة بشكل جدي وقد عدت الى لوحة كبيرة نسبيا كنت قد بدأت العمل بها قبل أسابيع وهي عرضية. فكرة ذلك العمل(الرأس الطائر)وقد حاولت تنفيذ الفكرة أكثر من مرة إلا أن أدبية الفكرة المذكورة كانت عائقا منذ البداية وقد فشلت التجارب الأولى على القماش بعد محاولات كثيرة”(13)،”اللون هو اختراع والخط اختراعوالحب أيضااللوحة،فهي في مصاف الشجرة، تحملت فصول العام وندبات الزمان، الغيث والجفاف، العطاء والدرّ، تحمل في قشورها في أغصانها وجذورها تاريخ الدقائق والعمر”(14)، كما أنّ”بدايات الرسم سهلة وبدايات تلوين اللوحة (يقول أهل المغرب صبغة!) ممتع مطرب فيه الغنج وفيه اليناعة والتمتع ولكن البناء وشموخ العمل لايأتي إلا بالمناعة والرفض الذي يقارب اليأس والذي يحمل حزنا عميقا ويحجب النفس بوشاح رمادي يبعدها عن الفرح والاستبشار حتى تنحل العقد وتضيئ مراكز الأسرار وتنهض اللوحة واقفة لتقول ها أنا مرتبطة صبية بالفنان ولكنها تنفصل عنه بحياتها الخاصة قائلة :أبحث من جديد عن مركز الأسرار الأخرى فأنا طليقة حرة”(15).

بدوره يحكي منيف عن مخاض ذهني عسير يكابده أمام الورقة البيضاء حين سعيه كتابة رواية جديدة،إنّها معاناة بكل معاني الكلمة أمام صحراء الصفحة البيضاء كما يقول باشلار ويبدي منيف شكواه وتذمره من إيقاع متواصل يريده على مستوى كتابة الرواية بسبب كثرة الأسفار : ”أواصل العمل بالرواية،لكن بشكل متقطع وليس كما أشتهي،وهذه الطريقة في العمل تولد عذابا لايطاق بدل المتعة التي يجب أن يحس بها الكاتب وهو يغوص في أعماق عمله”(16).

أحيانا أخرى،يتأتّى عقم وجفاء الكتابة،نتيجة إحباط نفسي عميق حيال الواقع الموضوعي وارتدادات التاريخ.تقول إحدى رسائل منيف :”أعتقد أن الصمت الذي لزمناه نحن الاثنين طوال الشهور الأخيرة له مايبرره،فهذه الحرب الحمقاء من قبل أمريكا،وذلك الضجيج الذي صدّع به النظام رؤوس الناس، ثم النتائج التي انتهى إليها، كلها أسباب كافية لأن يغرق الانسان في الصمت، ويتأمل ماحصل، والشفاء من هذا الإحباط الذي أعقب الضجيج، بحيث يمكن بعد ذلك التقاط الأنفاس مرة أخرى ومعاودة سير الحياة كما كانت، أو كما يجب أن تكون.لم أستطع خلال الفترة الماضية سوى كتابة مجموعة من المقالات عن تاريخ العراق المعاصر،كمحاولة للتماسك، والزعم بالمشاركة.حتى القراءة التي تعودت عليها خلال السنتين الماضيتين أثناء المرض فقدت لذتها وفائدتها،وأصبحت عازفا عن القراءة إلا في حالات قليلة ومتباعدة.يبدو بأنّ حزيران سيكون حياتنا كلها في المستقبل المنظور،فقد افتتح حزيران 1967 هذه الدراما التي لابد أن تتكرر بين فترة وأخرى،وتصبح أمنية أن تبقى هكذا بعيدة المنال.قد تكون الكتابة،والغرق في رواية جديدة حلا،كما الحال بأن ترسم،لكن ”عبقريتي” تتجلى هذه الأيام في أن أبتعد عن الورق الأبيض”(17) .   

بدوره، يخوض مروان قصاب باشي صراعا مع الصّفحة البيضاء أو القماش، تمثّل خلال مواقف معيّنة مأساة شخصية لايعرفها ويختبرها بالدّرجة الأولى سوى الفنٌان الحقيقي يقول :”نحن سعداء رغم المرارة ورغم العذاب بين الحمل الأول والتلقيح ثم الولادة.أما الواثقون والسعداء، فهم التعساء في الأصل لأنهم لايملكون نور الكلمة ولاطعم اللون وليسوا النهر الذي يحفرون انسيابه بصدورهم طوال الحياة”(18). وتضيف رسالة أخرى :”لعن الله لوحة أعمل عليها منذ أسابيع طويلة وقد كان تقديري أنها هكذا وسوف ألتهمها في يوم مع صراخ الأزرق والأصفر،مع شيء من الزهري ثم عواميد النور في الوسط، من أسفل اللوحة حتى قمتها، من الأرض حتى مركز السماء.لاتتصور مدى التغييرات ومدى البؤس والشقاء في النهار والليل.نريد شيئا غير عادي ولكنه بسيط وعليه بصمة التأكيد والقصد الذي نعرفه وندركه دون أن نعرفه ويأتي ”سيزيف” الخبيء في زوايا قناعتنا وشرف غضبنا.تأتي الفوضى ويأتي الغضب وتأتي المحاولة الدؤوبة في إعادة الفوضى إلى نظام الغضب إلى جانب الرفض”(19) .   

تطلّع عبد الرحمن منيف إلى تعلم فنّ الرّسم على يد مروان قصاب باشي : ”أمس تلقيت رسالتك مع هدية الدرس الأول في الرسم،سأجتهد في تعلّم الدروس، وإذا كانت هناك بقايا موهبة في هذا المجال فلابد أن يقر الأستاذ الاستمرار، وإلا سيطلب من تلميذه البحث عن صنعة أخرى !”(20).شغف ازداد وجده لحظة العدوان الأمريكي على العراق،تمنّى منيف خلالها صدقا الانتقال من مجال الكلمة إلى الرّسم مادامت الكلمة صارت عاجزة عن المقاومة :”لاأتصور أن هناك مهزلة تفوق مانواجه في هذه اللحظات :عالم عربي بهذا الاتساع،بهذا العدد الوفير من البشر، ينتظر، مثل القطعان، الوقت الذي يساق إلى المسلخ. قرأت فقرة اليوم في جريدة أنه أثناء غزو هولاكو للمنطقة، وأثناء ماكانت ذئابه تجوس الأزقة بحثا عن المطلوبين، كانت هذه الذئاب تصطدم ببشر تائهين، فتطلب منهم أن يبقوا إلى جانب الحائط ريثما ينتهون من مهماتهم، وكان هؤلاء البشر ينتظرون الدوريات -الذئاب إلى أن تنتهي من مهماتها الأكثر إلحاحا وحين تعود، تبدأ تلك المجزرة الباردة : القتل !عرب اليوم،مثل أولئك المنتظرين.يفترض القطر الواحد أن الضربة إذا وُجهت إلى غيره فقد نجا، ولايتصور أن القتلة سيعودون بعد أن ينتهوا من مهماتهم الرئيسية، لكي يباشروا قتلا باردا ورتيبا وأعمى أيضا، لكي يخلصوا من هذه الحثالات التي تطلق على نفسها عربا”(21)،ويستطرد مروان قصاب باشي ضمن نفس السّياق:”الحمير يصفقون لأمريكا ويهللون ولايعرفون أنهم خراف الأضحى ولكن ليس على دين أبينا إبراهيم بل على طريقة الأمريكيين ونحن الهنود الحمر…إن كل ذلك يمرضني كثيرا يحرق داخلي وخارجي…وحشية العالم الجديد وضراوته بالطليعة الأمريكية لاتترك في قلوبنا ويومنا شيئا للفرح أو الأمل ونحن أبناء عصر الخمسينات وتطلعه لعدالة اجتماعية ولحقوق الشعوب الصغيرة وأنا طالما أذكر جملة سعد الله ونوس عندما قال -إن إسرائيل سرقت عمري -أيامنا تاج أسود مليء بأشواك مسمومة نحمله على رؤوسنا وفي أرواحنا بعد عقد الخمسينيات وعهد الآمال”(22).ينتهي منيف منذئذ إلى نبوءة، صارت فعلا واقعا جاثما بل و أكثر استفحالا وسوادا :”العراق والمنطقة كلها بدأت تدخل في نفق ليس له نهاية،وكأنه مكتوب عليها أن تبقى كذلك قرنا آخر وإلى أن يستطيع العربان أن يمتلكوا زمام أمرهم، إذا ظل لهم زمام !”(23).  

لاحاجة أخرى تعادل رغبة التّحليق الفنّي،سوى الانعزال والانزواء داخل قرية تقع في اللاّذقية أو حلب بهدف الانكباب على  الكتابة  الرّوائية، لذلك اعتذر منيف عن تلبية مجموعة من دعوات الأسفار بهدف التّركيز على إتمام فصول روايته”أرض السواد”: ”أحاول الدخول إلى عالم الرواية من جديد بعد انقطاعات الصيف.العملية ليست سهلة وهناك خيارات عديدة تلغي الكثير مما سبقها،لكن لابد من الوصول إلى صيغة في أقرب فرصة، خاصة وأن جو الشتاء يساعد على”الكنكنة”،وبالتالي الانصراف أكثر إلى العمل المنظم والمتواصل. المشكلة أن الانقطاع عن العمل يخلخله،ويجعل العودة إليه من جديد صعبة، لكنها الصعوبة المتوقعة والمألوفة،ولابد من المرور فيها بين فترة وأخرى، خاصة وأن الدماغ لايتوقف عن الشغل حتى أثناء الراحة، وربما النوم أيضا”(24).

الانخراط الدّؤوب في الابداع الرّوائي، مع الالحاح المتواصل لهاجس فنّ الرّسم الذي يسكن خيال منيف ويأمل بكلّ جوارحه اختبار هذه الحالة وتمثّلها على أرض الواقع:”إن الدخول في ”الحالة” أمر لايصادفه الانسان إلا نادرا في هذه الحياة…”الحالة” هي ماتراه في الفن، أيا كانت وسيلة للتعبير. يجب أن تصل إلى لحظة تجد نفسك مضطرا كي تفعل شيئا خاصا استثنائيا، قويا خارقا، لاتعرف كيف سيجيئ أو متى. أن ترسم معناه أنك قادر على أن تعيد تشكيل الحياة، على خلقها، وهذا ماينساه الكثيرون”(25). 

تصادف عدوان قانا الإسرائيلي على لبنان سنة 1996مع تواجد منيف في بيروت، وقد كتب بهذا الخصوص : ”حادث قانا كان كبيرا وهاما،وربما يشكّل انعطافة في التاريخ الذي نعيشه،إذ ربما يشير إلى بداية رحلة الألف ميل الجديدة.كنت في بيروت خلال العدوان الأخير ورأيت انفعال الناس وصدقهم ورغبتهم في تجاوز المرحلة الماضية كلها،وبالتالي قد تصبح قانا رمزا واحتمالا لمستقبل أقل سوءا، إذ لاأجرؤ على القول مستقبلا أفضلا ومزدهرا، لا، الأمر يحتاج إلى الكثير من الجهد والصبر والتنمية والحماية والاستمرار، لكن، نتفاءل ولنقل : ربما”(26). عاد منيف من بيروت واعتبر ذلك حجّة للتوقّف ظرفيا عن مواصلة كتابة الرّواية.

في رسالة أخرى، يبشّر منيف صديقه قصاب باشي، بكونه وجد أخيرا بعد مخاض عسير السّبيل الأمثل نحو التمكّن من عوالم البناء السّردي لروايته ”أرض السواد”: ”أنهيت اليوم الفصل-المفتاح. كنت في الشهور الماضية أبحث عن بداية تساعد في الوصول الى أفق. كتب بدون مبالغة، مئات البدايات، لكن كنت أشعر أنها تفتقر إلى المفتاح الذي يمكن أن يقود إلى العوالم التي أريدها. اليوم بالذات توصلت، قد أكون مخطئا، أو متفائلا، لكني أحس أن هذا الاتجاه ومن هنا الطريق،وهذا مايجعلني في حالة قوة ونشوة،لأني أعرف أين سأذهب”(27).

مروان قصاب باشي معجب كثيرا بالنّصوص الرّوائية لمنيف وقارئ شغوف بأعماله لاسيما خماسية مدن الملح: ”اليوم صباحا، في الساعة الثانية والنصف، أنهيت الجزء الخامس من مدن الملح فيا أسفي، فبرغم التقتير أنهيت جميع ماكتبت وسألتفت الآن إلى نصوصك الأخرى المجمعة بانتظار ”أرض السواد”، وإذا أبطأت، فلا بأس، لأن الأعمال العظيمة تحتاج إلى مخاض طويل حتى تحصل على المفتاح والنشوة الهائلة وسوف أعيد قراءة بعض الكتب الأولية مثل ”الأشجار واغتيال مرزوق” و ”النهايات” ”(28)،وعندما انطلق في تقليب صفحات ”أرض السواد”، لم يتردّد مروان قصاب باشي في التّعبير عن طبيعة مشاعره بالكيفية التّالية :” ولكن من يقرأ وهو مستلق،فهو(مستلق)لجريان ذلك النهر العظيم وأحيانا أضحك وأسب عليك وليس من غاية المسبة والقهر وإنما من غاية بلغ فيها الإعجاب والتعجب درجة هائلة حيث تأتي المسبة بسبب الابداع والروعة المتميزة والنادرة في دخولك زوايا التاريخ والحارات والبيوت ثم اصطياد الدّرر من أعماق الانسان بشكل يكاد لايتصور.فهل أنك أيها الكاتب الصديق لاتستحق مسبة الحب والامتنان ثم الشكر من ملايين العرب الحاضرة واللاحقة”(29).

يلتقط القارئ تفاصيل معلومات كثيرة عن الرّجلين،أسفارهما،أنشطتهما،حالات صحّتهما،أفراحهما، أحزانهما، مشاريعهما على مستوى الكتابة والفنّ. يستحضر مروان بداية تاريخ علاقته مع منيف ويتذكر تلك الفترة بكثير من الأسى والفقد والشّوق: أعرف عبد الرحمن كصديق منذ زمن طويل مع أخيه وشقيقيه،ثم إن ذكرى تلك السنوات ماتزال واضحة في مخيلتي وأذكر أيضا أني عقب تلك السنوات أخذت(علامة)من ”نسيم السفرجلاني”عام 1958 لإيصالهما لعبد الرحمن في بلغراد في طريق العودة بالسيارة من دمشق الى برلين،إلا أن هذا اللقاء لم يتم وكانت غايته تنظيم (العلاقات) بين يوغوسلافيا وألمانيا.بقيت الذكرى ومرت الأعوام مايعادل جيلا (وصنع) كل منا سيرته وقدره بحلاوة ومرارة (30). بعد فترة انقطاع طويلة، حدث اللّقاء ثانية بداية سنوات التّسعينيات في ألمانيا، تجدّدت الصّداقة مرّة أخرى ثمّ بدأ التّراسل بينهما منذ يوم 12 يونيو 1990، غاية.2003 

يخبرنا عبد الرحمن منيف عن اقتراب موعد صدور كتابه حول مروان قصاب ”مروان قصاب باشي: رحلة الحياة والفن”(1996) وإخراجه إلى القارئ. حضر باستمرار هاجس النّقاش حول مشروع هذا الكتاب عبر رسائل، قاربت مضامينها تفاصيل الكتاب وطباعته وإخراجه في أحسن حلّة وأفضل صيغة، وكذا انتهائه أخيرا من تدبيج فصول دراسته عن الكاتب والمناضل التقدّمي محمد الباهي تحت عنوان:”عروة الزمان الباهي”(1997).

أيضا، ورد الحديث عن عمله الآخر ”لوعة الغياب ”(1998) مرثيته حول مجموعة من الأصدقاء الرّاحلين: سعد الله ونوس، جبرا إبراهيم جبرا، محمد الجواهري، غائب طعمة فرمان، نزار قباني، جميل حتمل، محمد الباهي، إميل حبيبي، حليم بركات، يوسف فتح الله، حسين مروة، إضافة إلى الشاعر الاسباني لوركا، والكاتب البوسني إيفو أندريتش :”مايكاد الموت يختطف واحدا من المبدعين، وبعد كلمات الرثاء التي تشبه بعضها تماما، وما إن يمر وقت قصير، حتى يُنسى ذلك المبدع، ويغرق أكثر في التراب، في الوقت الذي يجب أن يكون الموت مناسبة لقراءة هذا المبدع قراءة موضوعية، وإعطائه المنزلة التي يستحقها، ويكون وإبداعه لبنة في البناء الذي يكون الذاكرة” (31).

  هناك إشارة بدت عابرة من الوهلة الأولى، لكنّها في غاية الدّلالة من أجل فهم طبيع  شخصية منيف ومدى حميمة علاقته بعالم الكتابة ومستويات شغفه الاستثنائي، بحيث فكّر في استئجار منزل في الجبل قصد التفرّغ للكتابة : ”لم أستطع أن أكتب طوال الفترة الماضية، فقد كان غياب سعد الله، رغم أنه متوقع، قاسيا ومؤلما.كنت قريبا منه في الأيام الأخيرة، وكنت أراه يبتعد لحظة بعد أخرى، إلى أن انطفأ…منذ يوم مغادرته وأنا شديد الحزن، و رغم أني ذهبت إلى بيروت وقضيت هناك أسبوعين، إلا أني لم أتعاف بعد، ولكن سأحاول، وسأعود مجددا للرواية…غدا سأذهب إلى طرطوس، إذ ربما استأجرت بيتا في الجبل من أجل التفرغ للكتابة”(32).المقصود هنا، رواية ”أرض السواد”، مشتكيا من العمل المضني والشاقّ الذي يقتضيه هذا النصّ وفي الآن ذاته مؤكّدا رغبته كي يشتغل بشكل متواصل  وتطلّعه إلى رحلة صيد طويلة بغاية الاسترخاء، حين الانتهاء من فصول هذه الرواية : ”قطعت شوطا إضافيا في ”أرض السواد”، لكن لايزال بيني وبين النهاية شوط كبير، ولو تملكت الوقت الذي أريد لسار العمل بوتيرة أفضل، لكن مقال من هنا، ومقدمة من هناك، وانشغالات صغيرة أخرى كثيرة تحول دون الإقلاع بالسرعة التي أريد.سأحاول، المهم أن ينجز العمل بشكل جيد، ولايهم التوقيت، ومع ذلك سأبذل جهدي… وصلت قبل أيام إلى بيروت، في محاولة لأن أبقى أطول فترة ممكنة من أجل العمل بشكل متواصل على ”أرض السواد” عليّ أن أنجزها أو أنجز القسم الأكبر منها، خاصة بعد أن طال بعدي عنها وانشغلت بأمور ثانوية وأسفار عدة”(33).بعد فترة الاستراحة من متاهات ودروب “أرض السواد”،والانتهاء من ”البيات الشتوي ” حسب عبارة منيف ثمّ استعادة النّفَس، ينتقل منيف إلى أحاديث مختلفة ومن نوع آخر، اختار لها عنوان ”الرسائل الجديدة لإخوان الصفا” : ”كتبت رسالتين، حتى الآن، الأولى :”لبنوشيه” والثانية”لغورباتشوف”، ولدي الكثير لأكتبه …قبل أيام وجهت رسالة مفتوحة جديدة من رسائل إخوان الصفا،وكانت هذه المرة موجهة إلى الألماني”هانس فون سبونيك”،المنسق العام للشؤون الإنسانية في العراق، بعد أن قدم استقالته، والمساعدة الألمانية التي تعاونه، احتجاجا على مشاهده من مآسي في العراق”(34).لكن بعد مضي فترة زمنية، يعود شغف الرواية ثانية. يقول منيف : ”لدي رغبة، أن أكتب رواية جديدة، ليس لدي هناك فكرة ثابتة ووحيدة، لدي عدة أفكار لكن لم أستقر بعد على واحدة.ربما من خلال حوارنا تتبلور واحدة منها، فلنأمل ولنجرب، وسوف نحصد ما سنزرع”(35).    

كما أظهر منيف مشاعر الاستياء جرّاء حالة الرّكود الثّقافية التي يعيشها الوطن العربي،وحضور هاجس الخوف من خيانة هزيمة الجسد وعجزه خلال لحظة معينة عن مواكبة اندفاع الأفكار والتطلّعات :”أفكارنا أكبر من أجسادنا، وهذه الأفكار هي التي ترهقنا بالدرجة الأولى، لأننا اخترنا أوعر الطرق وأكثرها صعوبة، لكنها الأجمل والأبقى، وحتى الأجساد يمكن أن نعيد صناعتها بشكل جديد، على الأقل في بعض الجوانب، كي تخدمنا لأطول فترة ممكنة.يمكن أن نضع لها ”نص نعل” يمكن أن نرثيها، ويمكن أن نصلّيها أيضا، بأن نقول لها : اصمدي، احتملي أكثر، لأن المشوار أمامنا لايزال طويلا”(36) ،”سوف أسافر إلى عمان قبل نهاية شباط لإجراء فحوص، إني أشعر بنوع من التعب، الأمر الذي يستوجب مراجعة الطبيب الذي أجرى لي العملية.أما الحساسية التي تخلصت منها خلال السنتين الماضيتين، وبعدما رأينا الطبيبة وزوجها في بيروت، فقد عاودتني من جديد، الأمر الذي يجعلني أطلب منك سؤالها من جديد، لعلها تصف لي علاجا حلا، وأنت تعرف كم تزعج مثل هذه الحساسية، فافعل ذلك لأجلي جزاء الله خيرا”(37). يحاول منيف ترويض جسده على المكابرة: ”بعد حفلة المرض الجديدة أحاول تعديل مزاجي،الأمر يحتاج إلى بعض الوقت، لكني سأجتاز هذه المرحلة المملة، والتي لاتخلو من قسوة وعبث، خاصة وأن سيادتي وأمور الصحة على طرفي نقيض، أي لاأعير الأمر مايستحقه، مما يضطرني لدفع الثمن متأخرا، علاوة على الجهل وما يترتب عليه من نتائج.لكن هذه المرة أريد أن أعبر المضيق بسرعة لكي أتفرغ لبعض الأعمال التي يمكن أن تخلق توازنا جديدا”(38).      

يقتفي القارئ مع بعض رسائل مروان قصاب باشي، أخبارا ثقافية عن معرض ألمانيا تحديدا فرانكفورت وكذا التّفكير في معرض دمشق،وارتباطه بالكتاب والمعارض بداية العام الجديد :”أشعر الآن بوطأة العام المنصرم وكل ماأتى به من خير وخيبات.لقد ذكرت لك عن اضطرابي وفوضى مشاعري بعد زيارتي للوطن ثم العودة ومحاولتي أن أعتصم بالرسم لأجد نفسي واطمئناني.لقد كثرت زياراتي للوطن وارتباطي بالكتاب والمعارض”(39)، ومشروع تنظيم معرض للغرافيك في باريس.ويكشف عن أجواء مرسمه باحثا عن إبداع عوالم فسحة اللّون وهواء الشّكل:”إنّ الرسم هو المركز في حياتي وتصرفاتي،فإذا كان سعيي موفقا، وأقصد بالتوفيق تلك الشهوة في العمل اليومي مع ألوان الزيت أو المائي رغم المناعة المعتادة، شعرت بالحماس والانفتاح لكل الشيء مع التوازن والأمل. وإذا توارت الشهوة بعض الأيام والأسابيع، فقدت حماسي وفقدن توازني وعمّ قلبي حزن عميق”(40). وإذا رغب في التحوّل وجهة الكتابة خلال فترات معينة،فلا بدّ أن ينطلق من نوعية أطروحات صديقه منيف :”يجب أن تكتب نصوصا لها معنى لها بعد، ويجب أن تكتب هذه النصوص بطريقة جديدة، في محاولة لأن تحرك هذا المستنقع الذي تعود عادات سيئة.فكر بالأمر اكتب لي وسوف أرسم لك”(41)،”الفن ياعزيزي مروان، حوار دائم، حوار قلق، وأيضا همّ مقيم، فإذا لم يتوفر القلق، ولم يتحرك ذلك الهمّ، فإن الأمور ستبقى تدور على محور صدئ”(42)،”أن تكون أقوى.أقول هذا لك لكي أقول ذلك لنفسي.لدي،لدينا الكثير لنفعله، لكن لا أعرف هل نستطيع أم لا؟ إنه سؤال التحدي والانتظار، وآمل أن لاتسبقنا الأيام” (43”يفترض من يرسم، نظرا لعدم وصول رسالته، أن الكلمة أكثر تعبيرا، وأقوى من اللون في التعبير، لكن ماذا تتصور حين ترى الكلمات أصبحت مثل العاهرات في الطرق الجانبية، كل واحدة قادرة أن تقنع الزبون أنها الأفضل…وحبذا لو أستطيع أن أرسم”(44).

يكشف مروان قصاب باشي عن لبنات احتمال إنشاء متحف فلسطين بتمويل من طرف معهد غوته الألماني:” ذكرت لك بأني سأعرض في رام الله في مطلع نيسان القادم وذكرت لك بأن المعرض سيكون هدية مني لمركز السكاكيني وجامعة بير زيت وفي المستقبل ربما نواة لمتحف فلسطين أي أن المعرض ليس معرضا عاديا وإنما هو دعم لبنات وأولاد فلسطين وظاهرة تحدي في إمكانية إبداعنا الفكري والفني وتظاهرة إذا أحسنت الاستفادة منها ضد المغتصب ومن يسير معه. إن اتصالاتي قائمة مع ”تانيا ناصر” و”عادلة العايدي” المسؤولة عن المركز إلى جانب معهد غوته الذي سيموّل المشروع أو بعضا منه” (45)، ويعلن عن مشروع شعري-فنّي بالاشتغال على مجموعة قصائد لمحمود درويش، كما نأخذ خبرا بحضور أدونيس إلى مدينة برلين، لتقديم أمسية بمناسبة ترجمة كتابه ”أغاني مهيار الدمشقي”إلى الألمانية.

يبدي مروان قصاب باشي حماسته نحو فكرة اقترحها عليه منيف خلال إحدى زياراته لدمشق، مفادها إنجاز عمل مشترك حول المدينة، عنوانه ”بستان هشام”:يفرحني بستان هشام ويفرحني نقله معك من دمشق إلى برلين. وضعت بعض السطور منذ أشهر ووجدتها الآن. تحمست لذلك ووضعت بعض السطور الجديدة، لاحظت أن ما أكتبه يتعلق بالنور، نور دمشق الذي لازم حلمي وحياتي بفرح عميق وغريب”(46). تنبغي الإشارة، بأنّ مختلف أغلفة كتب وروايات منيف تخيّلتها الذّائقة الجمالية لمروان قصاب باشي. على سبيل الذّكر، قوله في رسالة (09- 11- 2002) : ”لقد اخترت هذه المرة لأجزاء مدن الملح الخمسة خلفية واحدة بلون العاج تقريبا واخترت معها خمسة مناظر(صحراوية)الأول منها فيه الأزرق والأصفر والأخضر كناية عن طبيعة المشهد وسير الحياة ثم تغيرت هذه المناظر تباعا فكان الثاني ضبابيا والثالث وهكذا حتى سماء النار والخراب وهروب الأوكسجين وآثار الحياة ”(47).      

تلحّ باستمرار على منيف ذكرى جبرا إبراهيم جبرا :”قبل أيام مرت سنتان على وفاة جبرا،لم أستطع أن أكتب، كنتُ حزينا ومحبطا، وتركتُ ”المناسبة”، تصور ماأقسى هذه الكلمة الأخيرة، تمر دون أن أكتب.أشعر بتأنيب الضمير وبالخواء،وأيضا بتجاوز المناسبات كي أكتب إليه، عنه، عن أيامنا معا”(48)،”في فترة الاستراحة بين الفقرة الأولى والثانية لأرض السواد، أنجزت كتابة مقال عن جبرا، خاصة عن كتابه شارع الأميرات، وهذا المقال سيكون مقدمة للكتاب وهو سيرة ذاتية عن اقامته في العراق، ويتناول الفترة الأولى-1951 1952،الكتاب جميل وجريء”(49) .

في غضون أجواء ذلك، جاء رحيل صديقهما المشترك سعد الله ونوس وقسوة غيابه المفاجئ والمؤلم، تقول بهذا الصدد إحدى رسائل مروان قصاب: ” لكني لاأعتقد أن سعد الله قد مات لأن حروفه وماجاء به من فكر وشعر وتجديد مع العالمية والحقيقة جاء به من أعماق القاع والجذور، صرخة فيها التهذيب والالتزام وفيها صوتنا نحن أبناء الجزيرة أينما نلتفت إلى داخلنا حيث الفرح والألم والشعور الملحّ بالإبداع. إنّنا نكمّل بعضنا وقد ذهب السيد اليوم بعد أن كشف عن جرحه الذي هو جرحنا وأعطى صرخته التي نحن منها وترك خدوشه (وخربشته)إشارة لإمكانياتنا نحن المتبعثرون بعيدا وقريبا في ممالك الأرض. وكما تقول دائما، إنّ الكلمة هي السلاح وقد كان سعد الله فذا” (50). 

يضيف منيف في رسالة تالية: ”لقد كانت هذه السنة، التي نودعها الآن، ثقيلة أكثر مما ينبغي، فقد خطفت عددا من الأصدقاء الأعزاء في دمشق والقاهرة وبغداد، ومنذ أن غادرنا سعد الله وأنا أتمنى أن تنتهي هذه السنة، أن تغرب تماما، لعل السنة التي تليها، ثم التي تجيء بعدها، تكون أرحم وأقل مشقة، هذا ماأتمناه، وعسى ولعل!”(51). يقترح إصدار عدد خاص من مجلة ”قضايا وشهادات”، حول سعد الله ونوس وكل مايتعلّق بكتاباته المسرحية، وهي المجلّة التي صدرت منها ستّة أعداد بإشراف منيف وسعد الله ونوس قبل وفاته. 

انطوت الرسائل الأخيرة على نبرة تشاؤمية واضحة،وبدا حقيقة سواء صوت الرّوائي والفنّان مخنوقا ومبحوحا وأقلّ انطلاقا بحكم معطيات الوضع العام مع تراجع أفق الانتظار.يقول مروان قصاب:” مرت الأيام وحالي في مد وجزر وكنت قد عودت نفسي أن أبتسم قبل النوم -هذا إن استطعت النوم الذي أصبح عذابا أخاف منه- وأقول لنفسي غدا سيشرق صباح جديد ونور جديد وهذا شيء أنيس، علي أن أفرح به كطفل يعانق ألعاب الغد قبل أن يذهب مع دروب الليل…أحلم بأن أكنّ إلى نفسي ووقتي باقتصاد يناسب الموقع الجديد الذي أدخل إليه اليوم أو ربما منذ زمن.أحنّ إلى الهدوء وتحلم عيناي بالقرية والواحة والنهر وليس نادرا ماأقول لنفسي لماذا لاأذهب معك إلى إحدى قرى الفرات أو مدنه لنبقى أسبوعا أو أكثر،نخلط الماضي بالحاضر ونحلم مع الأفق البعيد ونحن جزء من النسيم والتراب واللون”(52)،وتكتسي هذه النّبرة التّشاؤمية بُعدا وجوديا :”أجلس لوحدي مع الزنبق وقطعة خبز وكأس خمرة. إن أسوأ الممثلين على مسرح الحياة هم الناس، كل يحاول أن يقدم دورا. دور باهت لايجاوز العادة… يقولون ويتبجحون بأشياء لاتعادل حقيقة موت دودة في دورات الأرض ثم يذهبون إلى الفراش الخاوي مع أحلام لاتعادل انقراض الدودة في مخابئ التراب لتحيا الأرض من جديد.ليحيا الدود لأنه فوق انحطاط البشر وضحالة الأيام”(53).يجيبه منيف : ”في هذا الجو الملبد بالهموم والاحتمالات الخطرة لاأعرف كيف أكتب إليك،إذ أن النفس مليئة بالشجن والكثير من القرف، خاصة من وضع عربي لاتحسد عليه، فكل شيء يوحي بالانحطاط والعجز وأنانية الحكام وخوفهم، وبالتالي انسداد الأفق بحيث لايعرف ماذا يمكن أن يحصل غدا أو ماهي الخطوة التالية…أكتب هذه الرسالة السريعة فقط لكي أقول لك أنني مازلت حيا،وأن لدي رغبات واحتمالات، وربما استطعت أن أترجم بعضها إلى كائنات حية”(54).

في النهاية اختزلت عبارات لمروان قصاب، جلّ الأبعاد التي أضمرتها صفحات هذه الرسائل : ”سوف أتصل بك قريبا، واليوم أقول لكم أني أحبكم وغدا وحتى…سألني شخص لايخلو من بساطة وبلادة فيما إذا كانت صداقتنا مستمرة! فقلت له : وسوف تزداد بعد الموت وفي لقائنا في برزخ النور وفسحات الضوء الكونية.جميل. أقبّلكم”(55).     

هوامش: 

(1) عبد الرحمن منيف ومروان قصاب باشي : في أدب الصداقة،تقديم فواز طرابلسي،الطبعة الأولى 2012 ،المؤسسة العربية للدراسات والنشر،دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع. 

(2) نفسه،ص 6 -7 

(3) نفسه، ص

(4)نفسه، ص 13

(5) نفسه، ص 56

(6) نفسه، ص16- 17

(7)نفسه، ص 46

(8) نفسه، ص 52

(9) نفسه، ص 52

(10)نفسه ص.128

(11) نفسه ص309

(12) نفسه ص321

(13) نفسه ص38

(14) نفسه ص62

(15) نفسه ص335

(16) نفسه ص85

(17) نفسه ص400

(18) نفسه ص88

(19) نفسه ص311

(20) نفسه ص91

 (21) نفسه ص206

(22) نفسه ص ص 268 -383

(23) نفسه ص401

 (24) نفسه ص102

(25) نفسه ص136

(26) نفسه ص131

(27) نفسه ص108

(28) نفسه ص117

(29) نفسه ص ص314 -315

(30) نفسه ص44

(31)عبد الرحمن منيف : لوعة الغياب. المؤسسة العربية للدراسات والنشر والتوزيع. 2005.ص 9

(32) عبد الرحمن منيف ومروان قصاب باشي : في أدب الصداقة.ص 171

(33)نفسه ص 227

(34) نفسه ص ص 259- 303

(35) نفسه ص375

 (36) نفسه ص301

(37) نفسه ص339

(38) نفسه ص348

(39) نفسه ص105

(40) نفسه ص317

(41) نفسه ص164

 (42) نفسه ص145

(43) نفسه ص260

(44) نفسه ص272- 274

(45) نفسه ص181

(46) نفسه ص293

 (47)نفسه ص ص370  -371

(48) نفسه ص146

(49) نفسه ص244

(50) نفسه ص173

(51) نفسه ص196

(52) نفسه ص353

(53) نفسه ص385

(54) نفسه ص387

(55) نفسه ص357

  

  

شاهد أيضاً

حضارة معاقة

حضارة معاقة قراءة :  حواس محمود     يتناول المفكر ابراهيم البليهي في كتابه ”  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *