الرئيسية / خبر رئيسي / بين دفتي سندان

بين دفتي سندان

  • رانة نزّال

هو الدماغ كيلو وأربعمئة جرام، ما لا يزيد عن اثنين بالمئة من حجم الجسم في الوقت الذي يستهلك فيه ما لا يقل عن خمسة عشر بالمئة من طاقته، هناك حيث جنتك أو نارك جملة التفاعلات التي تحصل داخل الدماغ البشري كآلة، والفرق جَليٌّ في اللغة بين الدماغ، حيث ثبّت ابن سينا في كتابه قانون الطّب هذه التسمية المأخوذة من الدمغ؛ لانّ السّهام التي تَدْمغُ الرأس كانت تشجه فيفج منه سائل لين لزج كما الطّعام الذي يُدْمَغُ بالدّسم، ويُقصد بذلك الضّربة الدامغة التي تفجُّ الدّماغ فتقضي على صاحبه ولذلك نقول حُجْةٌ دَامِغَةٌ.

في حين أن العقل هو بيت القرارات التي تنتج عن الكيمياء التي تحدث داخل الدماغ والمرتبطة بالضرورة بالعصبيات التي تمرّر هذه السيالات بين نقاط المشاعر والذاكرة والتفكّر والوعي والتوقعات والانحيازات وكُلّ العمليات العقلية المُعقدة التي تحكم الدّماغ، وفي هذه المنطقة ولها نحن ندين للفنون بخلودها، الفنون بكلّ أشكالها الحرفيّة والإبداعيّة منها، الفنون قاهرة الموت على رأي محمود درويش، وحاضنة الحسرات، في تلك المنطقة ما لا يُفسّر من جنون حيث بكامل قواه العقلية يقف الفنان الهولندي فنسنت فان جوخ ويبتُرُ أذنه اليسرى بشفرة ويلتقطها عن الأرض ويضعها داخل منديل ثم يقدّمها لتلك التي شغفتُهُ حُبّاً.وهو الذي رسم في السبعين يوماً الأخيرة من حياته خمساً وسبعين عملاً فنياً من أبدع ما يكون، خلال وجوده في حقل الربيع، ليخطّ بذات الريشة لوحته الأخيرة «جذور الشّجرة» بكلّ ما حمّلها من مضامين ليودّع الحياة في السابعة والثلاثين من عمره بعد أن أطلق الرصاص على صدره من مسدس صغير أخطأت رصاصته القلب فمنحته ظهيرة ذلك اليوم حتى مسائه؛ ليغادر الحياة بين يديّ أخيه ثيو وليهمس في أذن الأخير قائلاً «على هذه الشاكلة أردت أن أغادر هذه الحياة»، في جذور شجرته لوحته الأخيرة غير المكتملة نقع على حجم الانفعال وعلى هذه العاطفة الجياشة وهي تفيض عبر اللّون وفي التّعبير الذي خملته ضربة الريشة فيها، لعلّها كلوحة احتضنت المعنى الذي كتبه في رسالته لأخيه حين قال: «لقد هوجمت حياتي في جذورها»، وكرّس عقبه وقته لدراسة جذور الشجرة، ليخط قبل ساعات ست من إطلاقه الرصاصة على قلبه بالأصفر، والأخضر والأزرق بدرجاته لوحة الجذور مبشراً بالمدرسة التجريديّة بعده؛ وليودع الحياة على طريقته مساء السابع والعشرين من يوليو لعام 1890م.

فهل أكّدت الدراسات التي جهدت وحاولت ترجمة مثل هذا الجنون عند الفنانين والأدباء على وجود عطل في الدماغ أو خَلل في مسيرة العصبيات التي تمرّر الأوامر والأفراح والأحزان وتصنع بناءً عليها القرارات؟ هل أثبتت اضطرابه العقلي؟ هل خسر عقله بسبب من خلل في دماغه؟

وكثر غيره من القصص الواقعيّة في حياة الكتّاب والأدباء والفنانين والمبدعين؟ أين تتم عملية الإبداع؟ وكيف تتم؟ وهل من علاقة بين ضروب الجنون والإبداع؟ لطالما حاولت دراسات علم الجمال أن تغطي هذه المنطقة وأنْ تتحصّل البشريةُ على أجوبةٍ شافيةٍ فهل أمكنه ذلك؟ هل يستحقُ الفن والإبداع هذا الثمن الباهظ من الأرق الذي يستنزف الدّماغ باستهلاكه لطاقته فيدمغ صاحبه ؟ سؤال مشروع ومفتوح وبخاصة أنّنا وفي الثامن من سبتمبر من عامنا هذا 2020م نشرتْ جريدة الجاردن البريطانية أول مقال رأي كتبه الروبوت الصناعي الذي صاغ المقال كمقال رأي فأين نذهب؟ فهل ظل للفنون من بقيّة ؟ وهل من بقية فينا تحتمل كُلّ ما تصنعه الآلة فينا؟ هل يعقل أن يخطّ الذكاء الاصطناعي رواياتٍ وقصصاً قصيرة وخيالاً علمياً وسخرية سوداء، وواقعية سوداء كما يفعل المبدعون وأكثر؟ هل سنقرأ يوماً عملاً فذّاً كما أعمال ديستويفسكي، وتشارلز ديكنز، وجون شتاينبك، وألبيرتو مورافيا، ومحفوظ وكثر باسم (ساندرا1) الكاتبة الإلكترونية؟ لقد عشنا زمناً ورأينا فيه تقليداً للوحات يطبع ويُعاد نشرها على أنّها شبيهة بالأصل كما الحال في اللوحات التّجاريّة التّي صرنا نشتري عبر مواقع الانترنت؟ فهل يعقل أن يطغى الابتكار على الإبداع ؟ لتّخط الآلة المقالات والروايات ولنقرأ لها؟

 

  • عن الدستور الثقافي

شاهد أيضاً

 بين ألق طمون وربيع عاطوف 

( ثقافات ) بقلم وعدسة: زياد جيوسي     كانت زيارة جميلة قضينا فيها يوما كاملا بدعوة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *