الرئيسية / خبر رئيسي / رواية”اليوم خلع عني الملك” للشاعر حافظ محفوظ :متعة السرد

رواية”اليوم خلع عني الملك” للشاعر حافظ محفوظ :متعة السرد

(ثقافات)

رواية”اليوم خلع عني الملك” للشاعر حافظ محفوظ :

متعة السرد

بقلم:هنيدة بن ضيف الله

يروق لي أن أقرأ كل صنوف الكتابة، لكن للرواية مكانة خاصة، أبحث عن الروايات وأجد متعة في متابعة أحداثها والإطلاع على نمط القص فيها. حكايات لشخصيات وأماكن وشعوب تؤنسنا و تقول لنا أشياء لا يقولها لنا الآخرون. إلا أنني لا أستمر في قراءة أي رواية إلا متى شدتني أحداثها وانسجمت مع شخوصها.

وهذا ما وجدته بامتياز في رواية “اليوم خلع عني الملك” للشاعر والروائي “حافظ محفوظ”. رواية في 131 صفحة من الإمتاع والحياكة الجمالية والإبداعية.

تبدأ الرواية بمشهد حوى حدثا بسيطا: الراوي في شرفة بيته يراقب طفلين يلعبان الكرة، افتك أحدهما الكرة من الآخر. يعتقد الراوي أن من افتك الكرة وهرول بعيدا هو صاحبها وهو من تعاطف معه الكاتب وشجعه في نفسه على المقاومة، لكن بعد التحاقه بالطفل الذي بقي يتلوى في الشارع لإسعافه يكشف زيف أحكامه: لم يكن ذلك الذي فر الضحية بل كان الجاني، رغم براءة ملامحه، لقد إفتك الكرة من صاحبها وهرول بعيدا تاركا صديقه في حالة يرثى لها. يعود الراوي “شمس الدين غانمي” الموظف بالوكالة الوطنية للتراث إلى شرفة بيته، كم كان نادما على أحكامه الزائفة، أحكام صورها له عقله المخدوع، حتى أنه لام نفسه على هذه الأحكام و أوصاها بعدم الإهتمام بالآخرين و التدخل في شؤونهم، لعل ذلك هو حالنا في لعبة أوسع سيكشف عنها الكاتب: إنها لعبة السياسة حيث يرتدي السياسي الماكر ثوب الصلاح والمصلحة العامة وتنطلي الحيلة على العامة.

في الصفحتين الرابعة والخامسة يحدثنا “شمس” عن البناية التي يسكنها. عمارة ب”لافيات” تلك المنطقة بالعاصمة تونس سكنها أولا اليهود وفي شرفة شقته الموجودة بالطابق الثالث وجد نفسه مجبرا على الجلوس في كرسيه لساعات يتابع حركة المارة في نهج “مصر” أول نهج في منطقة “لافيات”، جارته في الطابق السفلي يهودية تعتبر أن تونس هي أرض الميعاد بالنسبة لها وأنها لن تغادرها مهما حصل، زوجها جزار “كشير” أي حلال. هذه المرأة جزء من الذاكرة الوطنية تطبخ الأكلات التونسية وتحفظ تاريخ البلاد وولاؤها لهذا الوطن فقط، هذا ما تعلنه هي على الأقل. يواصل الراوي إعطاءنا صورة عن تبوغرافيا “لافيات” التي تفتح على شارع بورقيبة وفيه الكنيست اليهودي.

“إلياهو” صاحب محل الجزارة يقول للراوي “التونسيون أذكى عباد الله ولكنهم من أكثر عباد الله كسلا” و”شمس” على شاكلة كل التونسيين غارق في كسله يجلس بعد جلسته الأولى في الشرفة جلسة أخرى في أريكته يتابع برامج التلفزة أو يقرأ كتبا معادة دون أن يتمها كعادته أو يسرح في السقف يبحث بخياله عن رسوم. المعيش اليومي، التكرار والرتابة، ذلك هو نسق حياته إنه السكون في الزمن. يمر الزمن أما هو فعلى حاله مخدوع يعتقد أنه على قيد الوجود، أنه يحتل مكانا في الفضاء الذي ينتمي إليه والحال أنه كائن هلامي على هامش الوجود، رجل ترك قدره لزوجة حرمته أن يكتشف معنى الحياة وقيمتها، زوجة لجوج تجمع مالا و تعدده لتضمن مستقبل أبناء لم يأتوا أصلا. بعد الإنفصال عنها ما تغير وهل يتغير فارغ اللب والكيان؟ حتى لما وهبه الزمن تلك التي تعطي للحياة رونقا وجمالا وتملأ حياته عشقا وفرحا، سمح للقروش بافتراسها، ما استطاع الحفاظ عليها أو حتى التعلم منها معنى أن يكون للحياة معنى. إنها صديقته “عزة” وهي من العزة كما يتراءى لنا. لقد ترك الخوف والمجهول يأكلانها في سفارة حالها مفزع مريب لم يكلف نفسه يوما أن يسألها: “أي سفارة تلك التي تعملين بها؟”

يصور لنا الكاتب ببراعة هذا الكائن الهلامي: إنه “شمس الدين غانمي” المختص في التاريخ القديم والذي يعمل ب”الوكالة الوطنية للتراث” عمل روتيني به يمضي وقته ووقته يمضيه ويفنيه. صورة هو للإنسان المعاصر الملتف بشرنقة، ذات نواتية وحيدة تكاد تكون دون جذور والأكيد أنها دون فروع ولا أوراق. هل تراه صورة لإنسان غافل عن تاريخه مع أنه المختص في التاريخ؟ وهل التاريخ مجرد مادة للدراسة أم التاريخ هو محض تشكل وعي الذات بذاتها؟

هكذا شاء لها محركو الواقع أن تكون ذاتا معزولة وهي في هذا الحصار ضيعت مقومات ذاتيتها لتدخل ضمن الدائرة المفرغة: ذات تقوم بمهامها وتلزم مكانها. هكذا يدقق “حافظ محفوظ” ملامح شخصيته الرئيسية في روايته.

بعد فشل زواجه وطلاقه ليس مستعدا للإلتزام ولا للتضحية براحته الشخصية يدخل في علاقات عابرة للتسلية ربما أو لإفراغ خزان التوتر في نفسه. لقد فقد التزامه بعد أن كان الباحث المتميز في مجاله في الجامعة يقول عن نفسه في الصفحة 66 من الرواية: “الحق أني أضعت التاريخ والمستقبل معا”

ما الذي سيحدث ويغير مسار حياته، بل سيغيره من الداخل؟

مجموعة من الرسائل يلقيها بين يديه صديقه “الدكتور خياط” زميل العمل في الجامعة: رسائل “الشاذلي باي” إبن “الأمين باي” آخر البايات الحسينيين إلى أخته الأميرة “ليليا” المهاجرة إلى فرنسا. رسائل مكتوبة بقلم حبر أسود على أوراق بيضاء فيفتح لنا دروب التأويل لأجل الفهم، على أطراف الصفحات رسومات بلا دلالة (ورود، عصافير، سفينة شراعية، وجه فتاة مبتسمة…) إنها تلك الإيحاءات فخلف كل ما يكتب شيء ما لا تقوله ولكنه مع ذلك يعلن عن نفسه لمن يمتلك حسا وعقلا.

“الشاذلي باي” ولي العهد يكتب من بيت منوبة هذا البيت الذي أخفاه “الأمين باي” عن عيون المتطفلين، أراده ملاذا في أوقات الشدة والخطر وسماه على اسم زوجته إنه بيت “جنينة”، تكريما لها، امرأة من عامة الشعب بينهما حب ومودة ورحمة تنطق بها كلماتها له وكلماته لها وعنها.

في الأثناء وعند إقامته في هذا البيت يبصر “الشاذلي” خيالات الجميع وكأنهم أمامه، إنه التاريخ الحاضر معنا، إنه لا يموت أبدا يبقى مؤثرا فينا. يراهم جميعا: عائشة وخديجة وصوفية وزكية وزليخة وفاطمة وكبورة وهادية وليليا ومحمد وصلاح الدين وعز الدين.

“الأمين باي” أخفى في هذا البيت المخفي عن العيون أشياءه الثمينة والتي تعز عليه، لقد تنبأ هو نفسه بزوال ملكه وبإمكانية قتله كما فعلوا بولي عهده “عز الدين” في 1 جويلية 1953. لقد إغتاله “الهادي جاب الله” بأمر من الحزب الدستوري الجديد.

في رحاب قصر قرطاج عاشت عائلة الباي وهو في الأصل قصر “ألبار بسيس” اليهودي منه اشتراه الباي ب400 ألف فرنك سنة 1922 “قصر البحر والنسمة”

أيام الرخاء والدفء قضوا أوقات لا تنسى، صورة جديدة لعائلة مالكة، الكتابة هنا علها نفض الغبار أو إيضاح لصورة كانت غير واضحة أو رافقتها أوهام الشعب وتأويلاته.

هكذا رسم “الشاذلي باي” صورة العائلة في حنين وشوق لماض لن يعود.

أشباح الماضي التي تعيش مع الأمير “الشاذلي”: وجه أمه، حركاتها، خصالها، أخته “زكية” وحكايتها مع الشاعر “عبد الرزاق كرباكة”، إخوته ومميزاتهم واحدا واحدا. أحداث تخص تولي السلطة من قبل “الأمين باي” عن مقاومة “الفلاقة” للمستعمر وعن التدخل الفرنسي والظلم القادم معه.

لقد شدت رسائل “الشاذلي باي” “شمس” ما عادت له القدرة على تركها كما غيرت عاداته، الأمر أقوى من منعه وصده، كذا هذه الرواية كم تشبه رسائل “الشاذلي باي” إلى “ليليان” مليئة بالحنين بالزمن الذي يسكننا. رسم الماضي في حب وحيرة بشأن الحاضر والمستقبل. يتلاعب بنا الكاتب فإذا نحن شموس تشبه شمسه بطل الرواية وتستبد بنا فلا قدرة لنا على تركها إلا بعد الوصول إلى نهايتها. لكن الكاتب لا يحب النهايات لكن هل هو الكاتب أم بطله الذي لا يحب النهايات؟

زميله “الدكتور خياط” لم يسلمه كل الرسائل أخبره أن بقيتها سيسلمها له “منصف الحسيني”. يسلمه هذا الضخم بقية الرسائل في موعد بأحد المقاهي القريبة من عمل “شمس” سيعلم فيما بعد أن هذا الضخم هو أحد أحفاد “محمد الأمين باي” يدعوه إلى بيته وهنا نقطة تحول جديدة في حياة الراوي عند ذهابه للمأدبة ضيفا زوجة “منصف الحسيني” “نبوية” الجميلة المشاكسة.

في الأثناء يطلبان منه تأليف كتاب عن “الأمين باي” والعائلة الحاكمة. إنها الورطة بالنسبة إليه. أنى له أن يكتب سيرة الباي وعائلته؟ بعد الاستقلال يجرد الباي العاجز من كل ممتلكاته ومع ذلك مازالت السلطة الحاكمة تصر على أن للعائلة كنزا لا بد من البحث عنه لكن التحقيق مع زوجة الباي “للا جنينة”.

وتعذيبها باء بالفشل لا كنز للعائلة إلا “جنينة” ذاتها التي أهينت ونكل بها وبكرامتها لأن الباي مشلول ولا يمكن التحقيق معه. عذاب هذه المرأة لما تجلى للباي قال “اليوم خلع عني الملك” إنما الملك كرامة وعزة متى أهينا انتفى وضاع.

يقبل تأليف الكتاب على مضض، إنها مهمة لا عهد له بها. نظرات “نبوية” ودلالها يحفزانه على المضي قدما. لقد عشقها من اللقاء الأول من النظرة الأولى. هي الحياة التي متى عشقناها حثثنا الخطى وراءها، بان لنا جمالها، ألقها فلا نفرط فيها، تلاعبنا وتباغتنا ولكننا نحبها حب عاشق ألغى عقله ولكنه أسس لوجوده معنى، شيئا ما له قيمة في حياته يجعله يغامر من أجله ويغمره سعادة. على أني بتأويلي هذا أخشى أن أكون بصدد مقاطعة الكاتب فيهجره “الجني الأسود” قاص الحكايات، ذاك الذي يزور “عزيزة الكحلة” في حكاياتها.

حيث يؤكد حافظ محفوظ في بداية الرواية أنها من وحي الخيال، لا حرمنا الله من جني الحكايات الأسود أو الأبيض أو أيا كان لونه، فما عسانا نصنع دون حكي وقص، دون دروب خيال تتأصل في الواقع وتحلق بعيدا في مسارات الإبداع. فهل كانت لهذه الرواية نهاية؟

لا فالراوي يعلن ما أضمره الكاتب: إنه لا يحب النهايات وهل لهذه اللعبة نهاية؟ لعبة الخادع والمخدوع، اللاعب والمتلاعب به، الظاهر والباطن، هكذا هي لعبة السياسة والحياة تغوينا، نظن أننا نفهمها، ندرك تفاصيلها ولكن هيهات يتاح لنا ذلك، إن اللعبة أكبر منا بكثير ونستحيل جراءها قطع شطرنج على الرقعة. مع ذلك نأمل في الحياة متسعا وفرصة وبهجة، عاشق يترك عاداته القديمة لكي يبني له عادات جديدة علها تكون بوابته للإبداع وتجاوز واقع أغلق السبل أمام بشر غرقوا في عاداتهم ونسوا أن لهم القدرة على رفع رؤوسهم لرؤية الحقيقة. هذا الكلام عن الكلام مهمة صعبة لعلها كتلك التي أوكلت ل”شمس”.

“شمس” الذي يعد نفسه ويضعها ضمن خانة الفاشلين: إحدى عشر فشلا يذكرها واحدا واحدا عبر الاسترجاع:

– الفشل في استرجاع الطفل الذي كان منطلقا أبدا لا توقفه عقوبات الجدة

– الفشل في نسيان أحداث الماضي

– الفشل في فهم الرياضيات

– الفشل في قول كلمة “لا”

– الفشل في إكمال قراءة رواية أو مشاهدة مسرحية أو فيلم.

وغيرها. كائن يتلذذ الفشل ويبقى فيه، تراه ينجح اليوم في تجاوزه عبر فعل الكتابة: كتابة عن العائلة الحسينية؟

أليس “الوعي أولا الذاكرة” بعبارة “برغسون”. لا مجال للتقدم قيد أنملة دون تكثيف للماضي في الحاضر استشرافا لمستقبل ممكن.

هنا نستدعي من جديد عبارة “برغستون”: “إن وعيا لا يحتفظ بشيء من ماضيه ولا ينفك ينسى نفسه سيتلاشى وسينبعث في كل لحظة”.

إنه الزمن ذاك الذي يسكننا ويترك آثاره فينا على ملامح وجوهنا تجاعيده ندوباته حينا ووهننا وعذاباتنا وأمراضنا حينا آخر أو كلاهما معا. إنه في الرواية تجلى في صيغة الحاضر “الآن” ولكنه مخاتل هذا الحاضر يجري دون هوادة إلى ما يليه إلى المستقبل، إنه لحظة التوثب إلى التجاوز. شمس كان حاضره ساكنا هادئا كبحيرة لا تتجدد مياهها متى عاد إلى الماضي إلى ذكرياته (الزمن الذاتي) كثر سخطه واستياؤه: طفولته وغياب والده، شبابه والزوجة التي ما استطاع أن يتواءم معها أو ينسجم، فشله المتكرر الذي تحدثنا عنه. عزة وتفريطه فيها دون أن يحرك ساكنا. ماض لا مجال لأن يفرز حاضرا خصبا بل الجدب لا غير، جدب لا يرجى منه

توثب للحظة قادمة تكون أفضل لكن شيئا ما في الحاضر غير مجرى حياته: إنها رسائل “الشاذلي باي” وحب “نبوية” ومشروع كتاب عن الماضي عن العائلة الحسينية. وهنا ما عاد الزمن زمنا بالذات، لنسمه إذن “زمنا موضوعيا” وهنا يحفر الكاتب عميقا في الذاكرة التونسية بعيدا عن الأحكام المسبقة والتاريخ المكتوب والتاريخ الملقن، إنه حفر بالمعنى النيتشوي نفض الغبار عن الماضي، البحث في الأصل. وهنا تتجلى لنا صورة عن هذه العائلة الحاكمة غير متوقعة النية للكاتب تترك لذة اكتشافها والاستمتاع بتفاصيلها. ومن زمن الدولة الحسينية يمر الكاتب ليضيء ملامح زمن النضال ضد المستعمر وانتقال الحكم لبورقيبة بعد أن كان رئيس آخر حكومة للباي “محمد الأمين” وتولى بورقيبة هذا المنصب في 9 أفريل سنة 1956 وعملت هذه الحكومة لسنة واحدة. عله الإنقلاب على ولي نعمته أو انقلاب على نمط الحكم الملكي، لكن هل مات الملك والملوكية أم تحولت لتلبس ثوب الرئاسة مدى الحياة. هل يحيلنا هذا الزمن الموضوعي على لعبة القدر الزمن الذي يعيد نفسه لكن دوما وفق معطيات جديدة فبورقيبة الذي انقلب على الأمين باي سيلاقي تقريبا المصير ذاته في 7 نوفمبر 1987 من قبل “بن علي” وزيره الذي تربى في حضنه ولكن لحب السلطة الكلمة الفصل دوما

إنها الحتمية التاريخية التي تجعل السلطة صراع قوى يفوز فيها الأقوى دون شك هكذا يصرح الكاتب في ص109 “إنها حتمية تاريخية، لا مناص من جريانها على كل الأمم والعصور.”

فإن كان “شمس” قد قرر أن يقطع صلته بماضي الفشل فعلى الشعب ربما أن يقطع مع ماضي الخيانة ليرسم زمنا جديدا، زمنا يرى فيه الماضي كما هو لا كما أريد له أن يراه. زمنا يتحدى الحتمية ليؤكد أن التاريخ تصنعه الشعوب عن وعي وإرادة وتصميم وتخطيط ولكن لايتم ذلك إلا بأخذ العبرة من الماضي

شاهد أيضاً

عائشة البصري: لن ننسى بسهولة هزيمتنا أمام فيروس صغير!

* عماد الدين موسى عائشة البصري شاعرة وقاصة وروائية مغربية، عضو الجمعية الدولية للنقد الأدبي (AICL) في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *