مأساة جساس… ومحاولة إيجاد نهضة للعرب!!!

مأساة جساس… ومحاولة إيجاد نهضة للعرب!!!

زياد أحمد سلامة

 

مأساة جساس، الرواية السابعة للدكتور وليد سيف ضمن مشروعه الروائي الذي  ابتدأه برواية “ملتقى البحرين” عام 2019، و”مأساة جساس” هي الرواية السادسة في مشروعه إعادة كتابة مسلسلاته السابقة رواياتٍ تكون قريبة من يد الناس، ويمكن للقارئ استعادتها متى يشاء.

   “مأساة جساس” رواية تتحدث عن القصة المشهورة: “حرب البسوس” التي حدثت في الجاهلية بين أبناء العم: قبيلة تغلب وقبيلة بكر بن وائل، وكلاهما يعود إلى “وائل بن ربيعة وقبيلتهم الكبرى التي يندرجان تحتها هي قبيلة رَبِيعَة العدنانية” وكانت القبيلتان تعيشان متجاورتين وترعيان في حِمىً واحد وتشربان من ماء واحد.

  وملخص قصة “حرب البسوس” أن كُليباً: وائل بن ربيعة، سيد تغلب” قد استبد في ظلمه وجوره وتجاوزه حدود الحاكم المنصف الذي يرعى شؤون رعيته ويحقق مصالحها، وبلغ من استبداده أنه منع أحداً أن يرعى في المراعي العامة أو يستقي من الآبار وعيون الماء إلا بإذنه، وأن لا يجير أحدٌ أحداً إلا بإذنه، حتى الطير في السماء تكون في حماه فلا يصطاد أحد طيراً إلا بإذنه، وأن حدود حِماهُ حيث يبلغ صوت جروه الصغير.  فولَّد هذا استياءً في نفوس الناس، لا سيما لدى أبناء عمومة تغلب: قبيلة بكر بن وائل، وعلى رأسهم “جساس بن مرة البكري؛ ابن سيد بكر، وحاول ردع كليب بكافة الطرق السلمية، وطلب من أخته “الجليلة” أن تحدث زوجها كليباً بهذا الشأن؛ فلم يستجب؛ وأخذه الكِبْرُ والغطرسة، وذات يوم جاءت “البسوس بنت منقذ” خالة جساس لزيارة بني بكر ، فنزلت عند ابن أختها جساس، وكان أنْ رعت “سراب” وهي ناقةُ البسوس ” في المراعي العامة دون إذن “كليب” الذي استشاط غضباً لأنه لم يأذن بذلك، ولم يراعي مكانة زوجته (البكرية) ولا صلته كذلك بأصهاره البكريين، فَقَتَلَ الناقة، وتطور الأمر حتى قَتَلَ جساسٌ كليبا.

  تولى أخو كليب؛ عدي بن ربيعة المعروف بالمهلهل والزير، مهمة الثأر لأخيه سيد تغلب، فأشعلها حرباً ضارية استمرت أربعين عاماً (كان من عادة العرب الالتقاء مرة في السنة يوماً أو يومين، ثم يتوقف القتال)، ورفض أي محاولة للصلح وحقن الدماء حتى مات المئات من الطرفيين وكاد أن يفنى الحيان من بكر وتغلب. حتى إنه قَتَلَ “بجير” ابنَ أخته “أم الأغر” لأنه كان بكريَّ النسب، فأبوه عمرو بن الحارث بن المزدلف، وكان صديقاً لمُرَّة بن ذهل (والد جساس) ولكنه آثر اعتزال القتال والوقوف على الحياد لأنه لا يريد أن يخوض حرباً “لا ناقة له فيها ولا جمل”، ومع ذلك قتل المهلهل ابن أخته أم الأغر (بجير بن عمرو بن الحارث) رغم أنه جاء في مهمة سلمية، رسولاً من البكريين للتباحث معه بشأن وقف القتال، ولكن العصبية المقيتة استبدت بالمهلهل فقتل رسول البكريين، وقال بأن قتل بجير لا يساوي شسع نعل كُليب، مما زاد في تأجج الموقف وجعل عمرو بن الحارث؛ وبعد أن بلغه ما قاله المهلهل في شأن ابنه “بجير” أن يترك الحياد وينخرط في المعارك القاتلة رغم شيخوخته وهو يردد :

                             ” قَرِّبا مَربَطَ النَعامَةِ مِنّي *** لَقِحَت حَربُ وائِلٍ عَن حِيالِ”

 وقد كرر مطلع القصيدة ” قَرِّبا مَربَطَ النَعامَةِ مِنّي” نحو سبعة عشر مرة في ثمانية عشر بيتاً يتوعد فيها بالثأر لابنه.

  استمرت الحرب بين الفريقين، ولكن مع إصرار المهلهل ” ألا أصالح على شيء حتى نقتل آخر رجل من بني شيبان البكريين.. بكل عضو فيه..  والشعرة الواحدة عندي عضو. لم يكن كليب رجلاً واحداً.. إنما كان الناسَ كلَّهم.. ولا ينقضي ثأره إلا بمصارعهم كلّهم.. ولتكونن حربٌ عمرها بأعمارنا.. فمن رأى أنه لا يستطيع أن يقيم على ذلك عمره، فليفارقنا من الآن” ولكن مع مضي الأيام وإدراك التغلبيين قبل غيرهم أن المهلهل يقودهم للهواية، وأنه لا يشبع من الدماء، خلعوه وعزلوه عن الزعامة، وتصالحوا مع أبناء عمومتهم بني بكر.

أين جساس من القصة؟

  شاع بين الناس أن جساساً قتل كليباً في ناقة، ولم يدركوا أن جساساً قتل كليباً لظلمه وتعديه على أبسط حقوق الناس، حاول جساس أن يكوِّن حركة لمواجهة ظلم كليب وينقلب عليه أو يجبره على تعديل الأمور، ولكن مشروعه النهضوي هذا فشل لعوامل كثيرة، منها عدم استجابة عامة الناس له، وعدم تفهمهم لطبيعة مشروعه، ومنها الموقف المستسلم من عامة الناس لما يقوم به كليب خوفاً من مزيدٍ من البطش منه، ومنه أخذ تغلب العزة بالإثم ونصرة قائدهم حميَّة وعصبية، وزاد الأمر سوءاً أن اختصر الكثير من الناس سبب ثورة جساس بأنها من أجل ناقة، ولم يدركوا البُعد الفكري في حركة جساس، كل هذه الأسباب لم تمكِّن جساساً من بلوغ أحلامه وأهدافه كما يريد.

 كان مشروع جساس هو حلول العدل محل الظلم، وأن يتساوى الناس في الحصول على حقوقهم الحياتية، ولكن كما رأينا حالت عوامل كثيرة دون وصول مشروع جساس منتهاه، كان من أهم عناصر إحباط مشروع جساس النهضوي، شيوع العصبية القبيلة والحميَّة الجاهلية.

  فالمهلل شن حرباً على أبناء عمومته من بني بكر بغض النظر عمن كان له علاقة بمقتل كليب؛ أم لم تكن له علاقة. حتى إنه قتل ابن أخته لمجرد كونه بكرياً، وتوعد أن يقتل بكرياً بكل عضو من أعضاء كليب، وتصوروا أنه اعتبر كل شعرة من كليب عضواً.

   العصبية القبلية جعلت “ناشرة” ابن الزنا، والذي رباه واعتنى به “همام بن مرة” البكري وشقيق جساس، إذ اكتشف ناشرة أنه ابن “الخلاف بن حبيب”؛ أحد التغلبيين مع أنه ابن غير شرعي، ولكن لما كان نسب أبيه يعود لتغلب، فقتل سيده الذي رعاه صغيراً وأنقذه من الموت جوعاً وعطشاً ومن حرِّ الصحراء.

  والعصبية القبلية جعلت “الهجرس” ابن جليلة البكرية يقتل خاله جساساً، فعندما قتل جساس كليباً، كانت الجليلة بنت مرة؛ زوجتُه حاملا في بدايات حملها، فلم يعرف بحملها سوى أهل بيتها فقط، ولهذا نشأ وهو يجهل أنه ابن كليب الذي تقوم الحرب بسبب (أن خاله قتل أباه)، ونجده يصر على القتال إلى جانب البكريين لأنهم أخواله، فيجب نصرتهم على أعدائهم، ولكن بعد أن وضعت الحرب أوزارها اكتشف مصادفة أنه ابن كليب، وأن خاله جساساً هو قاتل أبيه، فتغلبت عصبيته القبلية على أي اعتبار، فقتل خاله ووالد زوجته ثأراً لأبيه الذي لم يعرفه قط.

   يقول وليد سيف في نهايات فصول الرواية: “أيّ إزراء وأي ظلم لجسّاس! لعله الثمن الذي كان عليه أن يتحمّله لأنه طلب الحق قبل أن تكتمل أشراطه في عموم الحال، فتغلبت أواصر القبيلة على أواصر المظلومين من مختلف العشائر والأحياء، وطغت الحمية القبلية على حمية الحق والعدل. بلى، لعله البطل الذي قهرته الظروف المحيطة به، ولا عزاء! فَقَدَ أخاه همّاماً وأباه مرّة في تلك الحرب، مع كل أولئك الذين ذهبوا بغير رجعة!

   في نهاية حروب البسوس وبعد أن اصطلح الحيان من بكر وتغلب، انتهت سلطة كليب وظلمه وعاد الناس إلى ممارسة حقوقهم في المرعى والسقاية، يقول وليد سيف عن جساس:” لعل عزاءه الوحيد أن الذي طلبه في عهد كليب، قد تحقق أخيراً باتفاق الصلح، وإن جاء متأخراً وبغير الطريق الذي كان يرجوه. فمنذ اليوم يستطيع الجميع من بكر وتغلب أن ينعموا بالحمى والماء والمرعى سواء، فلا يستأثر بأمره رجل واحد، يعطي ويمنع على مشيئته. وليس على أحد أن يستأذن أحداً في أن يجير على الحمى، فالآن يسعى بذمّتهم جميعاً، أي فرد منهم”.

  ورغم تحقق بعض أهداف جساس، إلا أن قيم الجاهلية الكثيرة جداً، وتحتاج كلها لإعادة بناء، ولذلك رأينا مشاريع نهضة أخرى تحركت في جزيرة العرب، ولأسباب مختلفة أخفقت ولم تنجح، ومنها:

مشروع الشاعر طَرَفَة بن العبد: هو شاعر جاهلي ذو شِعر فيه قيم فلسفية، وهو صاحب معلقة (لخولة أطلالٌ..)، رأيناه في مسلسل “طَرَفَة بن العبد” (الذي كتبه وليد سيف وأنتج عام 1982) والذي تحول لرواية بعنوان ” الشاعر والملك” صدرت عام 2022،  كان طرفة معتدًا بنفسه جداً، وكان في صراع بين موقفه من القبيلة، وموقف القبيلة منه، وكان يرى أن دور القبيلة تغول على دور الفرد، وأن ما تأخذه القبيلة من الفرد أكثر بكثير مما تعطيه، تأخذ منه حريته وتطالبه أن يكون حارسا لها باستمرار وأن يكون رهن إشارتها دوماً، في حين يرى أن هذه القبيلة لا تعطيه ما يريد وقت الحاجة، فكم مرة امتنعت القبيلة عن نُصرة أبنائها المظلومين أمام الحكام الظالمين أمثال (عمرو بن هند) وأنها تخلت عن نجدتهم عندما ضيَّق عليهم ذلك الملك لدرجة القتل بدون سبب غير أن الملك رآه في يوم بؤسه.

 ولكن طَرَفَة لم يستطع بلورة فكرته لتشكل رأياً عاماً بين عموم أبناء القبيلة، فتخلت القبيلة عنه عندما أمر ابن هند بقتله، ولم تستطع نجدته.

  ضاعت فكرة طرفة في مواجهة ظلم الطبقة الحاكمة وولاء الحكام أمثال ابن هند للحاكم الأجنبي، فما هو إلا عاملٌ عند كسرى، وفشل طرفة في التخلص من هيمنة القبيلة.

  كذلك ضاعت تساؤلاته الفلسفية حول الحياة والموت وما بعده وعن قيمة الحياة دون أن يلقى لها جواباً.

 كل ذلك مات بموت طرفة بأمر من عمرو بن هند وهو في السادسة والعشرين من عمره، ودون ان تستطيع القبيلة إنقاذه!

 مشروع الشاعر: عروة بن الورد: شاعر جاهلي من بني عبس، كتب عنه الدكتور وليد سيف مسلسلاً بعنوان “عروة بن الورد” أنتج عام 1987، ساء “عروة” الظلم والاستهانة بأرواح الناس من خلال منظومة القيم التي كان يعيشها سادة عبس (ومثلهم عرب الجاهلية كلها)، فمما اضطره للتصعلك أنه وبينما كان ذات يوم يحرس إبل زعماء عبس عند أطراف أراضي القبيلة شاهد رجلاً يوشك أن يدفن وليدته الصغيرة وهي حية بسبب الفقر، لم يستطع عروة إبقاءها لأن سادة عبس وأغنياءها امتنعوا أن يقدموا له ناقتين يعطيهما لأهل تلكم (الموءودة) مقابل أن يتركوها حية، فنقم على أولئك الذين لم يتحرك فيهم أي شعور إنساني، فقرر أن يجمع حوله عدداً من فقراء عبس ومعدميها ليغير بهم على (إبل) البخلاء الأثرياء من القبائل الأخرى ليطعم مما يغنمه الفقراء والمساكين من قومه، فتجمع معه عدد منهم عُرفوا بصعاليك عُروة، وأصبح حاله في الفقراء كما قال شعراً:

                   أُقَسِّمُ جسمي في جسوم كثيرة *** وأحسو قَراح الماءِ، والماءُ باردُ

  مرة أخرى تعثر مشروع عروة في (العدالة الاجتماعية) وأن يكون في أموال الأغنياء نصيب للفقراء، وأن يعطي الأغنياء مما بأيديهم للفقراء، فلم يتفهم أولئك الذين تصعلكوا معه مرامي حركتهم، وظن بعضهم أنها مجرد الحصول على مغانم من تلك الغارات.

  استطاعت القوى الكبرى في بني عبس الذين استشعروا في حركة عروة تهديداً لمصالحهم ومراكزهم الاجتماعية؛ استطاعوا تفكيك (جماعة عروة) من الصعاليك، فبقي وحده.

 كان عروة باحثاً فيما قام لأجله عن الحرية، فهاله أول الأمر مصير تلك الطفلة التي وأدها أهلها خشية الإملاق والجوع، وفي نهاية المسلسل رأيناه يعطي (سلمى الكنانية) المرأة التي سلبها وتزوجها لاحقاً حريتها عندما اختارت العودة إلى ديار أهلها، فكأنه بدأ مشواره الفكري مع الحرية وانتهى به.

  فشل مشروع عروة في الحرية والعدالة الاجتماعية لأنه لم يستطع إيجاد رأي عام لأفكاره، ولأن أتباعه لم يكونوا بمستوى أفكاره.

مشروع عنترة بن شداد في محاربة التمييز العنصري وكل أشكال الظلم: كان إصرار عنترة على الاشتراك في القتال إلى جانب قومه “بني عبس” مقابل أن يقر أبوه ويعترف بأبوته له رغم أنه أسود البشرة وابن جارية، لم تكن “ثورة” عنترة بن شداد تمرداً مسلحاً أو انقلاباً سياسياً، بل كانت ثورة اجتماعية ونفسية عميقة خاضها الشاعر الفارس الجاهلي ضد الأعراف القبلية التي همشته بسبب لونه ونسبه، عانى من إنكار أبيه لنسبه في البداية لكون أمه أمة سوداء (زبيبة)، وبقائه عبداً في السِلم بينما يُدعى للقتال في الحرب. استخدم سيفه وبسالته ليُجبر قبيلة بني عبس على الاعتراف بحريته ونسبه. تجسّدت ثورته في قصة حبه العذري لابنة عمه عبلة ورفض أهلها زواجه بها استناداً للفوارق الطبقية والعنصرية. وإصراره على الزواج منها، ركّز عنترة في شعره على تحدي الواقع المرير وإثبات أن الكرامة والشجاعة تصنعان الإنسان لا النسب وحده. لم يعمل الدكتور وليد سيف من قصة عنترة بن شداد مسلسلاً أو رواية، ونتمنى أن يصنع ذلك، فكل ما في حياة عنترة له بعد درامي يستحق التسجيل. (أبرز عمل تلفزيوني حمل اسم عنترة هو مسلسل عنترة بن شداد الذي أنتج عام 2007، وهو يروي سيرته البطولية وقصة حبه لعبلة ومعاناته مع العبودية ورفض الاعتراف به).  وعيب عنترة أنه خاض حرباً شخصية ضد الظلم والتمييز، ولم تكن حركة اجتماعية جماعية.

  في كل هذه المسلسلات، كان فساد القيم الجاهلية من العصبية القبلية والظلم وسيطرة القبيلة وغياب الحرية والانقياد للأجنبي وغيرها، سبباً في الفشل.

  من الأسباب المهمة لفشل هذه المشاريع الفكرية أن أصحابها بقوا أفراداً ولم تتحول أفكارهم إلى رأي عام يحمل ويحمي وينصر تلك الأهداف والقيم الثورية.

كانت طريقة عيش الناس في الجاهلية وقبل الإسلام، وكان نظام حياتهم؛ بحاجة لهدم وإعادة بناء، كانوا بحاجة إلى مشروع محدد متكامل، مشروع يعيد تشكيل نظام الحياة كلياً، من جديد، وبشكل انقلابي، لا يقبل أنصاف الحلول، ليس في جزيرة العرب وحسب، بل في كل أنحاء الأرض، وما هي إلا بضع عقود حتى ظهر هذ “المشروع” متمثلاً في الإسلام.

   لم تكن أعمال الدكتور وليد سيف التاريخية سرداً لأحداث تاريخية، وإنما قصد منها إسقاط الماضي على الحاضر، وأخذ الدروس والعبر، لتلافي نقاط الضعف هناك وتجاوزها هنا، فكم من كُليب مستبد ظالم بحاجة لسيف جساس وحكمة طَرَفة ورؤية عروة في العدالة، وإصرار عنترة بن شداد في أخذ حقه وأنهاء أي شكل من أشكال التمييز العنصري.

 

شاهد أيضاً

جيسون سايلر: كل مهمة فنية لغز جديد

جيسون سايلر: كل مهمة فنية لغز جديد  حوار وترجمة/ حمد الدريهم: الرياض من مرسمه في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *