تجليّات الصحراء بين عبد الرحمن منيف وبين إبراهيم الكوني

تجليّات الصحراء بين عبد الرحمن منيف وبين إبراهيم الكوني

هدى أبو غنيمة

إطلالة الرؤية

لما كان صراع الإنسان الأبدي ضد القوى الخارجة عنه محور مغامرة العيش والوجود ، فإن الكتابة أحد الشروط الملازمة لنشوء الوعي وتبلوره للإفلات عبر الكتابة والتخييل من الواقع الصارم الجاثم بثقله ، إلى فتنة العوالم الممكنة، وإعادة تشكيل الواقع وتنظيمه في موازاة الحرية، التي يؤسسها الوعي في علاقته بالعالم والمجتمع والدولة، لتكون الكتابة ثورة دائمة على التقليد والجمود والتسلط والطغيان. لذا فإن الحرية التي تنبع من داخل الفرد في شعوره بالعالم ، هي الشرط الأول لأصالة الكتابة ولكل إبداع إنساني.
يقول بطل إحدى روايات مؤنس الرزاز:
” اعلم يا عزيزي أنني جئتك كي أحررك من الرغبة في الموت بالحكاية، فارفع لي حجاب سمعك، لأقول لك قولاً كلما بان غمض، ولأصف لك عرقاً كلما سكن نبض، ولأريك ناراً كلما أطفئت اشتعلت، ولأسمعك بياناً كلما وضح أشكل ” (1)
لما كانت البنى السردية تمتلك قدرات فنية هائلة لطرح أزمات الواقع، وصراع الأيديولوجيات والتعبير عن التحولات الحضارية والاجتماعية في العالم كله، فقد أصبحت الأعمال السردية، بوصفها شكلاً ثقافياً – والرواية خصوصاً – هي الأقدر على تقديم الصوت الجماعي. وأصبحت في العالم العربي فضاء الحرية في مجتمعات تعاني أزمة حرية مفتقدة، وديمقراطية مستلبة. وتزامن تطورها النوعي مع خط الانكسار العربي. إذ كانت هزيمة الـ (1967) “هزيمة رؤية في الفكر والفن ومؤشراً لتصاعد الصراع بين الشرق والغرب، لكن نهاية الرؤية كانت بداية الجديد، وولادة الرؤية الجديدة في العالم العربي” (2)
هذه الرؤية التي أنتجت نماذج من نماذج التحرر الإبداعي، التي تسعى إلى إزاحة المركزية الأوروبية الإبداعية، وتحطيم القالب المفروض لنزعة العالمية.
جنباً إلى جنب تدافع موجات التحرر الإبداعي مع تزايد اختراق كتاب الهوامش، (إفريقيا، وأمريكا اللاتينية والهند واستراليا للفضاء الثقافي للمركز الأوروبي ـ الأمريكي ) والإلحاح على الحضور فيه بتقديم نماذج إبداعية لا تخضع لمبدأ التشابه التقليدي بل تستقطب المركزية الأوروبية الأمريكية لتقرأها متناً لا هامشاً بكل ” الحواس*” أي العلوم، البلاغة والأنثروبولوجيا، والسردية ، والفلسفة. فكانت كتابة الصحراء وتجلياتها هي الإضاءة.
إضاءة كتابة الصحراء
إذا كانت المدينة البرجوازيّة الحديثة هي التي أعطت الرواية هويتها في تصور النقد الحديث ( مثل “لوكاتش” جان إيف تادييه الذي يرى أن الرواية ترتبط بالمدينة ارتباطاً عضوياً بحيث يصير معمار الرواية هو نفسه معمار المدينة: قل لي أين تعيش ( أو أين لم تعد تعيش) أقل لك ما ستحكيه)(3)
فكيف تصبح الصحراء التي تعانق الأسطورة فضاء الرواية؟ في عصر تشعبت علومه ومعارفه وتكاثرت أزمانه؟
هل وطأة الإحساس بفقد عالم يتهدده الزوال جعل الصحراء ملاذاً علها بتمائم أرواح الأسلاف تحمي الوجود المهدد بالزوال وتضيء هويته وعالمه؟ لعل أعمال عبد الرحمن منيف و إبراهيم الكوني والكتابات العربية، التي اتخذت من الصحراء فضاء لها قد أحدثت تحولاً قوياً في الفضاءات ، التي ظل الأدب السردي متصلاً بها (مما يدعو إلى إعادة النظر في بعض الأفكار، التي اعتبرت الرواية أو القصة من الأجناس، التي لا يمكن أن تظهر إلا في المدن، وتفضيل عبارة ” كتابة الصحراء ” على عبارة ” أدب الصحراء” لأسباب أساسيّة منها أن العبارة الأولى أوسع وأشمل تشمل المعنى المادي للكتابة. وتشمل أدب الصحراء الشفوي، وهي قابلة لضم كل أشكال الكتابة القديمة، والحديثة المنتمية لأجناس الأدب المعروفة وأيضاً لأشكال جديدة تقع خارج هذه الأجناس)(4) مثل “ديوان النثر البري” لإبراهيم الكوني وهو نصوص سردية لا تنضوي تحت صنف أدبي معين ولكنها تهتم باستنطاق كائنات وفضاء الصحراء مثل الرياح والمطر، والسيل، والصخور، والضباب بنوع من الوجد الصوفي: وتجليات الكشف ” في البداية كانت لغة الآباء والأجداد مكتوبة بلغة سماوية سرّية، ذلك أنها رموز مستعارة من لغة الآلهة. ومن هنا فقد احتكرها الثالوث المقدس الكهنة، والسحرة، والعرافون وكتابة الصحراء بهذا المعنى المادي قد يكون لها مفعول أكبر وأخطر، فقد اقترنت لحظات الموت والميلاد بالنقوش والكتابات القديمة. الكتابة رموز ماديّة غامضة تنطوي على قوة خفيّة مدمرة تقتل وتميت،ولكنها قد تضمر سراً عظيماً، وقد تبطن قوة تحي وتكون برفقة الميلاد” (5)
ترى كيف تجلت الصحراء في فنون السرد والكتابة الحديثة عند عبد الرحمن منيف وإبراهيم الكوني ضمن السياق الذي أضيئت فيه ؟ سياق أزمة أسطورة التقدم والتمدن في المجتمع الغربي المعاصر، وأزمة النهوض من جديد في المجتمع العربي المعاصر بعد توالي الهزائم والفجائع والانكسارات.

المراجع :
1- انظر مؤنس الرزاز، متاهة الأعراب في ناطحات السراب ، ط المؤسسة العربية، بيروت 1986 ص157.
وانظر أيضاً دراسة أ.د. طه وادي ، الكتابة السردية وأزمات الحرية في ” الحرية والإبداع واقع وطموحات” بحوث المؤتمر العلمي السادس لكلية الآداب والفنون في جامعة فيلادلفيا 15-17 أيار 2001 . تحرير ومراجعة عز الدين المناصرة ، حسن عليان، محمد عبيد الله.
2- انظر د.غالي شكري، سوسيولوجيا النقد العربي الحديث، ص200 دار الطليعة ، بيروت ط1، 1981.
* الحواس. عبارة ” القراءة بكل الحواس لأعمال الصحراء الأدبية ” هي التعبير الذي استخدمه الناقد سعيد الغانمي في ملحمة الحدود القصوى المخيال الصحراوي في أدب إبراهيم الكوني.
3- انظر سعيد الغانمي، ملحمة الحدود القصوى المخيال الصحراوي في أدب إبراهيم الكوني ، ص 162، ط1، المركز الثقافي العربي ، المغرب ، الدار البيضاء 2000.
4- انظر تعليق حسن المؤذن مع أصدقاء الكوني على موقع أعلام من ليبيا، الكوني.
5- انظر سعيد الغانمي ، ملحمة الحدود القصوى. ص 157-158 .

تجليّات الصحراء في أدب عبد الرحمن منيف*

لابد من استذكار رؤية ابن خلدون، ونحن نطل على عالم الصحراء. إن الدول تتبلور وفقاً لقانون طبيعي ثم حين يحصل لها الملك ، يتبعه الرفه، واتساع الأحوال.
” فالحضارة إنما هي تفنن في الترف، وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه من المطابخ، والملابس والمباني، والفرش والأبنية، وسائر عوائد المنزل وأحواله.” (1)
( البداوة في رأي ابن خلدون ، إخلاص لقوانين الطبيعة التي لم تلوثها الحضارة، أما الحضارة فتجلب معها التنافس في القيم الكمالية الزائدة عن الضرورة ، والفائضة عن الحاجة)
كما يشترك شبنغلر مع ابن خلدون في نظرته الرثائية للنزعة الطبيعية إذ يعتقد ” أن المدنيات تشكل نهاية لا تستطيع أن تقف أمام تحققها إرادة أوعقل مع ذلك تبلغها الحضارات مرة بعد أخرى، مدفوعة بضرورة باطنية “(2)
تتجلى الصحراء في أدب عبد الرحمن منيف مكاناً متوتراً بين الماضي والحاضر، بين البداوة الراسخة وبين تحولاتها الاجتماعية بعد ظهور النفط، وتدفق الحياة المدنية.
من خلال هذا التقابل الحاد يتجلى المكان بخصائصه الجغرافية، والروحيّة، والاجتماعيّة. إنها الصحراء الجحيم والفردوس في آن معاً. الحنين والحلم ومسرح الواقع، الذي يهدد قيمها بالزوال المتمثل بمستثمر غازٍ يستثمر ثروات باطنها ويكرس التخلف مادام غير ضار بمصالحه.
يقول في مطلع رواية النهايات ” إنه القحط القحط مرة أخرى وفي موسم القحط تتغير الحياة والأشياء، وحتى البشر يتغيرون وطباعهم تتغير ، تتولد في النفوس أحزان تبدو غامضة أول الأمر ، لكن لحظات الغضب ، التي كثيراً ما تتكرر تفجرها بسرعة تجعلها معادية جموحاً، ويمكن أن تأخذ أشكالاً لا حصر لها، أما إذا مرت الغيوم عالية سريعة فحينئذ ترتفع الوجوه إلى أعلى، وقد امتلأت بنظرات الحقد والشتائم والتحدي.”(3)
” في المواسم الجديدة تخضر الطيبة، وتعبق من كل جوانبها وتمتلئ بالورود والنباتات العجيبة الألوان والأشكال في بداية الربيع حتى الجهة الجنوبية، التي تبدو أواخر الصيف متجهمة قاسية لا يعرف الإنسان ولا يستطيع أن يفسر كيف كانت تشد أهل الطيبة في بداية الربيع، لكي يذهبوا أفواجاً لالتقاط الثمار العجيبة المخبوءة في باطن الأرض، وما يخالط ذلك المهرجان من الذكريات عن أيام كانت فيها الحياة أكثر روعة وخصباً.”(4)
تتجلى الصحراء في هذين الاقتباسين بين القحط والرغد. والطيبة قرية تقع على حافة الصحراء، تمثل نقطة التقاء الوافدين من المدينة بحثاً عن الصيد، والمتعة والراحة بالقادمين من الصحراء والبداوة، وهم أصحاب المكان الذين يواجهون تحدياته الصارخة، ويتكيفون مع قسوة الطبيعة وجفاف الحياة.
الطيبة هي اسم لقرى كثيرة منتشرة على مساحة الوطن العربي كله، كما شرق المتوسط هو كل بلد. وهي بمناخها وأجوائها وأناسها، تعبر عن معاناة الإنسان العربي في تجربة الحياة المعاصرة. لقد رسم منيف جغرافيا روائية للمنطقة توازي جغرافيتها هادفاً إلى أن يرى عصره كله كيف تكوّن. فتصير جغرافية المكان مكوناً عضوياً في طبيعة الحدث. الأساس عند عبد الرحمن منيف، هو “الإقناع الفني” وليس إطلاق الأسماء الحقيقية على الأمكنة.
( ليست أسماء الأماكن مهمة، بل ما يجري في هذه الأماكن. الحالة هي الأساس هذه الحالة التي تحاول تحليل، وفهم أخطر وأشرس انقلاب وتحول في الطبيعة والناس والمجتمع) (5)
من خلال الطيبة التي تقع على حافة الصحراء كما مدن الملح المتناثرة حول الصحراء، يعبر منيف عن حالة الإنسان العربي الواقع في هوة الضياع والقلق والتمزق فهو مشدود بين وترين شديدي الحساسية والتوتر.
وكذلك ” يتجلى المكان قلقاً قلق الإنسان ذاته وروحه موزعة بين ماضيه العريق وأصالته وتشوفه للوجود الخارجي الضاغط” (6)
في “النهايات” تتجلى الصحراء طبيعة سمحاء تشوهها السلطة القاتلة، تخل بتوازنها، فتتحول إلى وجود ذبيح. ولأن الروائي يكره الكل الطاغي الذي لا يعترف بالأجزاء المستقلة “فإن صحراءه شخصية حية حرة واضحة التفاصيل ، لها مواسم من الفرح والكآبة والغضب والاعتدال كأنها مخلوق شاسع الأطراف يستفزه الأذى وينعشه الحنان فهي كيان حي جدير بالرعاية هذا التصور يعين “بطولة المكان” مقولة جمالية أيديولوجية في تصور منيف للعالم كما لو كان الراوي يؤنسن المكان. تلك الأنسنة التي جعلت الكاتب يضع في “مدن الملح” مشهداً مؤثراً عن الأشجار المتوجعة الصارخة المتضرعة، التي تجتثها الآلات، وترمي بها جانباً مديناً التقنية المتطورة التي تقلب طبيعة عذراء، وتروّع إنساناً أعزل”(7)
في رحابة الصحراء ما لا يأتلف مع مدن الحداثة الخائبة، ويكون إنسان الصحراء نقداً لإنسان سلطة ميت الملامح فحين تتحدث الرواية عن القادمين من المدينة تقول: “أولئك الأغنياء الذين يملكون “خيام الحديد” ويتحركون بتلك الطريقة كأنهم أفواج الجراد بحثاً عن الغزال.” (8)
هذه الخيام الحديدية كرمز للحداثة الهجينة، تستنفر عاصفة رملية عاتية تعبيراً عن غربة الصحراء النقية عن سلطة الرجس والدنس، التي تقود الصياد البريء إلى موت قاس، كما لو كان الذهاب إلى الموت هو شرط احتفاظ الإنسان ببراءته المهددة. ” كان عساف مدفوناً في الرمل، لم يكن يظهر إلا رأسه وفوق الرأس كان الكلب رابضاً يشكل سياجاً حول جسد عساف – خاصة رأسه – كان يحتضنه” (9)
لقد بدت “النهايات” مرثية شفافة للطبيعة الصحراء الأصل، التي تعالج مخلوقاتها (محكمة غامضة تكفل تجدد المكان وتصد عن الإنسان المجاعة وتحتقب “عقلانية فطرية” توازن القحط بالخصب وتنكر القتل وتعف عن الصيد) (10)
يتوسع أفق هذه الرؤية في مدن الملح لتواجه بسخرية لاذعة أو بإحساس فجائعي أسطورة التمدن والتحضر بعد اكتشاف ذهب الأزمنة الحديثة النفط.
“فجأة وسط الصحراء القاسية تنبثق هذه البقعة الخضراء، وكأنها انفجرت من باطن الأرض أو سقطت من السماء، فهي تختلف عن كل ما حولها أو بالأحرى ليس بينها وبين ما حولها أية صلة، حتى ليحار الإنسان وينبهر، فيندفع إلى التساؤل، ثم التعجب كيف انفجرت المياه والخضرة في مكان مثل هذا؟” (11) إنه وادي العيون . الواحة الجميلة ، التي ظللتها الأشجار، وروتها العيون في وسط هجير الصحراء القاحلة الجرداء. هذه البقعة الجميلة الحيّة وسط الصحراء “أصبحت نقطة جذب روائي للتوسع في هذه الدراميّة المكانية التي صارت في معظم روايات منيف، نقطة البداية لتحليل العناصر الأخرى” (12) بل هي تصوير لعبقرية الصحراء وأسرارها وتجلياتها الطبيعية المدهشة.. لكن سكينة المكان وأهله تتبدد مع وصول الأغراب “خلال أيام قليلة تغير كل شيء في وادي العيون البشر، والطبيعة والحيوانات، فما كاد هذا الأمريكي ورفاقه ومرافقوه، يمضون بضعة أيام، حتى وصل إلى الوادي عدد كبير من الناس بشر وأشكال وألوان لا تخطر على بال فيهم القصير المليء الأحمر الشعر، والطويل الذي يمد يده ويقطف الثمر، فيهم الأسود الذي يشبه الليل … أجسامهم تشبه الخراف المذبوحة عيونهم زرق وأشكالهم تدعو إلى الخوف والتساؤل، وجلبوا معهم أشياء لا حصر لها من الصناديق والأحمال والخيام….”(13) لقد بدا هذا الوصف نقيضاً لفتنة المكان الواحة، التي مضى في وصفها عاشق المكان الأول “متعب الهذال” إلى أقصى حدود الرؤية الزمانية المكانية.
لقد شعر أهل البادية أن هؤلاء الغراب جاءوا ليسرقوا وادي العيون، ويستولوا عليه وبأن المكان سوف ينفجر، ويخرج عليهم هؤلاء شاهرين أسلحتهم ليقتلوهم جميعاً. لا سيما أن معداتهم تحدث انفجارات تدوي فيفزع الحيوان والإنسان والطير.
تبرز الصحراء متناً يضيء الواقع يقدم في فضائه الكاتب شهادته على الحقبة النفطية، وعلاقة الشرق بالغرب الغازي، وتناقض قيم الصحراء الرمزية مع لعنة النفط الماديّة ومظاهرها التي فرضها الغرب المسيطر على الصحراء بشروطه فأنشأت كيانات زائفة متنافرة مع طبيعة المكان المحلي ومتطلباته إنها المدنيّة الزائفة نقيض أصالة الصحراء وعنفوانها المدى الصحراوي يشكل الثابت الحقيقي الأقرب إلى الرسوخ وقد انعكس بقوة على الملامح ولون البشرة، ولا يمكن أن تمحوه أو تغيّره الأبنية الحديدية،والزجاجية العالية.
في خماسيّة مدن الملح (يحضر الموروث الأدبي العربي الشفوي، والمدوّن بكثافة. وكذلك الأهازيج مما جعل لـ مدن الملح فضاء شبيهاً بالفضاء الملحمي الذي تمثل الأناشيد المؤثرة إحدى مكوناته) (14) وكذلك تظهر الحكايات والأخبار ذات الطابع الأسطوري.
إن عبد الرحمن منيف يحاول استعادة ملامح المكان الأصلية وأجوائه وموروثه العريق بعد أن تعمقت الهوة بين الماضي والحاضر، وأصبح هامشاً منسياً.
وتحول وادي العيون بعد ترحيل أهله منه إلى معسكر سيطر عليه الأمريكان لاستخراج النفط. ويطرح إمكانية التأسيس لمجتمع جديد، لا يكون فيه النفط لعنة في ظل شروط منافية للشروط التي قام عليها ذلك المجتمع في بدايته. لقد جعل منيف الصحراء متناً في مواجهة الهامش المادي ومحاولة لتحرير تاريخ المغلوب من أسر كتابة المنتصر ( أليس التاريخ هو أكبر السرديات في الخبرة الثقافية التخييلية البشرية، وهي تعيد تملك ماضيها والسيطرة عليه في ضوء ضغوطات حاضرها؟)(15) فالتقدم الجوهري قائم في القيم ولهذا لا تكون المدنية التقنية العدوانية متفوقة على عمق عالم الصحراء العريق الرمزي القيمي.

المصادر والمراجع
1- انظر ابن خلدون: المقدمة، دار الشعب، القاهرة، بلا تاريخ ص54
2- اشبنغلر، اسوالد: تدهور الحضارة الغربية، ترجمة أحمد الشيباني، دار مكتبة الحياة، بيروت 1/87.
3- عبد الرحمن منيف “النهايات” روايات الهلال. دار الهلال . العدد 452 ص13.
* عبد الرحمن منيف واحد من أعلام الرواية العربية المعاصرة ولد في عمان عام 1933 وتعلم في مدارسها ولكنه حصل على الدراسة الجامعية في بغداد والقاهرة ونال درجة الدكتوراة في العلوم الاقتصادية واقتصاد النفط من جامعة بلجراد بيوغسلافيا (1958-1971) شهد أول توقيع امتياز بترولي بين العربية السعودية والشركات الأمريكية، وعاش تلك الفترة الغنيّة بالمتغيرات السياسية وشارك فيها ناقداً ومفكراً وروائياً.
4- النهايات ص 21
5- انظر “الكاتب والمنفى” هموم وآفاق الرواية العربية. مجموعة حوارات مع عبد الرحمن منيف. ط2 منقحة 1994. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت ص22 إلى ص28.
6- انظر دراسة قطب عبد العزيز بسيوني . تجليّات المكان في روايات عبد الرحمن منيف.ص115، دورية إبداع السنة 19 أكتوبر 2001، مجلد 19، 1-10 من ص112 إلى ص123.
7- انظر دراسة فيصل درّاج ، “عبد الرحمن منيف ومساءلة التاريخ” ، دورية نزوى، فصلية ثقافية العدد 37،38 إبريل 2004 ص22 وص28.
8- النهايات، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، الطبعة العاشرة 1999، انظر أيضاً دراسة فيصل دراج السابقة ص23.
9- رواية النهايات.
10- دراسة فيصل دراج “عبد الرحمن منيف ومساءلة التاريخ” ص22.
11- مدن الملح، الجزء الأول، التيه، عبد الرحمن منيف، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط1985 بيروت.
12- انظر دراسة قطب عبد العزيز بسيوني، تجليات المكان في روايات عبد الرحمن منيف.ص119.
13- مدن الملح، التيه.
14- انظر روايات عبد الرحمن منيف من المظهر السير ذاتي إلى الشكل الملحمي. محمد رشيد ثابت، مركز النشر الجامعي، منشورات سعيدان، تونس، سوسة 2006 ، ص232.
15- انظر مقالة د. محمد جمال باروت، “السردية الدرامية والتاريخ حول منمنمات تاريخية” لسعد الله ونوس. مجلة الكرمل ص267 عدد 62 شتاء 2000 فصلية ثقافية.


تجليّات الصحراء في أدب إبراهيم الكوني*
استعارة الوجود
إذا كان عبد الرحمن منيف قد أعاد الصحراء إلى بؤرة الوعي بوصفها متناً تجب قراءته بكل أبعاده الجمالية والأنثروبولوجية وتداعياته السياسية على التحولات في الوطن العربي منتجاً خطاباً تحريضياً لوعي القارئ، فإن إبراهيم الكوني جعلها استعارة الوجود، بل مركز الوجود الإنساني كله، فكان متصوفاً صحراوياً أوقف أعماله عليها، باحثاً عن لغز الوجود. قائلاً: ” وجودنا لغز لا يكتمل وجوده، إلا بوجود الثالوث الرواية، الخلاء، الأسطورة” مستغرقاً في حالات كشف لا تكاد تنتهي إلا لتبدأ كزمن الصحراء الدوري.
الصحراء عند الكوني “جحيم الحرية” لا سبيل إلى النجاة من قسوتها وأخطارها، إلا بالموت الذي يتربص بالإنسان والحيوان. إنه “مجتمع الضرورة”* الذي يعيش على حافة الحياة، ويكرر وجود نفسه المقاوم للموت فلابد من استثمار أي شيء متاح للدفاع عن الحياة “إن صراع الحدود القصوى هو علامة الوجود الوحيدة في الصحراء”(1) في رواية المجوس يأتي على لسان شيخ القادرية الذي يصف الوجود الصحراوي بوصفه إقبالاً على الموت قائلاً: “من أراد أن يعيش حراً عليه أن يقبل بالحياة في الجحيم في الصحراء جحيم جميل لأنه جحيم الحرية، فهنا فقط عليك أن تدفع ثمن الحرية القاسي عليك أن تتحمل المسؤولية كلها…. تواجه الموت في كل لحظة، لأنك لا تنتظر إحساناً من أحد تنتقل وحدك، وتتقاتل مع الوحوش لتطعم نفسك، وتدافع عن نفسك بنفسك، وتواجه الخطر وحدك وتموت وحدك كل هذا لأنك اخترت الصراط الصعب.. صراط العزلة والحرية”(2)
لعل ذلك يستدعي قول الأحيمر السعدي وتجربته:
عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئب إذ عوى
وصوّت إنسان فكدت أطيرُ
رأى اللهُ إني للأنيسِ لشانئٌ
وتبغضهم لي مُقلةٌ وضميرُ
فلليل إذ واراني الليل حكمُه
وللشمس إن غابت عليّ نذورُ
وإني لأستحي لنفسي أن أُرى
أَمُرُّ بحبلٍ ليس فيه بعيرُ
وأن أسألَ العبدَ اللئيمَ بعيرَه
وبعرانُ ربي في البلاد كثير (3)
لعل الكوني هو ذلك البدوي نفسه في قصة ” إلى أين أيها البدوي” يدهم الجفاف الصحراء فيقطع البدوي غناءه بعد نصف قرن ليقرر السفر إلى المدينة ، لكن للمدينة أخلاقاً أخرى لا يعرفها البدوي. فهو بعد أن يبيع جمله وكل ما يملك يجلس على الطريق، ويصادف مرور موكب الملك الذي لا يعبأ به البدوي، لأنه يجهله، فيستوقفه رجال الأمن ويجرون تحقيقاً معه. وبعد ليلتين من التعذيب يطلقون سراحه. فيقرر العودة إلى الصحراء.وهو يفكر باسترداد قدرته على الغناء، خالياً من كل شيء إلا عشرة جنيهات هي ما تبقى من ثمن جمله وناقته يمزقها دون أن يعلم أنه مزق صورة الملك: “كان يعلم فقط أنه يغادر المدينة إلى الأبد… إلى الصحراء ….إلى السراب. خرج البدوي من المدينة بعد ظهر ذلك اليوم.. ولكن هل يستطيع البدوي أن يغني مرة أخرى؟”(4)
إذا كانت غنائية السرد شكل من أشكال النثر ذي الشفافية الشعرية ففي “ديوان النثر البري” يتمثل الكوني موسيقى الوجود وهو يصغي إلى صحرائه الساكنة فيه بأصوات رياحها وحركة رمالها وحوار كائناتها. “سردية إبراهيم الكوني هي سردية غنائية لأنها مشمولة بغنائية موسيقية وأخرى بصرية، وثالثة روحية…”(5) وكأن كون الصحراء نغم سحري يسري في لغته “فالسارد عليم بلغات كل كائنات وموجودات الفضاء الصحراوي حيّة وجامدة إنسيّة أوحيوانية ، مرئية ولا مرئية كالجن”(6)
يقدم “ديوان النثر البري” مادة مكثفة من الأساطير وكماً كبيراً من النواميس والقوانين التي تتحكم بحركة الإنسان، والموجودات للحفاظ على التوازن بين الإنسان، والموجودات في ظل قسوة المناخ والبيئة، التي تفرض شروطها وهي في النهاية تشكل فلسفة الحياة في الصحراء.
(لقد ساعد المكان الصحراوي المعزول على الاحتفاظ بأنماط حياة بشرية، وحيوانيّة ، ونباتيّة، تقترب من الحالة الطبيعية للمجتمعات الرعوية البسيطة على حين تميزت قبائل الطوارق بهوية ثقافية ولغة وعادات وطقوس خاصة تكشف عن خصائص غنيّة ومركبة تختزن مراحل حضارية متعاقبة، بدءاً بالعصر الحجري المبكر، ومروراً بفترات خصوبة شديدة استمرت حول البحيرة الكبرى بالصحراء إلى أربعة آلاف عام قبل الميلاد حين ساد التصحر، ولقد بقيت أطلال هذه المرحلة الحضارية قائمة إلى أن جرفتها السيول عام 1913*) استقى الكوني من هذا الواقع التاريخي والاجتماعي والثقافي مادته التخييلية ممزوجة بوجده الصوفي وتطلعه إلى الحقيقة أو إلى “واو” الواحة الضائعة التي لم يدخلها أحد ولم ييأس من بلوغها أحد. هل تطاق الصحراء بلا أحلام؟ واحة “واو” هي المدينة الفاضلة التي يبحث عنها سكان الصحراء والتي غرقت بفعل طوفان الرمال، والكوني دائب البحث عنها، فهي رمز الجنة الأرضية في الصحراء والخلاص. يضع الكوني على لسان المريد التيجاني أحد شخوص قصة “الربة الحجريّة” والذي كان بلا زاد ولا ماء لفترة طويلة يرفض أكل الطعام عندما يرى أن الصبيان ليس لديهم ما يأكلون قائلاً:
“قطعت على نفسي عهداً ألا أذوق طعاماً ما لم أعثر على واو أنا زائر من زويلة. أبحث عن واو أبحث عن واو” ولاحظ الجميع أنه كرر : أبحث عن واو مرتين.
ولم يدر أحد يومها أن يوماً سيأتي وستبعث واو من الزوال والخرافة، وتنهض مدينة من الأساطير تروي العطشان وتكسو العريان، وتطعم الجائع وتنقذ التائه من الضياع. يومها أضاف عبارة لا تقل غموضاً عن بحثه وراء واو المجهولة قال: الوجد والشبع لا يلتقيان. وأنا اخترت الوجد”(7)
نلاحظ في مجموعات قصص الكوني القصيرة أنها تشكل في مجموعها نصاً متكاملاً ففي مجموعة “القفص” يصبح العنوان إشارة بالمعنى المعجمي إلى محبس الطير وهو يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالنصوص التي تدور حول التوق إلى الحرية.
في مولد الترفاس وهي أول قصة في المجموعة يتحدث الكاتب عن الأطوار التي يتم بها تخلق “الترفاس”، وهو الكمأ من خلال ثقافة أهل الصحراء، ويستنطق العرّافة الزنجيّة لتجيب عن أسئلة نشوء هذا النوع من الكمأة بهالة من القداسة لهذه النبتة، وما أصابها من فناء بعدما صارت الصحراء مهجورة، بفعل هجرة الرعاة إلى المدن وإبادة الغزلان ببنادق الصيد وسيارات المغامرين. تحنُّ نبتة الترفاس إلى صحراوي يقطفها.
وفي نذر البتول: اقتحم الطليان الصحراء الجنوبية وتكبد المجاهدون خسائر قاسية، أجبرتهم على التراجع. وانتشرت قصص التنكيل فرحل الناس. وتشتتت القبائل، وبقيت بقايا أشتات في الحمادة، التي تعاني من استبداد الشمس، وقساوة الجفاف الطويل. (تازيديريت) بقيت مع جدتها التي فضلت البقاء في الحمادة. و “تازيديريت” تعني بلغة الطوارق “الصبر” كما همّش لها الكاتب. أبوها مات بالجفاف قبل وصول الطليان، وأمها ماتت بوباء مجهول. عاشت تازيديريت مع جيل كامل محرومة من المطر ورؤية السحب، وهي تبدو كحورية من الحوريات اللواتي نُحْنَ بسبب الجفاف، الذي حل بالصحراء الليبية في القديم. تنتظر هذه الحورية مجيء السيل لتتحرر من قفص الدنيا فهو حلمها. ومن خلال حوار بين “تازيديريت” وجدتها نكتشف معادلة وحشية تقول: “الحرية هي الصحراء، والصحراء هي الجدب الموت. إذن الحرية هي الموت وكلما انشق قلبها عن الخاطر الغامض تذكرت السيل المنتظر واستولت عليها الرجفة والنشوة، مع الوقت أصبح الخاطر في القلب مثل الوعد الجسيم سرها..”(8) حتى جاء الوعد السيل فامتطته في رحلة التحرر الأبدي من العطش.
في المكان الصحراوي بطقوسه وتقاليده “أو مجتمع النص” تشترك شخصياته المسكونة بالصحراء في المصير الفاجع فلا تكاد قصة تخلو من شخصية العرّاف أو العرّافة، وأقوالهما الحكيمة ورغم تنوع الشخصيات شباباً أو أطفالاً ، العشاق، والمتصوفة، والدراويش والرعاة، والعابرين، وأهل الخفاء، كلها محكومة بنواميس الصحراء استعارة الوجود، التي تتردد في أجوائها وصايا الأسلاف مخبرةً الأجيال أن قدرها هو الرحيل وللرحيل مدلول خاص عند الكوني فهو الانتقال روحاً وجسداً نحو جوهر الحقيقة المطلقة لتتخلص النفس من أسر المادة.
إن الخطيئة الأساسية تتمثل في مخالفة هذه النواميس. تلك المخالفة التي تحدث طوال الوقت لأنها محكومة بقدر آخر هو البنيان. لذلك يريد الراوي الكاتب الضمني السرد كي يفضي إلى مصير مأساوي، ينتهي بدمار هذه النماذج الإنسانية نفسها، إذ لا يكف نداء الحياة عن اجتذابهم، فيما يجسدون مغامرة الإنسان في الوجود، ومراوحته بين الرغبة والواقع. وتتلازم حالات العشق القصوى في نصوص الكوني بعنف بدني ومعنوي توقعه الذات العاشقة بنفسها وبالمعشوق في آن معاً، لأن المسكون بالصحراء، لا يستطيع أن يرهن قلبه في يد معشوق أرضي آخر، فيلجأ إلى تحطيم قيود الارتباط، والامتلاك بالتخلي أو القتل.
تتضح هذه الرؤية في رواية “التبر” التي تقدم شخصية “أوخيد” وعلاقته بالأبلق جمله – الاستثنائي- الزاهي اللون رمزاً للانعتاق من الارتهان للناس والطبيعة. سيرة أوخيد مشابهة لسيرة الأبلق . كلاهما يتشاركان الحياة في الصحراء المفتوحة، ويقنصان السكينة في لحظات الصفاء النادر، ويدفعان الثمن الباهظ للاقتران بالأنثى. يتحول “الأبلق” إلى معادل شامل لحيوان الصحراء ونواميس الوجود، وحالما تصل حبيبة أوخيد الزوجة النابعة من جمال الواحات وفتنة الصحراء تخبو العلاقة بين أوخيد والأبلق. في أعوام الجماعة وبعد أن يكون أوخيد قد أصبح أباً لطفل ولا يملك من متاع الدنيا غير دابته لا يجد أمامه مفراً من التخلي عن الأبلق ، فيرهنه عند أحد تجار الصحراء. غير أن الجمل لا ينسى صاحبه، وتتوالى زيارات الهرب لصاحبه، فيساوم التاجر الذي اشتراه “أوخيد” صاحب الجمل بتطليق زوجته مقابل استعادته للدابة، ويشيع في الصحراء أن أوخيد تخلى عن زوجته مقابل الذهب فلا يجد أوخيد طريقة للتخلص من العار سوى قتل التاجر.
يُطارد “أوخيداً” المتلهفون للأخذ بثأر التاجر فيقررون تعذيب الجمل، حتى يسلم أوخيد نفسه ليلقى مصيراً فاجعاً بتقطيع أوصاله على أيدي أعدائه.(9)
في “نزيف الحجر” يتناول الكوني العلاقة الدموية بين الأخوة الأعداء قابيل وهابيل، لكنه يشحن الأسطورة بدلالات جديدة، ليصبح الصراع بينهما تجسيداً للصراع بين الطبيعة / هابيل/ والحضارة قابيل ذي الصلة بالكابتن الأمريكي جون باركر دارس الاستشراق والفلسفات الشرقية، والتصوف الإسلامي الذي لا تتجاوز معرفته كونها معرفة تلقينيّة استمدها من كتب الاستشراق والفلسفة، فيزوّد قابيل بآلات شيطانية مثل البندقية وسيارة اللاندروفر والجنادب الطائرة والخرطوش.
نجد في الرواية تفاصيل حياة الطوارق في الصحراء ودقائق يومياتهم المتوزعة بين صيد الغزلان ومطاردة “الودّان*” وحراسة الرسوم والأحجار، التي خلّفها الأسلاف.
في الروايتين شأنهما شأن معظم رواياته يتناول الكوني “جوهر العلاقة التي تربط الإنسان بالطبيعة الصحراوية، وموجوداتها، وعالمها المحكوم بالحتمية والقدر. ويحكم على الشخصية المحورية في العمل بالموت كأضحية تجلب الخصب إلى طبيعة الصحراء القاحلة”(10)
لم يترك الكوني جزءاً من الصحراء إلا واستنطقه وأسس لمعجم صحراوي يميل إلى رموز العوالم القديمة ويتواصل مع الموروث الإنساني باحثاً عن الحقيقة في متاهات الصحراء مضفياً على اللوحات النافرة المحفورة في الكهوف بعداً إنسانياً. مثل صورة الأميرة الحسناء المحفورة على الصخر التي ظهرت للدرويش موسى في رواية المجوس.
ثم وسع الرؤيا في مجموعة “الربة الحجرية” (التي صدّرها بشاهد شعري منسوب إلى عمر بن أبي ربيعة:
أنيري مكان البدر إن أفلَ البدرُ
وقومي مقامَ الشمس ما استأخر الفجرُ
ففيك من الشمسِ المنيرةِ نورُها
وليس لها منك المحاجرُ والثغرُ
الربة الحجريّة هي تامدّ ورت (الحياة) بلغة “تماهق”، التي تسكن في تاسيلي وتنافس في جمالها تانس آلهة الخصب والجمال عند قدماء الليبيين)(12)
هي فتاة حيّة قبل أن تُجسَّد على الحجر.
(يقول لها رجال القبيلة عند غياب البدر: “اكشفي عن وجهك يا “تامدّورت، لأننا نريد أن نحلب نوقنا، والبدر غاب، فتكشف عن وجهها، وتضيء لهم ظلمات الليالي. فمن يرفض امرأة تضيء الصحراء بوجهها؟ تتزوج أحد أقاربها ، ثم يأتي رجل مجهول من الخفاء مُكلّف بتحويل هذا الجمال إلى رسم نافر على الصخر، ولكن هذا العمل الجليل هذا الخلق المبدع، لا بد من أن يحتاج إلى أضحية ما هي نفسها صاحبة الوجه، الذي ينير الليالي الظلماء حيث تنتقل من وجودها المادي الحي لتحل وتسكن في الصخر)(13)
هل لتجليّات الصحراء نهاية في أدب إبراهيم الكوني؟ وهو القائل “نص غير مسكون بروح التكوين نص لا هوية له” و “المبدع عنده حي بما يكتب” ويقول أيضاً: “يجب أن نكبر الصحراء، أن نركع للصحراء، أن نصلي للصحراء، لأن كل علاقة في الصحراء هي صلاة الأبدية وهي ليست رمزاً للوجود الإنساني فقط، ولكنها رمز للأبدي في أنبل معانيه. وليس عبثاً أن تكون كل الأفكار العظيمة نابعة من الصحراء. هي قاسية بطبيعة الحال، لأن الحرية قاسية، هي عدم لأن الموت عدم، ولكنها في حقيقة ما وراء الموت إذا آمنا بأن ثمة حقيقة وراء الموت”

المراجع والهوامش لتجليات الصحراء عند الكوني
1- انظر سعيد الغانمي “ملحمة الحدود القصوى” المخيال الصحراوي في أدب إبراهيم الكوني، ص15 المركز الثقافي العربي ط1، 2000 الدار البيضاء المغرب.
2- المرجع السابق ص32 وانظر رواية المجوس للكوني 2/155 رواية في جزئين ط1 الدار الجماهيرية طرابلس ودار الآفاق الجديدة المغرب 1991.
3- انظر سعيد الغانمي ص116 وأيضاً ابن قتيبة الشعر والشعراء 2/671 الدار العربية للكتاب1983.
4- انظر سعيد الغانمي ص17.
5- انظر ملف دورية الرافد عن إبراهيم الكوني دراسة د. عمر عبد العزيز “نصوص إبراهيم الكوني” السنة 11 العدد96 رجب 1426هـ أغسطس 2005.
6- انظر ملف الرافد، عن الكوني دراسة عبد الفتاح صبري، ديوان النثر البري صورة لعوالم إبراهيم الكوني.
* انظر ملف الرافد قراءة استطلاعية الواقع التاريخي والاجتماعي والثقافي مخيال روائي اعتدال عثمان. وانظر أيضاً محمد سعيد القشاط التوارق – عرب الصحراء الكبرى . مركز دراسات وأبحاث شؤون الصحراء ليبيا ط2، 1982.
7- انظر دراسة د. نزيه كسيبي “عالم الصحراء وسكانها من إنس وجن وحيوان في روايات إبراهيم الكوني” د. كسيبي أستاذ مبرّز في المعهد المتوسط التجاري ومحاضر في قسم إعداد المدرسين لتعليم الفرنسية كلغة أجنبية في جامعة مارك بلوك ستراسبورغ .
8- انظر مجموعة القفص للكوني مؤسسة رياض الريّس للنشر ط1، تشرين أول 1990 قصة مولد الترفاس ص9 ونذر البتول ص19.
وانظر أيضاً قراءة د.إبراهيم صافار لمجموعة القفص ملف الرافد.
9- ملف الرافد قراءة في رواية التبر د. عبد الجليل غزالة.
10- ملف الرافد توظيف الأسطورة نزيف الحجر نموذجاً. مديحة عتيق، وانظر ورقة فخري صالح ثنائية إبراهيم الكوني الصحراوية.
* الودّان أو (الموفلون) أقدم حيوان في الصحراء الكبرى وهو تيس جبلي انقرض في أوروبا في القرن السابع عشر وكان يلعب دوراً مهماً في معتقدات سكان الصحراء القدماء “كطوطم” مقدس فاللوحات التي تمثّله تملأ جدران الكهوف في تاسيلي) انظر الغانمي ص102 هوامش ورواية نزيف الحجر للكوني.
11- انظر ورقة د. نزيه الكسيبي سبق ذكرها.
* مجتمع الضرورة : صنف ابن خلدون مجتمعات عصره في ثلاث درجات مستفيداً كما يرى بعض الباحثين من معاصره الشاطبي وهذه المجتمعات هي: المجتمع الضروري والمجتمع الحاجي، والمجتمع الكمالي. المجتمع الضروري هو المجتمع الذي يكتفي من المعاش بالحد الأدنى الضروري للبقاء، هذا وهو المجتمع البدوي الصحراوي. عن الغانمي ص13.
* إبراهيم الكوني كاتب ليبي ولد في جنوب ليبيا عام 1948 من عرب الطوارق في الصحراء الليبية ، غادر الصحراء وهو ابن عشر سنوات، درس اللغات في معهد مكسيم غوركي في روسيا ثم غادر إلى بولونيا . يعيش حالياً في سويسرا. تربو أعماله عن الصحراء على الستين عملاً.

مواطن اللقاء في الصحراء بين منيف والكوني

هل يلتقي البدوي بالبدوي في متاهات الصحراء؟ وهل ثمة لقاء بينهما في تجليّات الصحراء؟ على بعد ما بينهما في زوايا الرؤية وأساليب السرد والمرجعيات المعرفية واختلاف التجربة؟ لعلهما يلتقيان في كونهما:
أولاً: جعلا المدينة ومجتمعاتها الكمالية هامشاً مقابل مجتمع الضرورة الصحراء. الصحراء هي المتن جذرهما الإنساني ولعنة ذهب الأزمنة الحديثة “النفط” هي التبر عند الكوني فالصحراء القاحلة القاسية بطبيعتها، غنية بقيمها بعالمها بطهرها، الذي يسمو على الدنس المادي، وتنطوي على حكمة عميقة، توازن بين كل كائنات الصحراء. الصحراء هي رمز الحرية والانعتاق، ورمز للأصالة للصدق، للوفاء، للمروءة.
ثانياً: يلتقيان في الرؤية الفنيّة بأنسنة المكان فهما يضفيان صفات إنسانية على الأمكنة والحيوانات، والطيور، والأشياء، وظواهر الطبيعة ويسقطان مشاعرهما وعواطفهما “لتصبح الذات غير العاقلة عاقلة، وتخرج من وظيفتها البيولوجية إذا كانت حيواناً أو طيراً أو أشجاراً”(1) فحين يؤنسن الفنان الأمكنة، وظواهر الطبيعة تبدو تجليات العالم الخارجي أكثر حيوية وحياة. فعبد الرحمن منيف، والكوني أضفيا على المكان ملامح خاصة ، جسدته شخصية اعتبارية ترتبط بالإنسان ارتباطاً وثيقاً ليصبحا ذاتاً واحدة.
ثالثاً: استدعاء الموروث الثقافي الشفوي وتوثيقه في سياقات الرواية, وإعادة معجم الصحراء إلى الحياة ، (وإضفاء البعد الأسطوري لحكايات الصحراء مما يضمن بقاء الحكاية وانتشارها لأن الأسطورة تخرجها من الخصوصية التاريخية إلى العمومية والتجريد بحيث يجد فيها الجميع تعبيراً عن قناعاتهم وتطلعاتهم وتكريساً للقيم التي يؤمنون بها.)(2)
رابعاً: تصوير رد فعل الفكر البدوي الأسطوري العاجز عن استيعاب صدمة “التكنولوجيا” التي تبادر بالهجوم على المجتمعات المغلقة، وهو هجوم مدمر ومعادٍ. في مدن الملح لمنيف يتساءل البدو، حين يدخل التلغراف لأول مرة هل يستطيع أن يكلّم الأموات؟ هل يكلّم الجن؟ والإشارة في “نزيف الحجر” إلى السيارة في صحراء الرواية بوصفها أول حيوانات التكنولوجيا الوحشية والإشارة إلى طائرة الهليوكبتر الجندب الخرافي، التي أهداها باركر الأمريكي “لقابيل” وهي آلة جعلت معدل الصيد يرتفع من غزالة أو اثنتين في كل هجمة إلى إبادة قطيع كامل. وهي مقابلة بين صيد الضرورة ووحشية المتعة مثلما ظهرت في “النهايات” عند منيف.
خامساً: الصراع بين العالم الرمزي القيمي المتمثل بالصحراء وبين الواقعي المادي بين المقدس، والمدنس بين اقتصاد الكفاف واقتصاد التبذير.
وبعد… فقد أنتج منيف خطاباً تحريضياً ينقد الواقع الراهن العربي، ففي رحابة الصحراء ما لا يأتلف مع قوانين المدينة المتسلطة، ولا يأتلف مع مدن الحداثة الزائفة. ولم تكن الصحراء شكلاً مجرداً من الواقع، أو خيالاً سحرياً جامحاً أو بعداً أسطورياً بل هي الصحراء بكل تجليّاتها الحيّة. ومن خلال رصده للتحولات الاجتماعية بين البداوة الراسخة ، و بين التحولات المدنية بعد ظهور النفط وأبرز التقابل الحاد بين حدة تأثير هذه المتغيرات – في ظل هيمنة المكان- وبطشه وقسوته, إنه الروائي القادم من عالم السياسة وتناقضاتها إلى عالم الرواية. أما إبراهيم الكوني، فقد جعل الصحراء مركز الوجود. فالتماهي مع الطبيعة حالة سرمدية حيث تتحول الصحراء إلى معادل مطلق لتجليات الوجود، وتصبح لغة الرمال موازية لأصوات البشر وأنينهم، وتتحول المفازات المفتوحة على الآماد اللامتناهية إلى رمز لمحنة الحضور التعس في الحياة. لقد قلب منيف والكوني خارطة المركزيات الثقافيّة، في ظل سياق معاصر يسوده الإحساس بموت التقدم المديني، والإحساس العميق بالفجيعة والموت بعد توالي الهزائم والفجائع على الإنسان المعاصر والإنسان العربي خاصة وإذا كان الإنسان في روايات المدن الحديثة هو مركز العالم التخييلي، فإن الكائن إنساناً كان، أو حيواناً، أو نباتاً أو جماداً هو مركز العالم. فكل كائن في رواية الصحراء له قدسيته وله الحق في الحياة.

المراجع
1- انظر د.مرشد احمد، أنسنة المكان في روايات عبد الرحمن منيف ص9 إلى 11 ، دراسات التكوين، دار التكوين 2009.
2- انظر سعد العبد الله الصويان ، الصحراء العربية ثقافتها وشعرها عبر العصور قراءة أنثروبولوجية ص288 تداخل التاريخ والأسطورة ، الشبكة العربية للأبحاث والنشر ط1 بيروت 2010.

شاهد أيضاً

عن اللويبدة..

عن اللويبدة.. يحيى أبو صافي   أصبحت أميل للجلوس في الصباح الباكر بمطعم ( أبوالشكر) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *