كاندي كرش.. سيرة الأشياء الصغيرة!

كاندي كرش.. سيرة الأشياء الصغيرة!

مفلح العدوان

 

ثمة نبض وجداني وصدق شفيف، يتجلى عندما يلتقي الإحساس المرهف باللغة الراقية، ليكون التعبير عن تلك اللحظات الإنسانية العابرة بصورة متدفقة بالحياة، لتتشكل وفق هذا التفاعل التلقائي «الخاطرة الأدبية»، كنافذة صغيرة تُشرع على اتساع الروح، فتصبح الكلمات ترجمة لما يمر في القلب من مشاعر وأفكار وتأملات.

كل هذه الأحاسيس، مع سلاسة وشعرية اللغة، يمكن تلمسها عند قراءة منمنمات الفسيفساء الإبداعية التي حلّقت فيها الكاتبة «ريما ملحم»، من خلال خواطرها التي الملظومة عقداً من مصفوفة نصوصها التي أصدرتها في كتاب عنونته بـ»كاندي كرش»، وقد أحسنت فعلا في تجنيس تلك الـ48 نصا بـ»خواطر»، ذلك أن الخواطر هي جمع الخاطرة التي لا تحتاج إلى تعقيد وبناء صارم، بل تعتمد على الصدق والعفوية وجمال التعبير، يتحول فيها التفصيل العادي إلى حكاية تستحق أن تروى، بأسلوب يقترب من الشعر في موسيقاه وصوره، ويلامس النثر في حريته وانسيابه.

ولعل فن الخاطرة الأدبية هو الأكثر ملاءمة لموضوعات ريما ملحم التي عاينتها في كتابتها، التي تعبر فيها عن مكنونات ثراء تجاربها الحياتية، والاجتماعية، والتطوعية، هذا الجنس الأدبي الذي كاد يفقد هويته بتداخله مع النص القصصي والروائي والحكم والأمثال والنصوص المفتوحة، غير أن الكاتبة هنا، آثرت التعامل مع نقاء الخاطرة في إطارها البكر، دون الإخلال بشروط صياغتها، لترجمة ما تمتلكه من تجربة حياتية ثرية، بلغة رشيقة، وبإحساس مرهف، وبرؤية وازنة، شكلت من خلالها نصوصها من أبسط الأشياء حولها، وبثت فيها تلك الشحنات العاطفية الصادقة بومضة تحاكي البرقية في مساحتها، ولكنها عميقة الأثر في ذات الوقت.

عنوان كتاب «كاندي كرش»، يحيل في أول تفاعل معه إلى تلك اللعبة الرقمية في الفضاء الافتراضي، في إحالة إلى موضوع العزلة الحديثة، باستبدال الألعاب الواقعية، بصور وحركات وتجمعات في جغرافية متخيلة، غير واضحة المعالم، غير أن ريما ملحم في خاطرتها التي تحمل ذات عنوان الكتاب، تعود باللعبة إلى العالم الواقعي، وتكسر هذا الانطباع الأولي باستعارة الإطار الرقمي، وتعمل على تحويله إلى تجربة معيشة، ولعبة على أرض أحد المخيمات في الأردن، حيث تعبر عن ذلك في الخاطرة بقولها «لعبة الكاندي هذه حملتنا في حينها إلى تأسيس فريق عمل مصغر على عجل، وتقسيم مهمات عدة؛ من اختيار قائد للفريق ونائب له، ووضع العهدة بيد طفل ثالث. اخترنا من بيننا مشرفا ومراقبا على عملنا، وتطوع خامس لدعوة أطفال التفوا حولنا بعفوية، لاكتشاف لغز هذه الأكياس»، وتلك الأكياس كانت تحتوي في داخلها الحلوى، ومكان كتابة الخاطرة كان في مخيم البقعة في البلقاء، كتبت عام 2014م، بمناسبة «كسر حصار اليرموك»، وفي سياقات اللعبة كفكرة عند ريما ملحم، فإنها تحضر في البنية العميقة لنصوصها، إن كان مجازا أو تصريحا، كما أنها تكررت عنوانا لنص آخر هو «رقعة شطرنج».

لقد كتبت نصوص «كاندي كراش»، في أمكنة كثيرة، وعلى امتداد سنوات مختلفة، في الأردن، ولبنان، والإمارات، وسوريا، وبريطانيا، والسعودية، في الفترة من عام 2010 حتى عام 2025، مسرح سردها التفاعلي تشكل في المدن حينا، وفي القرى والمخيمات أحيانا أخرى، حيث تناولت فيها موضوعات متعددة، استطاعت الكاتبة من خلالها أن تعيد اكتشاف الأشياء الصغيرة، وتعمل على ترتيبها في سياق مغاير للمباشر العادي، فتُلمّح وتصرّح، وتروي وتواري، تأملاتها الإنسانية التي يتقاطع فيها البعد الذاتي، مع الأفق العالمي، والواقع اليومي مع المجاز الرمزي، بجمل قصيرة مكثفة، عميقة الدلالات والتأويلات.

إن كتاب «كاندي كرش» في مجمله، وعلى امتداد نصوصه، يعلي من قيمة الأمل ومعاني الحياة، وهو حالة كشف واكتشاف للذات الإنسانية والحاضنة المكانية، في مواجهة عالم متقلب مليء بالتحديات والصعوبات والتناقضات

شاهد أيضاً

“دارة هاشم غرايبة” بإربد تعرض فيلم “هموم صغيرة” الذي يوثق سيرته الإبداعية

“دارة هاشم غرايبة” بإربد تعرض فيلم “هموم صغيرة” الذي يوثق سيرته الإبداعية إربد – ثقافات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *