الرئيسية / خبر رئيسي / أنا ودوريس ليسنغ و العشب يغني !

أنا ودوريس ليسنغ و العشب يغني !

أنا ودوريس ليسنغ و العشب يغني !

لطفية الدليمي

تعرفت الى روايات دوريس ليسنغ عام 1978 عندما كنت أدرس اللغة الانكليزية وآدابها في كلية غولد سمث جامعة لندن ، وهي من الكتاب الذين أحدثوا تغييرا أساسيا في رؤيتي للكتابة والحياة معا ، وقرأت أعمالها بالانكليزية قبل أن يترجم الدكتور محمد دريش روايتها ( مذكرات من نجا ) الى العربية والتي صدرت عن دار المأمون وكنت الأحق كل مايكتب عنها في الصحف الأجنبية وملاحق التايمس الأدبية وملحق النيويورك تايمس لمراجعات الكتب.

وفي عام 2010 طلبت مني الصديقة العزيزة الروائية ميسلون هادي -دون علم مسبق منها بأني معنية بأدب دوريس ليسينغ – أن أقدم العون لابنتها الباحثة الشابة هنادي نجم عبدالله لأنها تحضر للماجستير – في الادب الانكليزي بجامعة اكستر عن موضوعة (( أوضاع النساء – بين روايات لطفية الدليمي ودوريس ليسينغ- دراسة مقارنة )) وقد حصلت الموافقة على عنوان الأطروحة بعد أن اطلع المشرف على سيرتي الادبية وعدت أعمالي موازية ومكافئة لاهتمامات ليسنغ بالشأن النسوي والقضايا الانسانية العامة، دهشت حينها وأنا أردد : يا الله كم العالم صغير ومتصل بخيوط لامرئية ؟ وكم نحن مظلومون في أوطاننا حين يحاول البعض ممن يجايلنا إغماض العين عن منجزنا بنزعة ذكورية تفصح عن ثقافة ضحلة ومروءة مفقودة .

كان صباحا ماطرا في صيف لندن عندما اشتريت من مكتبة شهيرة قرب شارع أوكسفورد رواية ليسنغ ( العشب يغني) ، وكانت الرواية مدرجة في منهاج دراستنا في الدورة التي رشحنا لها المعهد البريطاني في بغداد لتجويد لغتنا الإنكليزية والتعرف على آدابها في كلية غولد سمث- جامعة لندن سنة 1978، كما كانت ضمن المقررات بعض سونيتات شكسبير ورواية إيريس مردوخ التجريبية الرائعة (الأمير الأسود) ومسرحيات توم ستوبارد التي حضرنا عرضا لإحداها في مسرح لندني.

كان غلاف الطبعة الشعبية لرواية ليسنغ الأولى ( العشب يغني ) من دار (بنغوين) بسيطا وموحيا: صورة فوتوغرافية ملونة يغلب عليها اللون البرتقالي لأعشاب بسنابل رقيقة تتماوج في الريح أمام منزل ذي طراز كولونيالي في بيئة أفريقية ساخنة. امتزج هذا المشهد الساخن لديّ بوجه دوريس ليسينغ ونظرتها العميقة وتعاملها الجريء مع الاضطهاد العنصري وأوضاع النساء في عصرنا فهي نموذج فريد بين الكاتبات اللائي أحدثن تغييرا في حيوات النساء حول العالم منذ الستينات والسبعينات، وأنا واحدة منهن، فهي من طراز الكتّاب المحرضين ذوي المواقف المباغتة والمتحولة القادرة على تحريك الأجواء وإشعال الشرر وإدهاش الناس، بقيت دوريس لأمد طويل تعرف بأنها أيقونة الحركات النسوية، وبخاصة في كتابها الشهير (المفكرة الذهبية)، لكنها كانت تنتقد النساء بطريقتها الخاصة حتى عرفت بأنها كارهة النساء المفضلة لدى الحركات النسوية عندما أنكرت نزعتها النسوية علنا ، ووجهت اللوم لراديكالية الحركات النسوية.

تعد رواية (العشب يغني) عملا رائدا ضد الظلم والعنصرية وبلادة حياة المستعمرات في روديسيا وأوضاع النساء فيها من وجهة نظر كاشفة للتناقضات وأصل الصراع القائم عايشت ليسنغ التحولات الكبرى في القرن العشرين،وقد اقتبسن عنوانها من قصيدة إليوت ( الأرض الخراب:

في هذه الحفرة المتحللة بين الجبال

تحت ضوء القمر الشاحب يغني العشب

وجدت لسينغ نفسها في خضم تناحر الآيدلوجيات الكبرى، وصدمت بالايديولوجيا التي آمنت بها ردحا من الزمن وتخلت عنها ، ثم عايشت التفرقة العنصريةوواجهت النازية وسخرت من التقاليد الانكليزية ولم تأبه بمن انتقد تحولاتها فقد آمنت بأن الحجر وحده هو من يعجز عن التجدد بينما تتغير مياه الانهار الحية كل لحظة . ( نالت دوريس ليسينغ نوبل للأدب سنة 2007 وتوفيت 2013)

*دراسة مقارنة : اوضاع النساء بين روايات لطفية الدليمي ودوريس ليسينغ -للباحثة الجميلة هنادي نجم عبدالله – في جامعة اكستر البريطانية

شاهد أيضاً

عائشة البصري: لن ننسى بسهولة هزيمتنا أمام فيروس صغير!

* عماد الدين موسى عائشة البصري شاعرة وقاصة وروائية مغربية، عضو الجمعية الدولية للنقد الأدبي (AICL) في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *