الرئيسية / إضاءات / محمد دكروب..سنديانة الجنوب

محمد دكروب..سنديانة الجنوب

(ثقافات)

من قصص الأرشيف: 21

من حكاياتي: محمد دكروب، سنديانة الجنوب

* سهير سلطي التل

(دكروبي) هكذا كان يحب أن اناديه، ولو مرة نسيت وناديته بعمو، للعن سنسفيلي بشتائمه اللبنانية المحببه، وكنت عندما أريد إستفزازه أتعمد مناداته بعمو، فينهمر شلال الشتائم مختلطة بكركرة ضحكات لا تتوقف…..

دكروبي حالة إنسانية صعبة التكرار، معظمكم يعرفه كشيوعي مر، ومناضل مقاوم بكافة أشكال المقاومة، وتعرفونه أيضا كمثقف عميق، وناقد ملتزم لا يشق له غبار، وربما بعضكم شرب قهوته الخاصة، الذي يصر على إعدادها بنفسه، في غرف الفنادق الراقية، التي تستضيف المؤتمرات الادبية والثقافية التي يدعى لها، والتي لم تبهره يوما….. لكني أنا أعرفه بصفته دكروبي …..

دكروبي الحبيب شجرة السنديانة الحمراء، عاش حياته صراعا مع كل أشكال الموت، إنتصاراً للحياة، فعلمني حقيقة الإنتماء، الإنتماء الى قضايا الوطن وفلسطين، والمقاومة، والكتابة……

الكتابة بالنسبة له لا تقل أهمية عن قضية الوطن والحزب، وهو الذي رافق الشهيد المفكر حسين مروة، وتتلمذ على يديه، كما رافق الشهيد مهدي عامل….

ملحمة حياته الثرية زادته قوة على قوة، حتى صار اقوى من الماس، لكنه بشفافيته وبريقه الآسر …

لنعد الى تلك القرية الجنوبية، وذلك الفتى الذي لم يدخل الى المدرسة، فعمل بائعا للفلافل، ثم بتصليح بوابير الكاز، لكن (الحزب) فتحها عليه، فإنتقل الى بيروت ليعمل منظفا في مطبعة مجلة الطريق، كان ينام فيها ويلتحف أوراقها، وفيها تعلم خط الحرف، ومشى في طريق التعليم المر، حتى اصبح رئيسا لتحرير المجلة ذاتها، وكانت أهم مجلة فكرية وثقافية عربية

رافق الشهيد مهدي عامل ومعه وصديق عمره، كريم مروة، خاضا اقسى المعارك الفكرية داخل الحزب وخارجه، من أجل حزب شيوعي مستقل عن الدوغما والإنحراف الفكري……وبفكره وقلمه خاض معه، معارك تحرير لبنان من التبعية والرأسمالية والإستعمار، وذلك كله لم يشغله عن خوض التجارب النقدية ومقارعة النظريات الأدبية بحثا عن حداثة خاصه به…. كما لم يشغله عن العناية باجيال من الكتاب والكاتبات، محبة وتوجيها ونقدا رصينا، ذلك كله تعرفونه، وقد لا اتي بجديد ….

الكتاب والكاتبات الشباب أولاده، ينقد أعمالهم بصرامة لكن بحنية، لم اسمعه يوما يجرّح بتجربة أدبية او فكرية، حتى لو اختلف مع مضمونها، هو يضع ملاحظاته بعد قراءة عميقة ومتكررة للمنتج الذي بين يديه، يقول راية ولا يبالي….

أكبر مشكلاتي معه كانت تتعلق بتوقفي عن الكتابة الأدبية، في كل لقاء لنا يسالني عما كتبت، وقبل أن أجيب يبدا بلعن سنسفيلي لتأخري بتنفيذ وعدي، لم يكن يقنع بمبرراتي عن التفرغ للبحث العلمي، كان يحترم ما افعل، لكنه يصر على ضرورة عودتي لكتابة القصة….

يوم مناقشتي لأطروحة الدكتوراه جاءني من الصباح، وكانه يعلم حجم التوتر والإرتباك الذي اعاني منه، وحزني لرحيل والدي قبل موعد المناقشة بفترة قليلة، الأمر الذي كان ينتظره بحب رحمه الله، رافقني الى الجامعة، شجعني بنظراته طيلة فترة المناقشة التي امتدت لأكثر من خمس ساعات، وعندما إنتهيت وحصلت على الدرجة، وقبل ان يبارك لي ذهب الى أستاذي المشرف وكنت القبه (بشيخ الجبل) وانهمكا بحديث بدا لي طويلا، فدخلت بينهما لأجدهما يتحدثان عن مستقبلي في كتابة القصة، وقد أيده شيخي الفيلسوف، فوعدتهما بكتابة رواية عن بيروت بعنوان ( دكروبي وشيخ الجبل) حضننني بحب وهمس (أبارك لنفسي إبنتي أصبحت دكتورة، الله يرحم ابوك) كانت المرة الأولى التي يناديني بابنتي، والمرة الأولى التي يبكيني بها دكروبي الغالي

ما لا تعرفونه عن دكروبي الطفل الذي في داخله، وسرعة تأثره وإنفعاله العميق بأية حالة انسانية تواجهه، أذكر ليلة كنا نسهر في مقهى على الروشة، فجاءت فتاة صغيرة تبيع الورد، وكان الليل يقارب الإنتصاف، كانت الطفلة جميلة مشرعة لليل ووحوشه البشرية، جن جنونه، أمطرها بسيل من الأسئلة، بعدما اشترى ما تبقى معها من الورد ( هو بالكاد يستطيع تدبير اموره الماليه ) ليدفعها الى اعطائه اسمها ومكان اسرتها، ولم يهدأ حتى عرف، فحملنا الصغيرة في سيارة أجرة( لم يكن يملك سيارة) الى بيتها، وفي طريق العوده من مجاهل حي الكرنتينا الفقير، لمحت دموعا تترقق في عينيه وهو يهمس كم فتاة مثلها بقيت بالشارع….

رعايته لزوجته التي عانت من الشلل الدماغي التام نتيجة خطا طبي، لمدة طويلة، لا تصدق، ولا أظن انني سأقابل رجلا إعتنى بزوجته كدكروبي، اذا التقينا في الخارج يظل على إتصال مع الابنة المناوبة على رعايتها، وما ان يحين موعد مناوبته – وهي الاصعب- ينطلق الي بيته، غالبا ما كنت أرافقه، نحاول انا وبناته مساعدته فيرفض، يحضر الطعام الخاص، يطعمها بطريقة خاصة، وعندما ينجز كل المتطلبات، يجلس الى جانبها، ويحدثها بآخر ما استجد معه، وهو يعلم انها لا تسمعه، ولن تستطيع مبادلته الحديث، عند إشتداد مرضها قسم يومه بين خدمتها وعمله، وكان ينجز معظم اعماله من البيت، نادرا ما يغادره ، كنت ازوره في بيته لنجلس بناته وانا نراقبه، وهو يحدثها او يقرا لها باللغه الروسية، لغتها الام، مع انها كانت تجيد العربية، ومع كل المه وحزنه، لا يفارقه حس الفكاهة فعندما اعلق على اللغه الروسية، يجيب (بدي اغازل مرتي على راحتي وانتي ليش غرتي)

دكروبي كان أبا ومعلما وصديقا، رحيله كان صعبا علي بشكل استثنائي، فبعد فقدان والدي شكل دكروبي حضن الأمان والثقة التي إفتقدتهما……

شاهد أيضاً

جابر عثرات الثقافة..وداعاً

جابر عثرات الثقافة .. وداعاً د. نبيل حداد كنت وما زلت مأخوذا ومفتوناً، بعطاء جيل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *