عن اللويبدة..

عن اللويبدة..

يحيى أبو صافي

 

أصبحت أميل للجلوس في الصباح الباكر بمطعم ( أبوالشكر) عوضا عن مطعم الخال الذي بدأ يغزوه الشقروات الأجنبيات ومُتكسِبوا (الأن جي أوز.. أخضر يا لوز) أتناول أفخم ثلاثية فول وحمص وفلافل في عمان وما حولها، مع تحفظ واحد أنه يتعذر تناول قلاية بيض عيون لعدم وجود قلاية تيفان/ بالنون؛ كما يلفظها، وكما يدعي أبوالشكر دائما، وفي الحقيقة التي ندركها جميعا أن أبوالشكر لا يطيق غسيل أطباق وقلاية البيض، لانه لا يطيق زناخة البيض مثلما لا يطيق زناخة متطفلي جبلنا اللويبدة وخص نص سائقي الدرجات ثقيلي الدم، وملوثي هواء الجبل.. لهذا لا يرفقها في قائمة مطعمه.

وهذه أحد الأسرار الجاذبة لمطعمه الأنيق الهادئ مقابل باص حمزة المعايطة لمبادلة الكتب، عدا عن لمة الأصحاب والأشخاص الطريفين من شخصيات مثلث مطعمي الخال/ أبوالشكر.

والمدهش أنك تشعر بأنك في كادر تصوير مسلسل أردني حقيقي؛ لولا وجود مشاهد تدخل على الكادر فجأة فتنزع أو تتنتزع من الحراك اليومي للجبل جزء من تقاليده المتوارثة، فأصبر لأقول في سري:
– يللا ما العالم كله قاعد بتغير.

من المفرح مثلاً أن يصف سيارته الجيب القديمة جداً الممثل القدير شايش النعيمي في طريقه للنقابة، فيؤشر من بعيد بالسلام؛ ويأتي ليسلم، في حين تدعوه مُلحاً:

. – يالله يا أستاذ تفلح عالمقسوم

يعتذر بخجل لإرتباطه بموعد في النقابة؛ ويصر بدوره على دفع حساب طاولتي دون أن يأكل.

وأصر بأن:

– ليتك سالم يا أستاذ شايش؛ والله الحساب مدفوع سلف.. ويؤكد أبوالشكر بالإقرار.. نتبادل أرقام الهواتف ويمضي لموعده مودعاً.. هو لا يتصل ولا أنا افعل لنلتقي مرة اخرى في مسرح أسامة او عند دوار الحاووز، فنعد بعضنا بسهرة لن تحدث.

يمر تيسير نظمي كالعادة( لا شيء يعجبه) نتحدث في كل القضايا العالقة في رابطة الكتاب الأردنيين، يسألني عن الحزب الشيوعي الأردني واحوله، وعن الديسك في ظهر أمي، وعن حسام إبن اخي الذي رضع وهو بيبي العدس أمام تيسير رلما رفضا للحليب وهو رضيع، فأخبره أن حسام اصبح مهندس مدني قد الدنيا، فيستغرب بدهشة أن العدس في مخيم البقعة ينبت الرضع مهندسين، وتمر السيدة العجوز أم مالك لبنانية من بلدة بكفيا اللبنانية؛ طاهية السفير الأيطالي سابقاً تسلم بمودة؛ وتترحم على روح صديقنا المشترك حسين نافع، وتسألني بإهتمام عن غسان مفاضلة، وعبدالسلام صالح وهشام بستاني:

– لك وَين رفقاتك المهضومين؟!

تسأل بإهتمام؛ وكأنها تعرفهم منذ حصار بيروت.. ثم تسألني لازمتها الجميلة بغمزة اجمل قبل أن تمضي لوجهتها غير المعلومة:

– شفتك مبارح قاعد مع صبية حلوة برومي، بتحبها؟! فاغني لها نصري شمس الدين بصوتي النشاز:

“يا قلب صارلك من سنين سنين

تركض وراهن بسّ يا مسكين

حاجي ورا أهل الحلا ماشي

بتتعب ومش رح يتعبوا الحلوين”.. تضحك ملىء قلبها، تمسد على شعري بلطف، وتمشي.

يحيني صدفة صديق الصدفة الحلوة باسل الطراونة داعيا بلطف الكركية أن أتفضل إلى طاولته في مقهى الزقاق، فأعده أن ألتحق بصحبته الانيقة، يبتسم ابتسامة من ذهب ويمشي لزقاقه الوثير.

يمر عم جابي ابو الشوارب بائع اليانصيب على قارعة شارع الباعونية.. يعرض علي اوراق يانصيبه لأشتري ورقة لن تربح سوى ضحكته الطيبة، وطيبة قلبه، يتجه صوب بسطته، خلف دعائي الدائم لكلينا:

– يارب أربح الجائزة الأولى ونقسمها بالنص عم جابي.. يلتفت إلي هازاً رأسه بمعنى: حظاً أوفر.

يمر فنان ناياتي جميل في الستين من العمر؛ يجلس معي بحزن غير مفهوم، ذلك الناياتي الذي يمقته تيسير نظمي لا اعرف لماذا، بينما يحبه كل البشر.. يمر ليسلم ويسألني دائما لسبب غير مفهوم أيضا عن زميله الناياتي نور أبوحلتم.. لياتي نور بعد ذلك، يشاركني ما تيسر في المقسوم من الفول، قبل ان يمشي ربما لموعد عمل مع صاحبي حسن أبوعلي خيال اللادا.. أو لبروفة مع طارق الناصر وفرقته رم.

يمر صاحب محل (البدوية للقهوة) الحج ابو أحمد الذي لا يصرف بسمته إلا للمريدين عضوات الجبل، يجلس إلى جانبي بكشرة جميلة بينما تفوح منه روائح اليمن وكولومبيا والبرازيل وأثيوبيا.

اغمض عيني أتمنى في قرارة نفسي ان يمر أحبة اللويبدة إلى مسرح أسامة المشيني وألتقيهم صدفة كأن تهبط من السماء صديقتي الفنانة عبير عيسى ومعها نادرة عمران ومجد القصص أو مكادي نحاس ومعها أولادها زوجها الطيب السريرة سعود.

في حين يدخل كادر المشهد عابرون على رصيف أبوالشكر كأن يمر مجموعة سياح يابانيون، يمشون في طابور منظم وبعظهم يحدق في طبق الفول والفلافل أمامي بتركيز السياح على قطعة أثرية؛ والذي يضطرني أن أرفع صحن الفلافل مقدماً أياه لباقي الجروب؛ سيدتان فقط تلتقطان حبتي فلافل وتنحنيا بالشكر بطريقة فتيات ( الغيشا) في روايات كاواباتا و ( جميلاته النائمات) بالشكر لي ولأبو الشكر الواقف خلفي.. لأقول في سري:

– هنيئاً يا نسائبي شعب اليايان الخلّاق.. وسلامي مع شوقٍ كبير لفتاتي السيدة (ساتو) أسيرة معابدكم في كيوتو القصية.

لأتابع إلتهامي بشهية صحن الفول وباقي حبات الفلافل مسرعاً كي أنجز هذا النص الذي أكتبه في الحقيقة لأرسله لمريد اللويبدة زياد خداش القاص والروائي الجميل.. لا لشيء ربما لأغيضه، وسأرسل نسخة ممهورة بختم حبة فلالفل كما تعودت أن افعل في أغلب النصوص السردية التوثيقية لصديقي حارس بوابة الله وكبير سدنتها مولانا مفلح العدوان لعله يأتي.

ولكن ما ينزع المشهد ويجعلني اتوقف عن الكتابة الآن شخص يمر كأنه شبح أو جني استحضر للتو قرب مطعم الخال؛ يمشى بزهو الطاووس، يلبس قماش فضفاض من الساتان الملون النسائي؛ وشعر طويل جدا مصبوغ بعضه بالأشقر الذهبي، ولحية كثة حتى لأكاد أن أصرخ ويصرخ خلفي أبو الشكر المبحلق به دهشةً.

– ستوب؛ مين الناس دول؟!

أتسآل في سري:

– أين ماهر القيسي، وخالد شلبية وموسى الجميل ومحمد كي نُقَيِّم المشهد السيريالي أمامي سردياً؟!

حقيقة والكل يعرف أنني مع حرية اللبس، لكل إنسان شأنه فيما يلبس ويأكل ويشرب.. ولكن في مثل مثلث مطعم الخال وأبوالشكر يبدو المنظر مريباً؛ فتلك ليست اللويبدة التي أعرفها.

مثلما سيبدو غريباَ للأوروبي أن يلبس سَلَفي ملتحي نزح لبرلين للتو عمة بيضاء ودشداشة قصيرة، في جادة ساحة ألكسندر بلاتزا في وسط برلين.

يا إلهي، وجهان لمدينة واحدة، وجه الشاب لابس الستان النسائي، والذي حتما لن أحتفظ بملامحه، و وجه لإنسان أعرفه وأحفظه عن ظهر قلب مثل وجه  الفنان القدير شايش النعيمي؛ أو وجه ابوبشر صاحب حلويات فيروز، وجوه أبو الشكر وعازف الناي وتيسير نظمم، والناياتي، ووجه باسل الطراونة أو نور ابوحلتم، او وجه أبو احمد بائع البن الكِشر، ووجه ام مالك الخلاب المحيا.. تلك وجوه تشعرني بالأمان؛ وبالثقة والرضا عن اللويبدة، بل وتجيبني تلك الوجوه التي احفظها عن ظهر قلب عن سؤال الهوية المفقود في زحام الجبل:

-هذه اللويبدة التي تعرفها يا أبنها المدلل.

شاهد أيضاً

كاندي كرش.. سيرة الأشياء الصغيرة!

كاندي كرش.. سيرة الأشياء الصغيرة! مفلح العدوان   ثمة نبض وجداني وصدق شفيف، يتجلى عندما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *