مهرجان جرش وسؤال الشرعية الثقافية
يحيى أبو صافي
ليست أزمة الشعر العربي في ندرة الشعراء، ولا في غياب المهرجانات، ولا في محدودية الإنفاق على الثقافة. فالمشهد العربي يعج اليوم بالشعر، وبالشعراء، والمهرجانات والجوائز والمنابر والاحتفاليات، ومع ذلك تتسع المسافة بين القصيدة والجمهور، بين القصة والقارئ، بين المسرح والمشاهد، بالتالي بين القيمة والاعتراف، وبين التاريخ الأدبي والنجومية العابرة. هذه المفارقة لا تكشف أزمة الشعر والسرد بقدر ما تكشف أزمة المؤسسة التي يفترض بها أن تحرسه.
من هنا لا يعود السؤال: لماذا تراجعت جودة بعض الأمسيات الشعرية والملتقيات السريدة؟ بل: كيف أصبحت الرداءة قادرة على الوصول إلى المنصة؟ فالمشكلة ليست في وجود نصوص ضعيفة؛ لقد قدمت في ملتقى السرد على هامش مهرجان جرش أوراق عمل، وندوات في غاية الأهمية، مع ملاحظة غياب الجمهور في بعض الفعاليات” مثل ندوة جرش في سياق السردية الأردنية التي تألق فيها الكاتب الروائي مفلح العدوان والدكتورة هند أبوالشعر من خلال تقديم شهادات بحثية غاية في الأهمية.. ولكن غابت تلك الفعالية في زحام التخبط الواضح في التخطيط بمواعيد الفعاليات التي تضاربت أزمنتها كذلك الضعف الواضح واللامهنية في الإعلان والدعوات لها، مما أدى إلى ندوة في غاية الأهمية ولكن بلا جمهور تقريباً.. والأوراق النقدية المهمة التي قدمت في ندوة التصوف في الرواية الأردنية التي شارك فيها الروائي يحيى القيسي، وقدمت أوراق بحث وتحليل أدبي في غاية الأهمية، وكذلك مهرجان المونودراما الذي قادت إدارته وتنظيمه الفنانة القديرة عبير عيسى، والنجاح الذي يصل لدرجة التكامل من ناحية انتقاء العروض المسرحية المحلية والعربية، والحضور اللافت لجمهور المسرح لكافة العروض.
أما على صعيد أمسيات الشعر فحدث بلا أدنى حرج، هنا يمكن القول أنه من الطيبيعي أن تاريخ الأدب لم يخلو يوماً من الضعف لا سيما في حقل الشعر، في الماضي، وفي الحاضر الذي تحكمه وتتحكم فيه وسائل التواصل الاجتماعي في تقديم وتعزيز الرداءة للأسف، ولكن من غير المفهوم إلى درجة الاستهجان أن تصبح الآليات التي تمنح هذه الرداءة شرعية الظهور، وتتسلل إلى الإدارة الثقافية المنظمة المتحكمة، بحيث تصبح هي المتهمة بإعادة إنتاج الرداءة بوصفها جزءًا طبيعيًا من المشهد الثقافي.
إن مهرجان جرش، بما يمتلكه من تاريخ يتجاوز أربعة عقود، لا يُطرح هنا بوصفه متهمًا، وإنما بوصفه نموذجًا يختزل سؤالًا أكبر يتعلق بالمؤسسة الثقافية التي تديره. فالمهرجانات الكبرى لم تكُ يوماً مجرد فعاليات احتفالية، بل هي مؤسسات تساهم في صنع الذائقة، وأصبحت تمنح الاعتراف، وتحدد – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – من يستحق أن يمثل الشعر العربي أمام جمهوره، ولذلك فإن مساءلة إخضاع معاييرها للمسألة ليست خروجًا عليها والذي ربما يُفهم من خلال إطروحتي هذه، بل أعتبره، وأرجو أن يفهم ويعتبر دفاعا عن عراقة تلك الإدارات مثل رابطة الكتاب الأردنيين، ونقابة الفنانيين، وبيوت وهيئات الثقافة المنتشرة في عمان والمحافظات، لأن المؤسسات العريقة، تُقاس بقدرتها على حماية المعيار الذي أنشئت من أجله وهو جودة المنتج الثقافي الخاص، وصولاً إلى حُسن ورُقي المشهد الثقافي الأردني العام.
كان الناقد الإنجليزي ماثيو أرنولد يرى أن الشعر هو “القدرة على خلق الجمال، والشجاعة في نقد الحياة”ورأى ت. س. إليوت أن “التقليد الأدبي لا يُورث، بل يُكتسب بالمعرفة والموهبة” بينما اعتبر هارولد بلوم “أن الزمن هو الناقد الأكبر، وأن الأدب الحقيقي هو ما ينجو من اختباراته”. ما يجمع هذه الرؤى جميعًا هو أن القيمة الأدبية لا تُصنع إداريًا، ولا تُمنح بقرار لجنة، وإنما تكتشفها المؤسسات وتحرسها وترعى مبدعيها الحقيقيين. فالرواية الخالدة لا تكتسب أهميتها من خلال الجوائز، ولا من خلال تكريم ودعوة راويها لمهرجان أو ملتقى، وإنما تكتسب أهميتها بتفردها، وتألقها، ونجاتها من الغرق في سيل النشر، وهدير الأعمال الأدبية الرديئة، ولا تكتسب القصيدة عظمتها لأنها اعتلت منصة مرموقة، فما أكثر ما اعتلت الرداءة منصات الشعر لابسة عباءة الشعر لأغراض الترضية والعلاقات العامة الفاسدة، المفسدة، فالقصيدة تعتلي المنصة لأنها تستحقها، ويُستحق الاحتفاء بصاحبها، غير أن هذه المعادلة تنقلب حين تتحول المؤسسة من حارس للمعيار إلى منتج للشرعية. عندئذ لا يعود همها الأول اكتشاف أفضل النصوص، بل إدارة الحقل الثقافي بما يضمن استقراره، وتوازناته المائعة، وشبكة علاقاته ” المايعة”. ويتراجع سؤال الجودة أمام سؤال آخر أكثر إلحاحًا: كيف يمكن إرضاء أكبر عدد من الفاعلين الثقافيين؟
هنا تبدأ الأزمة:
الثقافة لا تشبه بأي حال من الأحوال النشاط السياسي، فهي لا تعمل بمنطق المحاصصة، ولا بمنطق التمثيل العددي، ولا بمنطق توزيع الفرص بالتساوي. وتكمن وظيفتها الجوهرية في “التمييز” أي القدرة على الفصل بين ما يضيف إلى الذاكرة الأدبية وما يمر بها مرورًا عابرًا. والتمييز ليس امتيازًا، ولا إقصاءً، بل هو الشرط الذي يحفظ للثقافة معناها، وحين تتخلى المؤسسة عن هذه الوظيفة بدعوى الشمول أو العدالة، فإنها لا تصبح أكثر عدلًا، بل أكثر التباسًا، لأن العدالة الثقافية لا تعني مساواة النصوص، وإنما مساواة أصحابها أمام معيار واحد، معلن، ومستقل عن العلاقات والمجاملات والمصالح.. معيار تراكم الجودة، وتراكم المنتج الثقافي الذي يفضي لمشهد ثقافي صالح وراسخ في ذاكرة المتلقي/ القارئ/ الجمهور/ الوطن.
في كتابهه “نظام التفاهة”، يذهب الفيلسوف الكندي آلان دونو إلى أن أخطر ما في التفاهة ليس وجودها، بل تحولها إلى نظام تتبناه الإدارة منهجاً. فالتفاهة ليست صفة أشخاص، وإنما خاصية مؤسسات تكافئ القابلية للتكيف أكثر مما تكافئ التميز، وتفضل من لا يربك بنيتها على من يمتلك القدرة على مساءلتها. وهي لا تستبعد المبدعين بالضرورة، لكنها تجعل حضورهم استثناءً، بينما يصبح حضور المتوسطين ” النص كم/ الأيّ كلام” هو القاعدة.
غير أن المشهد الثقافي العربي يضيف إلى أطروحة دونو بعدًا آخر؛ فالمشكلة لم تعد في تسلل أنصاف الموهوبين إلى المنصات، بل في أن المؤسسة نفسها أصبحت، أحيانًا، تعيد إنتاجهم، وتمنحهم الرأسمال الرمزي الذي لم تمنحه لهم التجربة الأدبية. وهنا يغدو السؤال الحقيقي: هل يصل الشاعر إلى المنصة لأنه أنجز تجربة تستحق الاعتراف، أم أن المنصة هي التي تمنحه الاعتراف الذي لم يكتسبه بعد؟
هذا السؤال هو نفسه الذي شغل عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو عندما تحدث عن الرأسمال الثقافي والرأسمال الرمزي. فالمؤسسات الثقافية لا تكتفي بعكس القيمة، بل تساهم في صناعتها. والجوائز، والمهرجانات، ولجان الاختيار، ليست أدوات محايدة، بل آليات لإنتاج الشرعية الأدبية. لذلك فإن الوقوف على منصة مهرجان عريق لا يضيف سطرًا إلى السيرة الذاتية فحسب، بل يضيف سلطة رمزية قد تسبق أحيانًا القيمة الفنية نفسها، فتغدو المؤسسة منتجة للاعتراف بدل أن تكون شاهدة عليه.
ومن هنا يمكن فهم التحول الذي أصاب كثيرًا من المهرجانات العربية؛ إذ انتقل الاهتمام تدريجيًا من “النوع” إلى “الكم”.. فلم يعد النجاح يقاس بجودة النصوص، بل بأهمية الجوائز وارتفاع قيمتها” كتارا والبوكر نماذج” وأحيانا بعدد المشاركين، وتنوع الجنسيات، وكثافة البرنامج، واتساع قائمة المدعوين للمهرجانات. ومع الوقت، تحل إدارة التوازنات محل إدارة الجودة، ويصبح تجنب الاعتراضات أكثر أهمية من الدفاع عن المعيار، وتتحول الترضيات إلى سياسة ثقافية غير معلنة، فيغدو الحدث الثقافي ” همروجة” تشبه السيرك المرتجل.
إن أي مؤسسة ثقافية تُقاس بقدرتها الدائمة على مراجعة معاييرها، فالتاريخ يمنحها الشرعية الأولى، أما المحافظة على هذه الشرعية فتظل رهينةً بقدرتها على تجديد أدواتها، ومساءلة خياراتها، والاعتراف بأن الثقافة فعل مراجعة مستمر قبل أن تكون فعل احتفاء.
ثقافات موقع عربي لنشر الآداب والفنون والفكر يهتم بالتوجه نحو ثقافة إيجابية تنويرية جديدة ..!