تاريخ الدولة العثمانية: قراءة فى مذكرات الصدر الأعظم كامل باشا

تاريخ الدولة العثمانية: قراءة فى مذكرات الصدر الأعظم كامل باشا

* منال رضوان

 

صدر حديثًا كتاب «تاريخ الدولة العلية العثمانية» للصدر الأعظم كامل باشا (١٨٣٢ – ١٩١٣)، المولود فى مدينة لفقوشة بجزيرة قبرص، قبل هجرة أسرته من بلدة أنامور، أعقبها فى وقت لاحق سفره إلى مصر بصحبة والده، تحديدًا فى عام ١٨٤٥ ليواصل تعليمه، حيث التحق بمدرسة الألسن التى تحولت فى تلك الحقبة إلى مدرسة عسكرية؛ فأسهم ذلك فى دراسته العلوم العسكرية..

ليتابع العمل قصة تعرفه إلى الخديو عباس حلمى الأول (١٨١٣ – ١٨٥٤) تلك العلاقة التى امتدت إلى ابنه إلهامى باشا، ليقدم الكتاب عقب ذلك عرضًا بانوراميًا، نتعرف من خلاله عن أحوال الانكشارية وتفاصيل الصلح بين فرنسا وروسيا، والحرب العثمانية الروسية، وأحوال المماليك فى مصر، ثم يمتد إلى علاقة محمد على وانجلترا، وعلاقته بالدولة العثمانية.. ويلاحظ أن ذلك المنجز السيرى لا يكاد يترك شاردة إلا ومال إليها بتفنيد ممتع، وإيجاز غير مخل، ولعل أهم ما يميز الكتاب أنه على خلاف بعض الدراسات التى أسهبت فى ذكر وقائع، أو اقتصدت فى ذكر البعض الآخر كخلاصة تاريخ الدولة العثمانية لأمير البيان شكيب أرسلان-كمثال- لتقدم رصدًا اشتمل على عمومية الوقائع؛ غير أننا هنا إزاء دراسة أكثر منهجية تتخطى مجرد ذكر الوقائع إلى الفهرسة، والتنضيد شديد الاتساق فى بنيته.

كما يمثل هذا الإصدار استعادة واعية لواحد من أهم المتون التاريخية التى كتبت بيد أحد صُناع القرار فى الحقبة العثمانية المتأخرة. يأتى هذا العمل بتقديم رفيع المستوى، من السفير التركى بالقاهرة، صالح موطلو شن، الذى تجاوز تقديمه مجرد الاستهلال البروتوكولي؛ ليمثل جسرًا معرفيًا ربط بين الماضى المشترك، والحاضر الطموح، مجسدًا عمق الروابط الثقافية والتاريخية التى تجمع بين الشعبين التركى والمصرى.

المؤلفة خلال حفل التوقيع

فى تلك المقدمة التعريفية، برهن السفير صالح موطلو شن على رؤية ثاقبة تدرك الوعى بقيمة التاريخ فى فهم الراهن، حيث استطاع برصانة لافتة أن يربط بين المسارات التاريخية التى خطها كامل باشا، وبين تطلعات المنطقة اليوم نحو الاستقرار والتنمية. وقد تجلت فى تقديمه لغة دبلوماسية راقية ممزوجة بشغف الباحث، إذ أضفى على الكتاب قيمة مضافة بجعله حلقة وصل حية، مؤكدًا أن قراءة التاريخ من مصادره الأصلية هى السبيل الأوحد لتجاوز الصور النمطية لدى الوعى الجمعى، وبناء مستقبل قائم على الفهم المتبادل.

صالح موطلوشن
غلاف الكتاب
ومن أجمل ما جاء فى تقديم موطلو شن قوله: «تتمتع العلاقات بين الشعبين التركى والمصرى بتاريخ يمتد لأكثر من ألف عام، ومن الشخصيات المهمة فى هذا التاريخ المشترك، والتى نتشرف بجمع عشاق التاريخ حولها من خلال الترجمة العربية لكتابه، شخصية القبرصى كامل باشا الذى يحتل مكانة مهمة جدًا فى التاريخ السياسى والعسكرى التركى». أعقب هذا التقديم الثرى دراسة تحليلية معمقة للباحث الأكاديمى محمد عيد، الذى وضع النص فى سياقه التاريخى والسياسى، مفككًا شيفرات المرحلة التى عاصرها كامل باشا، مسلطًا الضوء على التحديات الجسيمة التى واجهت الدولة العلية فى قرنها الأخير.

وقد جاءت ترجمة الدكتورة أسماء مكاوى والدكتورة شيماء عليوة لتنقل روح النص الأصلى إلى العربية بدقة وأمانة، مع وضوح جهد الحفاظ على جزالة اللفظ وعمق المعنى، ما جعل الكتاب ينساب بلغة عربية رصينة تليق بمكانة كاتبه وبأهمية المحتوى التاريخى الذى يقدمه. إن هذا العمل يقدم سيرة رجل دولة تدرج فى المناصب حتى بلغ الصدارة العظمى من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه يقدم رؤية من الداخل للمتغيرات المتلاحقة التى مرت الدولة العثمانية بها، بدءًا من إصلاحات الجيش والقضاء على الانكشارية، وصولًا إلى تعقيدات المسألة الشرقية وعلاقة المركز بالولايات، وخاصة مصر التى قضى فيها كامل باشا سنوات نشأته الأولى.

وبفضل هذا الجهد المشترك بين التقديم الدبلوماسى والدراسة الأكاديمية والترجمة المتقنة، نجد أنفسنا أمام مرجع لا غنى عنه لكل باحث فى شؤون الشرق، كما يستمد العمل أهميته من كونه يصحح الكثير من المفاهيم المغلوطة، ويعيد الاعتبار لمرحلة تاريخية كانت حافلة بمحاولات التحديث والإصلاح وسط عواصف السياسة الدولية.

فسيرة الصدر الأعظم كامل باشا القبرصى، وتلك القراءة التوثيقية فى التاريخ السياسى للدولة العثمانية تعد قراءة شديدة الجذب، لأنها تمر عبر رصد مسيرة إحدى أبرز الشخصيات التى جمعت بين الحنكة السياسية والتكوين العسكرى والثقافى الرفيع، لتقص علينا الرحلة من مولده فى قبرص عام ١٨٣٢م، ثم انتقاله المبكر إلى مصر عام ١٨٤٥م للدراسة فى مدرسة الألسن التى تحولت لاحقاً إلى أكاديمية عسكرية، حيث صقلت تلك المرحلة موهبته فى اللغات وأهّلته ليكون مترجمًا لوالى مصر عباس حلمى الأول، وهو ما فتح أمامه أبواب الترقى فى مناصب الدولة العثمانية -كما أسلفنا فى استهلال المقال-. ثم يستعرض المحتوى رؤية كامل باشا الإصلاحية التى تشكلت نتيجة احتكاكه المباشر بالحضارة الغربية خلال رحلاته لأوروبا، حيث آمن بضرورة تحديث الدولة العثمانية، ودعمها بالعلوم الحديثة مع الحفاظ على هويتها، ويربط الكتاب بين ضعف الدولة فى تلك الحقبة وبين أسباب داخلية تمثلت فى قلة الموارد المالية وتأخر إصلاح الجيش، وأخرى خارجية ارتبطت بالامتيازات الأجنبية التى منحت للقوى الدولية وأدت إلى إثارة القلاقل.

حتى تتوسع الصفحات فى سرد الأحداث المفصلية التى عاصرها، مثل تأسيس فرقة أشكينجى، والاضطرابات التى شهدتها ولايات الدولة فى الروملى وعصيان اليونان وواقعة مورة، وصولًا إلى التوترات العسكرية فى الشام والصراع مع محمد على باشا. كما يبرز الكتاب دور كامل باشا فى إدارة أزمات معقدة فى ولايات القدس وبيروت وحلب، وتدرجه فى المناصب حتى نال منصب الصدارة العظمى أربع مرات، مما يجعله شاهدًا حيًا على منعطفات سياسية كبرى لعل أهمها فى صعيد السياسة الخارجية؛ ليحلل الكتاب صراعات الدولة العلية مع القوى العظمى، وخاصة الحرب العثمانية الروسية وما تبعها -معاهدة أدرنة- التى فرضت واقعًا جديدًا فى البلقان، كما يتوقف النص عند احتلال فرنسا للجزائر عام ١٨٣٠م، مبرزًا حالة الوهن التى اعترت رد فعل المركز تجاه فقدان ولاية فى شمال أفريقية، كما تكشف الوثائق المنشورة والتى أُفرد لها محورا بحثيًا مصورًا فى نهاية العمل، عن رؤية كامل باشا العميقة لـ.. المسألة الشرقية، حيث يعزى فقدان التوازن الدولى إلى ازدياد الامتيازات الأجنبية وتدخلها فى الشئون الداخلية، وسعى الدول الأوروبية الدائم لإبقاء الدولة فى حالة من الضعف؛ كى يسهل السيطرة عليها

أما فى الملف العربى، فيأخذ الصراع مع محمد على باشا مساحة واسعة من التحليل، إذ يستعرض الكتاب محاولات الاستقلال التى قادها والى مصر، وصولًا إلى معركة نزيب، التى كشفت الفجوة العسكرية بين جيش المركز القائم على الولاءات المترددة وبين جيش الوالى المصرى المنظم؛ إذ يرى كامل باشا فى هذه الأحداث اختبارًا حقيقيًا لمفهوم السيادة، ويحلل المراسلات الدبلوماسية التى دارت فى كواليس الأستانة لمواجهة طموحات محمد على التى كادت أن تطيح بالعرش العثمانى لولا التدخلات الدولية المحكومة بالمصالح.

فى النهاية فإن كتاب تاريخ الدولة العلية العثمانية، يظل مرجعًا مهمًا يمنحنا فرصة نادرة لرؤية التاريخ من خلال أعين أحد مهندسيه الكبار.

لتكمن أهمية العمل فى كونه يقدم سردًا نقديًا يغوص فى أسباب الأفول ومحاولات النهوض المتعثرة، بصورة تمكن القارئ العربى من إعادة قراءة فصل أساسى من تاريخه المشترك مع جيرانه، مما يفتح آفاقًا جديدة لفهم جذور التغيرات السياسية المعاصرة فى المنطقة، ويؤكد على أن دروس الماضى لا تزال قادرة على إنارة مسارات الحاضر، شريطة أن تُقرأ بعيدًا عن الانحيازات المسبقة وبروح نقدية منفتحة لا تهدف إلا الخير والنماء والسلام.

  • عن المصري اليوم

شاهد أيضاً

“تواصل” تنظم لقاء عن التوثيق الشفاهي في “بوح القرى” للعدوان

(ثقافات) “تواصل” تنظم لقاء عن التوثيق الشفاهي في “بوح القرى” للعدوان    نظمت جمعية “تواصل” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *