الرئيسية / خبر رئيسي / الشعرُ فطرتُنا الجميلة

الشعرُ فطرتُنا الجميلة

(ثقافات)

الشعرُ فطرتُنا الجميلة

  • د. أماني سليمان داود

تشدكَ العوالم السحرية، وتجد باباً لتدلف منه فتكتشف أن ما وراءه اختبار أو مكيدة أو حقل ألغام، عليك حينها أن تمسك بيدك، وأن تدقق أين تضع قدمك كي لا تنزلق، بمعنى أنك تغدو بمواجهة ذاتك التي يتوجّب أن تجد دربها في ظل الدروب الكثيرة، وصوتها في ظل الأصوات الكثيرة، فتغدو المهمة شاقة ومحفوفة بالوعورة، الوعورة اللذيذة المغوية التي يتطلب منك أن تتحداها ليبين دربك أو لا يبين، هذا يعتمد عليك. القصة شدتني من لثغات الشعر، فكلاهما ينهل من بئر لغوي تتقارب وتتباعد فيه الصور والتراكيب بما يجعل الأمر شائكا حيث ثمة خيط بين الجنسين يغدو رفيعا حينا وقد يغلظ حينا آخر، اخترت القصة القصيرة هذا النوع الشائك الذي لا يمكن التسليم بسهولة أدواته وإجراءاته وبنيته، ولا يمكن الاطمئنان إلى إمكانية بثّ ما نريد بكليته في جسده الصغير، فهو يقوم على الإقصاء لا الإبقاء، والإيجاز لا التطويل، والتعتيم لا الإعلان، والتلميح لا التصريح؛ فسِرُّ التماعه قدرةُ الأديب على سحب القارئ وإيقاعه في شَرَك الحيرة، وإذكاء روح التأمل والتفكر لديه بعد تشويقه وإسقاطه في فراغ الحكاية المنقوصة التي تحتاج من قارئها أن يتممها بما أوتي من ثقافة وتجربة ووعي وخبرة، من هنا دخلتُ القصة القصيرة فهي أردتني في فخاخها من جهتين، جهة حاجتي أن أترك الغنائية التي لا فكاك للشعر عنها وارتباطه بفوضى الروح وآلامها وعتماتها، وحاجتي من جهة ثانية إلى تأمل العالم والتفكر بما حولي بمنظور سردي أقل ذاتية عبر جملة أكثر اتساعا ومرونة لا تتوسل الإيقاع سبيلها الأوحد وإن آمنتُ بإيقاعية خاصة سحرية تتمتع بها القصة القصيرة، وهي من الصعوبة بمكان بحيث لا يتقنها الكثيرون، إيقاعية لا يلزمها الوزن الشعري والقافية وإنما إيقاعية رؤيوية من ناحية وبنيوية تنطوي عليها القصة من خلال التراكيب والألفاظ والتدوير والبدء والقفل وغيرها. هل يمكننا القول: يبدأ المرء شاعرا ثم يهوّد نفسه أو ينصّرها؟! فكأن الشعر فطرته الجميلة التي يتمرد عليها لصالح الأنواع الأدبية الأخرى، فينحاز لسبب ما إلى شكل جمالي آخر، فإن كان مستحقا له أشرع هذا الشكلُ الجماليُّ أبوابه له واختاره نديمه، وفرد له أسراره، وكشف مغاليقه، وإن لم يكن مستحقا له، تركه للزمن كي ينكشف ويذوي ببطءٍ دون أن يأسف عليه، لذا فعملية اختيار النوع الأدبي الذي نكتب فيه أمر أشبه بالحبل الذي يتراقص يمنة ويسرة وينتظر منّا وفق إرادتنا وإصرارنا وجدّيتنا أن نقبض عليه

شاهد أيضاً

إعلان الرباط يرسم مسار معاهدة دولية لحظر الاستخدام السياسي للأديان

إعلان الرباط يرسم مسار معاهدة دولية لحظر الاستخدام السياسي للأديان   احتضنت العاصمة المغربية الرباط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *