الرئيسية / خبر رئيسي / هل كان المتنبي عنصرياً؟

هل كان المتنبي عنصرياً؟

د.حاتم الصكَر

  1-

لا تزال قراءة الشعر حتى  التراثي منه تتم بطريقة تُجرده من المجاز الذي هو أساس افتراقه عن النثر والكلام غير الشعري.وتهتم بتأويل عباراته وفق فرضيات إجتماعية أو سياسية خارجية ، بعد قطْعها من سياقها.يحصل هذا في قراءات معاصرينا ،والحداثيين منهم أيضاً و المستنيرين بالمناهج النقدية  الجديدة  التي تهتم بالنص وسياقاته وصوره وإيقاعاته  والمنتمين للنقد الثقافي بنسخته العربية ! يجارون في قراءاتهم الضدية في الغالب تلك القراءات التقليدية  المكتفية بما يشاع في الأخبار والروايات ، بعد هجرهم لجماليات النصوص وإعلانهم انتهاء صلاحيتها.. و يتم كذلك إسقاط الإيديولوجيا على النصوص . بفكِّها عن ظرفيتها، وما أحاط بها من سياقات وأعراف. فشعر المديح مثلاً لا تصح قراءته بمفاهيم عصرنا الباحثة عن استقلالية الشاعر أو الكاتب ،و ما يلائم ما وصل إليه عصرنا من رقيٍّ في أخلاقياته وأدبياته ،..فالخلفاء وبلاطاتهم وولاتهم ومجالسهم كانت هي المنبر الوحيد الذي يجري فيه إشهار الشاعر وانتشاره. وهذا ما حصل في قراءة شعر المتنبي بكونه واحداً ممن تتجلى عبقرية اللغة العربية وجمالياتها من خلال نصوصه.فقد اتهمه القدامى بتهم عدة ؛ منها صلة حِكِمه بأقوال أرسطو واقتراض معانيها منها، وبالكفروادعاء النبوة ؛ لأنهم رفعوا غطاء المجاز عن أبيات له،كقوله: أنا تِرْبُ الندى وربُّ القوافي     وسِمامُ العِدى وغيظُ الحسودِ أنا في أمّةٍ تداركَها اللهُ غريبٌ كصالحٍ في ثمودِ   إذ لم يركزوا على شعوره بالغربة، واستعانته بالتشبيه، بل ذهبوا إلى معاني الأبيات المباشرة .

2-

و المفارقة الأشد اتهام المتنبي بأنه طامع بالحكم والمال، وأنه لا يعدو أن يكون  شحاذاً، وأن شعره ليس إلا وسيلة للتكسب والإستجداء.كما عدّوا مدح نفسه وافتخاره بها نوعاً من النرجسية المتضخمة والتكبر والتعالي ..فالصور في تلك القراءات الإختزالية والإسقاطية  تكون عندهم بمنزلة الحقائق، ويجري الخلط بين الواقعة الشعرية المعبَّر عنها بالخيال ، والواقعة الخارجية التي تُحيل إليها دلالة النص. وتتم محاكمتها منطقياً بالصدق والكذب اليومي في الحياة ، لا بموقعها أو وظيفتها الشعرية القائمة على تقريب المعاني بالتجسيم و الخيال ، كعنصر أساسي في الكتابة الشعرية.. فتأكيد المتنبي على أناه وافتخاره بنفسه يمكن أن يُقرأ سياقياً جزءاً من التنافس والتدافع للحظوة والشهرة والإنتشار .وهوحق للشاعر في سياق انعدام وسائط الإنتشار التي نعرفها. والخصومات والعداء الذي قوبل به حيث حلَّ. وتفسير أو قراءة الأنا الشعرية لدى المتنبي وسواه من الشعراء بكونها أناهم فحسب وعائديتها على الشاعر فقط، هو خطأ كبير يزيل رمزية الأنا النصية ودلالاتها السياقية.فلماذا لا نقرأ افتخار المتنبي بكونها إعلاء لموقع الشاعر- أي شاعر- وسط زحام الأنوات القبلية مثلاً؟.

3-

كما أن القراءت غير المجازية والمتخفية بمسمى النقد الثقافي دون استيعاب مراميه وستراتيجياته، تسهم في إشاعة مثل هذه القراءات.فهي تركز على عنصرية المتنبي مثلاً، بأبياته المنتزعة من سياقها ، و المحكومة بظرف وواقعة محدودين ،هما علاقته بكافور الإخشيدي الذي اختلف معه، وأحس أنه يرتب له مكيدة كما يقول في شعره عند فراره من مصر، فبالغ في ذمه بما يعادل فرحه بالنجاة من الهلاك المحتمل. وبما يفهم بكونه معادلاً صورياً لمدى غضبه، كأي إنسان يفلت من خطر مميت. لنقرأ مثلاً قوله في هجاء كافور: العبد ليس لحرٍّ صالح بأخٍ     لو أنه في ثياب الحر مولودُ أليس المقصود هنا تعميم العبودية حتى لو جاءت ممن تلبسوا بثياب الحر، لكنّ فيهم عبودية وذلة وتصاغراً، يرفضها المتنبي في الإنسان الحر الممتلك للإرادة . وفي لوحة معقدة الدلالة يفضل كافور في فترة مدحه له ،على أبناء سام بن نوح من البيض.وكان الإعتقاد أن النسل الأبيض هو نسل سام، والأسود من نسل حام: ومِن قولِ سامٍ – لو رآك – لنسْلِه   : فدى ابنِ أخي نَسْلي ونفسي وماليا وذِكر المال لدى المتنبي كثير، فشاعت مقولة  أنه متكسب – رغم أن الشعر كان تكسباً مشروعا  تلك العصور، فيكافأ الشاعرعادة عن قصائده بعطاء.

4-

نعم .من الممكن لنا بسهولة العثور على أدلة تؤكد تشهير المتنبي بكافور لكونه عبداً للإخشيد، ولكن تلك القراءات تهمل الجانب النفسي، ورد الفعل في سياق الواقعة الهجائية (التي تشي بعنصريةٍ وذمٍ للعبيد).وهي في القراءة الأدبية لا المعنوية الخارجية ذم للعبودية بمقابل الحرية. والعبد هنا ليس كافور بما أنه في عصر العبوديات والرق عبد سابق وأسود البشرة ، بل المقصود بالهجاء كلّ من لا يمتلك إرادة وقدرة ذاتية في اختيار الحرية ، ويتبع المتسلط والمهيمن .  ودليلي على ذلك أن المتنبي في فترة مدح كافور في القسم الأول من علاقته به ذكر سواده ميزةً له ،لا عيباً فيه.فوصفه بأنه ( شمس منيرة سوداء) يفوق الشمس الطالعة على الناس ضياءً.وهو عامدٌ ذكرَ الضياء لبياضه وتكشّفه.فكرره في البيت التالي. وإذا كان كافور قد حُرم البياض في جلده ،فإن بياض النفوس خير من ذلك.بل جعل الملوك البيض يتمنون لو استبدلوا بثيابهم البيض ذلك السواد: تفضح ُ الشمسَ كلما ذرَّت الشمس ُبشمسٍ منيرة ٍ سوداءِ إن في ثوبك الذي المجدُ فيهِ     لَضياءً يُزري بكل ضياءِ إنما الجلدُ ملبسٌ وابيضاضُ النفسِ خيرٌ من ابيضاضِ القَباءِ مَن لبيضِ الملوكِ أن تُبدلَ اللونَ بلونِ الأستاذِ والسّحناءِ وشبهه ببلاغة متناهية بأنه بمنزلة إنسانِ عين عصره ،وهو البؤبؤ الأسود في بياض العينين، والمآقي وهي زوايا العيون. بينما البؤبؤ أهم جزء في عملية البصر.وزاد على ذلك أن عرّضَ  بسيف الدولة الذي فارقه للتو، وأوحى بهجره له كما يهمَل بياض العين في مقايسته بسواد بؤبؤها: فجاءتْ بنا إنسانَ عينِ زمانِه          وخلَّتْ بياضاً خلفها ومآقيا وكيف يذكر المتنبي لقب كافور(الملك الأستاذ ) إذا كان عنصرياً يصنف الناس وفق أصولهم أو ألوان بشرتهم؟وهو يعلم بسواده وعبوديته حين كان مملوكاً كرقيق في بلاط الإخشيد، قبل أن ينال حريته، وفق أعراف العبودية المتداولة آنذاك؟   وزاد في التعريض بسيف الدولة خارجاً من العتاب إلى الهجاء ،حين ذكر أن الفحول البيض عاجزةٌ عن الجميل، فوجدعذراً لكافور كونه نشأ في قيود العبودية . وفي القصيدة نفسها قرر أن  الموزاين مقلوبة فالحر مستعبد، وهذا دليل تفسيره للعبودية لا باللون، بل بالتبعية الذليلة.

5-

أريد من هذا الدفاع عن سياق النصوص  التنويه بأهمية القراءة الأدبية التي يراد  تهميشها ، والتخلي عنها كآلية أو وسيلة جمالية،بآسم موت النقد الأدبي ، وقيام النقد الثقافي على أشلائه- لا أفهم لماذا هذا الإستبدال النسقي في فكرنا العربي: ( إما .. أو..) ، وكأن الحياة لاتتسع إلا لواحد في الفكر والفن والأدب ،كما في الحكم والسياسة.  فالقراءات (الثقافية) تهمل السياقات الفاعلة في نشأة النسق.فلا تفحص  سياقات المجتمع وتدين سلوكه وأعرافه ،قدر رجمها للشعر والأدب عامة.. تذكر دراسة عن الديستوبيا الروائية المعنية بتخيل المدن الشريرة أو العنيفة، أنّ راي برادبري كاتب رواية ( فهرنهايت 451) وهي الدرجة التي تحترق فيها أوراق الكتب، لم يكن راضياً عن قراءتها سياسياً، بل كان يحذِّر من غزو التلفزيون والمرئيات بديلاً للكتاب.لقد تأولت القراءات مرمى العمل بعيداً عن دلالته.ولكن لا ضير هنا، فهذا تأويل ممكن برابط الشبه أو المقارنة بين الحالين.لكن أي عذر لمن يختزل  شاعراً كالمتنبي في خصومة عابرة، وواقعة حياتية مؤلمة، عبّر عنها بما ملكتْ يداه ومخيلته من قصيد؟ ولماذا لا تفحص طريقته لسانياً و( كيف) أوصل مراده؟ ولمَ لا يمكننا أن نورد من السياقات المؤطِّرة للخصومة ،ما يذهب تأويلياً إلى حقيقة بحث المتنبي عن حريةٍ ،طلبها لنفسه وللإنسان عامة؟!

شاهد أيضاً

جابر عثرات الثقافة..وداعاً

جابر عثرات الثقافة .. وداعاً د. نبيل حداد كنت وما زلت مأخوذا ومفتوناً، بعطاء جيل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *