رحلتي بين الأنفاس والكلمات

(ثقافات)

رحلتي بين الأنفاس والكلمات

د. زياد أبولبن

بدأت الكتابة كما يبدأ الغريب رحلته في مدينة لا يعرف شوارعها، بمحاولات شعرية صغيرة، مثل آلاف الذين حملوا القلم قبلّي. كتبت أبياتًا متفرقة، مقطوعات صغيرة تنشر هنا وهناك في الصحف والمجلات، أبحث من خلالها عن صدى داخلي، عن صوت يميزني وسط زحام الأصوات الشعرية الهائل. لكنني سرعان ما شعرت أن الشِعر، بكل جماله وإيقاعه، لن يكون مساحتي الخاصة، لن يكون المكان الذي يمكن أن تتسع فيه رؤيتي.

اتجهت إلى القصة القصيرة، ووجدت فيها فرصة أوسع للتنفس، لمجال أوسع لتشكيل الشخصيات والعوالم والوقائع. لكن تجاربي الأولى، قبل أن أضع مجموعتي “أنفاس مكتومة” و”رائحة الزينكو” على الرفوف، كانت في العمق واقعية وتقليدية، لغة مباشرة، سرد يسير على خط مستقيم. رغم الاهتمام النقدي والعديد من المقالات والدراسات حول هذه الأعمال، لم أشعر أنها تعكس عالمي الداخلي، لم تشبع شهيتي للغوص في عمق الأشياء، ولم تأخذ القارئ إلى المكان الذي أرغب أن يراه.

كان وعيي بالنصوص الأخرى، بما فيها الأعمال الروائية القصصية الكبرى، يزداد كل يوم، ويجعلني أدرك أن كتاباتي تقف عند حدود ما يُقال، بينما العالم ما زال أمامي كله، مليئًا بالتعقيدات والظلال. هنا بدأت رحلة التجريب، لغة مختلفة، أسلوب مختلف، وعمق أكبر في الوعي بالعالم والإنسانية.

ربما كان النقد الأدبي هو المفتاح الذي فتح أمامي أبواب هذه التجربة الجديدة، فقد علّمني كيف أقرأ النصوص بعين مختلفة، وكيف أرى في كل جملة ما وراءها من حياة، وكيف يمكن للغة أن تكون وعاءً للأفكار والمشاعر في آن واحد. كذلك ساهمت مشاركاتي في لجان التحكيم العربية المرموقة في صقل هذه الرؤية، فقد رأيت طاقات قصصية وروائية وشعرية عظيمة، وشعرت بشهيتي تتعاظم للتجريب، للتجاوز، للتعبير بطريقة أخصّ بي وحدي.

كانت مجموعتي “أنفاس مكتومة” نقطة التحوّل الكبرى، اللحظة التي أغلقت فيها باب ما كان، وفتحت أبواب ما سيكون. هنا، لم يعد السرد مجرد ترتيب للأحداث، بل أصبح تنفسًا، شعورًا، رؤية. وهكذا أصبحت تجربتي القصصية، وما كتبته في مجموعتي “رائحة الزينكو”، الشرارة التي أشعلت رغبتي في الكتابة العميقة، تلك التي تعيش في داخل النص، وتعيش معي أنا أولًا قبل أن تصل إلى القارئ.

اليوم، كل نص أكتبه يحمل جزءًا من هذه الرحلة، كل جملة هي انعكاس لصوتي الداخلي، لكل كلمة وقعها ووعيها. لقد تعلمت أن الكتابة ليست مجرد نقل للحياة، بل هي خلق حياة أخرى، حياة تتنفس عبر النص، حياة تتجاوز ما يُرى وما يُقال، لتصل إلى ما يُحس ويُفكر ويُتأمل.

وهكذا، تظل رحلتي مع الكلمات مفتوحة، رحلة تتخطى الشعر والقصة والنقد، رحلة تبحث عن الصوت الذي هو أنا، في بحر اللغة الواسع، وفي صمت الأنفاس المكتومة.

شاهد أيضاً

تجديد الثقة في الدكتور علاء عبد الهادي نقيبًا لاتحاد كتاب مصر

(ثقافات) تجديد الثقة في الدكتور علاء عبد الهادي نقيبًا لاتحاد كتاب مصر، وانتخاب عبده الزراع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *