حضارة معاقة

حضارة معاقة

قراءة :  حواس محمود  

 

يتناول المفكر ابراهيم البليهي في كتابه ”  حضارة معاقة .. إمكانات هائلة تدار بحكمة هزيلة وإستغراق في صراع البقاء  ” عدة موضوعات فكرية هامة محورها الأساس هو أنّ الإنسان كائن تلقائي ولا عقلاني ، إذ أنّه يتكون فكرياً عبر الاكتساب والتلقي من البيئة الاجتماعية المحيطة ، ويتبرمج على نمط هذه البيئة من الصغر وحتى الكبر ، ونادراً ما ينفذ من الدائرة الاجتماعية المحيطة فكرياً ، وأنّ العلوم لا تساهم في تغيير العقلية التي تربّى عليها الكائن البشري رغم تطور وتقدم منطلقات ومبادئ هذه العلوم ووسائلها وأساليبها العقلانية ، ذلك أنّ الإنسان بتلقيه للتعليم والعلوم المدرسية والجامعية فهو يهدف إلى وظيفة أو عمل ما ، وليس من أجل المعرفة كمعرفة يطور بها نفسه ومجتمعه ، وتظل مقومات البقاء تستنزف إهتمامه ووقته وطاقته .

في الفصل الأول الموسوم ب ” الجهل البنيوي يتحكم بالعقل البشري ” يشير المؤلف إلى أنّ فهم الطبيعة الذي توصل إليه قلة من الأفراد النوابغ ، قد أتاح للبشرية أنْ تنتج من الوسائل ما لا مزيد عليه في الوفرة والتنوع والفاعلية والإبداع ، لكنّ العلم قد جاء متأخراً جداً ، فلم تكن عقول البشر فارغة لاستقبال اكتشافات العلوم ، بل كانت مشحونة بما تراكم خلال القرون دون أي تمحيص ، ولهذا السبب عورض بقوة كل الإكتشافات العلمية فقد عورض كوبرنيكوس وجاليلو وتم إحراق جوردانو برونو وغيره ،  وعورض داروين بقوة وإضطر المفكرون الأوروبيون أن يهجروا أوطانهم ويلجؤوا إلى هولندا الأقل إنغلاقا ، فالإنسانية لم تشعر بنقص في معارفها لتنتظر ظهور العلوم ، بل كانت مكتفية إلى درجة الإغلاق ،بما تتوارثه عن أسلافها من أنساق ثقافية ، فجاءت  الاكتشافات عبر أفراد ونوابغ انفكوا من أسر الأنساق الثقافية السائدة ، وفكروا خارج المألوف ، وتحركوا عكس التيار وحورب جميعم ، ألاّ أنّه مع مرور الوقت تسربت أفكار العلوم الى أعداد كبيرة من الناس واتسعت الدائرة ،وجاءت مغامرة كولومبس وفاسكو دي غاما وإكتشافات نيوتن ثم الثورة الصناعية ، ثم قيام الثورة الأمريكية ، وظهرت على العالم بإبتكار نمط جديد للدولة ، ثم قامت الثورة الفرنسية ، فأحدثت آثاراً عميقة على أوروبا كلها .

ويرى المؤلف ان الأنساق الثقافية المتنافرة التي تتحكم بالأمم ، قد تكونت تلقائياً من عصور سحيقة ، فاحتلت عقول البشر إحتلالا مستحكما ، إنها لم تتعرض من داخلها لأية غربلة ، فهي تتكون من ركام من الأوهام والرؤى التلقائية القائمة على التخمينات والتصورات الخاطئة السابقة للعلوم ، إلا أنّ العلوم قد غفلت غفلة مطبقة عن هذا الركام الذي تكون به جهل بنيوي ، تراكم خلال القرون قبل ظهور العلوم ، حيث يحتل كل العقول  من كل الأمم ويتحكم بكل العواطف ، ويحدد الاتجاهات ، ويضع عوائق صلدة أمام التآخي الانساني ، ويقيم الأسوار والخنادق العازلة بين الأمم ، ويذيب كل الأفراد في التيارات الجماعية المتنافرة ، التي تطبعوا تلقائيا بأنساقها الثقافية والمتضادة  ص 23- ص 24

وفي الفصل الثاني ” تعليم للخدمة والإنتاج وليس للفكر والوعي والأخلاق ”  يقول المؤلف أنّه من  أهم أسباب ضآلة نتائج التعليم في كل العالم أنّ الدارسين يلتحقون بالتعليم اضطراراً ، وليس من دافع تلقائي ، باعتبار أنّ الإنسان كائن تلقائي ، إنّ قابلياته لا تستجيب للارغام ، لهذا كان قادة الفكر من ذوي الإهتمام التلقائي القوي المستغرب ، أما التعلم عن طريق الالزام أو الاضطرار فهو ذو نتائج ضحلة أو عقيمة ، والخلل بحسب المؤلف يكمن في أنّ التعليم بتركيزه الشديد على ربط الدارسين بتاريخ الامة التي ينتمون اليها ، وترسيخ ما تطبعوا به من نسقها الثقافي وبناء الولاء العميق للسائد في المجتمع وتهيئة الدارسين للخدمة في مختلف التخصصات ، وهي تخصصات في معظم الأحوال لا يوجد بينها أية روابط ، فهي منفصل بعضها عن بعض انفصالاً تاماً ، فلا يوجد ما هو مشترك معرفيا ومهنيا بين المحاسب والطيار ، ولا بين الطبيب والمهندس ، إذْ أنّ التخصصات  قد ربطت الدارسين بالإحتياجات الاقتصادية والخدمية ، والعسكرية والبيولوجية ، ودفعتهم بأن يركزوا إهتمامهم بمتطلبات البقاء .  ص 114

ويؤكد المؤلف على حقيقة مفادها أنّ العلم ليس معلومات ، بل هو تصحيح  تصورات ، إنّ  حشو الأذهان في مختلف مراحل التعليم ( التعليم البنكي ) بمختلف المعلومات عن الفيزياء والكيمياء ، والرياضيات والأحياء وغيرها من علوم العصر ، لا يعني تصحيح البنية الذهنية القاعدية التي تكونت لكل شخص قبل التحاقه بالتعليم  .ص 143

وفي الفصل الثالث الذي بعنوان  ” مكتسبات نوعية تميزت بها الحضارة المعاصرة ” يجري المفكر البليهي مقارنة بين الحضارات القديمة والحضارة المعاصرة ، إذْ يبين أنّه كانت الحياة البشرية في الحضارات القديمة تقدس الماضي وتنتقص الحاضر ، وكان المستقبل يأتي بالأسوأ ولا يعد بأي أمل في هذه الدنيا ، وكان العدوان والفقر والأمراض والاوبئة تتقاسم حياة الناس ، وكانت الحياة تكراراً ثقيلاً خانعاً ، إذْ أنّ الأنساق الثقافية آنذاك كانت تعطل الخيال وتقاوم الإبداع ولا تتقبل الخروج عما هو سائد ومألوف ، أما الحضارة المعاصرة فقد كانت ثورة ضد كل ذلك التحجر والأملاق ، فهي منذ بدايتها قد جاءت على هيئة إنفجار مزلزل ، فقد أشعلت خيال الأوروبيين وأججت رغبتهم في الكشف حين نجحت مغامرة كولومبس باكتشاف دنيا جديدة ، لقد كانت الحضارة المعاصرة منذ فجرها العملي المغامر ثورة على الرتابة والهاباً للخيال وكسر المألوف وإبراز ما لم يكن معروفاً من قبل ، وبالرغم من أنّ بداياتها كانت مجرد مغامرات عملية الا أنّ تاثيرها السيكولوجي في التطلع الى الاختراق والتعرف على المجهول والاندفاع الى الريادة ، والرغبة العارمة في التجاوز كان لذلك كله تأثير قوي على طريقة التفكير ، فتغيرت الرؤية الى الوجود ، وبعد أن كشفت  المغامرات العملية قارات جديدة وتعرفت على عوالم جديدة بزغ العلم بكل جرأته ليضيئ مسيرة الحضارة ويؤسس لتقدم متواصل على كل الجبهات . ص 205

وفي الفصل الرابع والأخير المعنون ب ” إختلاف نوعي بين المعرفة النظرية والأداء العملي ” يؤكد  البليهي على أنّ المعرفة العملية هي التي تفتح آفاق التقدم وليس التنظير والتجريد ، إذ أنّ التاريخ الانساني بدأ بالعمل وظل معتمداً على الممارسة والخبرة الموروثة والمباشرة خلال أطول مدة عاشها الإنسان على هذه الأرض ، ومكتفياً بها ، أمّا القفز الخارق إلى مستوى التجريد فهو ليس أكثر من ومضات فردية خارقة ، باعتبار أنّ الأدوات التي إخترعها الإنسان قد نشأت عن العمل ، على مبدأ ” الحاجة أم الاختراع “. ص 299

هامش أساسي : الكتاب صادر عن إبن النديم للنشر والتوزيع  وهران – الجزائر  ، دار الروافد الثقافية – ناشرون – الشارقة – بيروت ، ط1 2023

……………………………………………………………………………….

شاهد أيضاً

( كيف تمسك أرنبا) للأديب الأردني القيسي: عمق الفكرة ومتعة السرد

( كيف تمسك أرنبا) للأديب الأردني القيسي: عمق الفكرة ومتعة السرد هناء عبيد   كيف تمسك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *