الرئيسية / إضاءات / محمود درويش: بحثا عن أسرار النبرة والأسلوب

محمود درويش: بحثا عن أسرار النبرة والأسلوب

(ثقافات)

• د.محمد عبيد الله

محمود درويش (1941-2008) فرع أساسي وعال من شجرة الشعر العربي الوارفة، ومعنى هذا أنه ليس نبتا مفردا في برية أو صحراء، وليس صوتا ضائعا أو وحيدا في فضاء مقفر من الشعر، إنه أحد أبرز أبناء عائلة الشعر العربي قديمه وحديثه، ولكن ليس من صالح الشاعر في شيء أن ننظر إليه وحيدا منفردا كأن لم يسبقه أو يرافقه أو يتبعه شيء من الشعر. ولا يعني هذا المنظور أن هناك “دراويش” كثيرون في الشعر العربي، فليس هناك إلا درويش واحد إذا تغاضينا عن مقلديه وأشباهه. ولكن هناك “شعراء” كثيرون لهم هوياتهم الشعرية على امتداد تجربة الشعر العربي، ورغم الخسارة الكبيرة بفقده فلم يمت الشعر العربي بغيابه، إذ إن رحيل شاعر مهما يكن كبيرا ومميزا لا يعني رحيل نوع شعري كبير تميز به العرب عن غيرهم من الأمم.

ينتمي درويش وفق منظورنا إلى تجربة الشعر العربي انتماء حقيقيا مؤثرا، وفي شعره أمارات ودلالات كثيرة على تفاعله مع تلك التجربة ومع رموزها وأصواتها المتنوعة، بل يمكن القول أن شعر درويش ملتقى للنصوص، من ناحية عمق ظاهرة التناص والتفاعل مع روافد كثيرة قديمة وحديثة تمكن من هضمها وصياغة جوانب منها لتنضم إلى نسيجه الخاص، فبمقدور المتابع للظاهرة الدرويشية أن يرى في ظلالها أصداء السياب وأحزانه، وحسية نزار قباني وبعض مباهجه، كما يرى في بعض جوانبها قصيدة التفاصيل والحياة اليومية كما عند أمل دنقل وسعدي يوسف، ويضاف إلى هذا كله قوة الصورة وتعقيدها ومرآويتها عند أدونيس. ولا يتوقف التفاعل الدرويشي عند الأصوات الكبرى المشهورة وإنما يتجاوزه إلى تفاعلات مع سليم بركات العربي الكردي ببريته وتحدياته اللغوية وجملته المدورة التي تقطع الأنفاس، وكذلك بعض شعراء قصيدة النثر أو تجربة قصيدة النثر بشكل عمومي، سواء من خلال التقريب بين قصيدة التفعيلة والجملة النثرية أو كتابة نصوص لا تختلف عن قصيدة النثر إلا في اسمها كما في الكتب النثرية لدرويش وخصوصا في الكتابين الأخيرين: في حضرة الغياب، وأثر الفراشة. ولذلك ليس غريبا أن يعثر القارئ المدقق على جملة هنا أو هناك تذكر بالنبرات الأحدث لبسام حجار أو أمجد ناصر أو زكريا محمد أو غيرهم من شعراء الجيل الثمانيني في قصيدة النثر، فدرويش يتجدد مع التجارب الجديدة ويتفاعل معها، ولكنه يصوغ كل شيء يعجبه ضمن نسيج جديد يكاد يذوب في بحره الهادر، فتغدو سائر التجارب روافد ذائبة مختلطة بمياهه الغامرة التي لا نكاد نتبين أصولها نظرا لتجانسها وشدة اختلاطها.

لقد تميز درويش لا بوصفه الشاعر الوحيد أو الأوحد، وإنما تميز بنبرته وأسلوبه وهويته التي هي جماع هويات وتهجين لأصوات متعددة في صوت واحد يمثل خلاصة للشعر العربي في لحظته المعاصرة، وتبعا لذلك يمكن تمييز صوته ونبرته على نحو واضح، فنقول: هذه جملة درويشية، وتلك صورة درويشية وهكذا..ولا شك أن فردية الأسلوب شيء مختلف عن فردية الشعر والشاعر وهي التي لم يطالب بها درويش ولم يأت على ذكرها وإنما بالغ فيها الناس لشدة إعجابهم بالرجل وشعره.

وقد تميز درويش بالتطور المستمر والسعي الدائم لتطوير قصيدته، والانشغال بكل قصيدة جديدة كأنها القصيدة الأولى، وهذا ما منح شعره ميزة الاختلاف والتطور، وهو كما يقول عن نفسه ليس ممن ولدوا دفعة واحدة وإنما ممن تطورا تدريجيا ومرحلة بعد مرحلة: “قليلون هم الشعراء الذين يولدون شعريا دفعة واحدة، أما أنا فقد ولدت تدريجيا وعلى دفعات متباعدة وما زلت أتعلم المشي العسير على الطريق الطويل إلى قصيدتي التي لم أكتبها بعد”. قد يكون في هذا الكلام صدى ما لنيرودا في كلامه عن أن أفضل القصائد هي التي لم نكتبها بعد، ودرويش ممن قرؤوا نيرودا، وتفاعلوا مع شعره ورؤيته المقاومة، ولكن أهم من هذا تبني درويش لرؤية القصيدة التي لم تكتب بعد ولفكرة الطريق الطويل العسير إلى الشعر، وكأن ما يكتب ليس إلا محاولة الوصول والقول، إنه نمط من المجاهدة الشبيهة بتجربة التصوف تلك التي تحاول الوصول والاندماج بلا فائدة، ولكنها لا تيأس من تكرار المحاولة والتجربة بروح جديدة ووعي جديد.

وعندما نعيد قراءة درويش من بداية الستينيات وحتى السنوات الأخيرة نلاحظ التدرج الذي أشار إليه، ففي أعماله الأولى تدريب على الشعر الحديث برؤية يسارية يبرز فيها الهم الوطني والسياسي والحس الكفاحي على نحو شديد المباشرة والوضوح، وتبرز هموم المواطن الفلسطيني في الأرض المحتلة، من ناحية أزمة الهوية والجنسية، ومن ناحية المعاناة المباشرة تحت الاحتلال، وضرورات مجابهة السجان الذي عانى منه درويش معاناة واقعية وفعلية، ولكن وضوح الهم السياسي لا يخفي موهبة درويش ولا ينتقص من قيمة قصائده التي ما تزال الجماهير تحبها إلى درجة أضجرت الشاعر نفسه كقصيدة “سجل أنا عربي” وغيرها، مما يمثل مبدأ التشبث بالهوية مهما يكن واقع العيش تحت حكم الاحتلال القاسي.

ومن هذه التجربة التي تتعلق بظرف محدد هو ظرف الأرض المحتلة عام 1948 انطلق درويش ابتداء من مطلع السبعينيات إلى الأفق القومي وهو ما يتوافق مع خروجه من الأرض المحتلة وإقامته المؤقتة في مصر بعد موسكو، ولا يلبث قليلا حتى ينضم لمنظمة التحرير ويلتحق بالثورة في مرحلتها البيروتية وينطلق مع امتدادها ويغدو الصوت المعبر عن الشعب الفلسطيني في إطارها، ولكن اللافت أن الشاعر الذي خرج وحيدا من الأرض المحتلة بلا أسرة ولا قبيلة قد غدا منتميا إلى قبيلة كبرى هي الشعب كله، ثم أنه طمح أن يحلق على نحو جمالي بتجربة ذلك الشعب لتعانق العالمية والإنسانية بأرقى صورها وبأصعب مواصفاتها.

وبمقدار ما أتيح له من شهرة وفرص كبرى عبر مبدأ التمثيل وهو مبدأ ثقافي رغم أن كثيرا من مجايلي درويش قد تأثروا سلبا منه فإن درويش لم يستسلم لذلك المبدأ ولم يكتف بمجرد الوفاء بمقتضياته وإنما واصل تثقيف نفسه وتثقيف قصيدته ليمكنها الصمود في فضاءات الجمال والفن دون أن تستند إلى مشروعية القضية التي تحملها. وهذا ما يفسر انزعاج الشاعر من النظر إليه في صورة شاعر القضية أو الثورة فقط، إنه يتخذ من هذه التجربة -على نبلها- متكأ لتجربته الشعرية ويصعد بها إلى مدى الشعر وفضاءاته العالية.

ومن هنا يصعب النظر إلى شعر درويش ضمن “الغرض” السياسي أو الوطني أو الثوري وحده، فدرويش في جوهره شاعر عالمي حظي بقضية عظيمة وحظيت به وأعطى كل منهما للآخر ضمن مقتضيات فكرة التمثيل التي أشرنا إليها، ولكن المادة السياسية تظل مجرد سبب أو ذريعة للقصيدة وليس كل شيء فيها، إذ أن القصيدة تتعالى على الواقع وترتفع به لتنتقل من حالة الراهن السياسي إلى أبدية الشعر وإنسانية التعبير وجماليته الدائمة، ولقد حمت هذه الرؤية الشاعر الراحل من أن يكون شاعرا سياسيا يكتب قصيدة مؤقتة تعيش ما عاش الحدث وتموت مع تجاوزه أو موته، الحدث هنا مجرد مثير أو سبب للقصيدة، أما النتيجة فقصيدة تتحدى المؤقت والطارئ وتنفذ إلى جوهر الحالة الإنسانية التي تمتد إلى أبعد من الظرف الفلسطيني المولد عموما لقصائد درويش في مختلف مراحله بما فيها المرحلة الأخيرة التي اندمج فيها الشاعر الفرد بتجربة الجماعة والشعب في صورة من السيرة الشعرية العميقة.

وفي إطار ذلك صور درويش بمهارة عالية تجربة الجماعة بصوت فردي غنائي تارة وبصوت درامي قصصي تارة أخرى، وإن غلب الصوت الأول مع تنويعات سردية تقترب من طريقة العرب في السرد الغنائي لا الدرامي تعبيرا عن تجربة الذات مندمجة بموضوعها، فلا التجربة الجماعية خارج الذات ولا الذات خارج الجماعة وتاريخها، ولكنها تجد مدى لشكواها وأحزانها، كما أنها كفت مبكرا عن تمثيل البطولة على النحو التقليدي الذي لا يصور إلا الأبطال، فبدا أبطال درويش أبطالا ينتمون إلى نموذج الفرد بتناقضاته وإلى الإنسان بأحزانه وبكائه بعيدا عن مبدأ التقديس الذي يلحق بالأبطال ويحمي صورتهم ويجللها.

وكرس درويش صورة اقتران المرأة بالوطن والأرض وطوّر نمطا محببا أليفا من الغزل “الوطني” الذي تأخذ فيه الأرض صورة امرأة وتأخذ المرأة صورة أرض معطاءة حنون، وربما يمثل هذا الملمح أحد الحلول الدرويشية للتخفيف من جفاف الشعر السياسي وثوريته اللا إنسانية في بعض الأحيان. وأضاف إلى هذه الثنائية مفردة ثالثة هي “اللغة” التي غدت أرضا وامرأة يحنو عليها ويأمل أن تحنو عليه، وكأنها البديل المجازي للوطن المفتقد وللمرأة الغائبة غيابا رمزيا وواقعيا من حياة درويش، ولكنه ظل يبحث عن سبيل للتوحد بها وللوصول إلى أقاصيها البعيدة. إن هذا الثالوث: (الأرض، المرأة، اللغة) يفسر كثيرا من جوانب التاريخ الشعري لدرويش، كما تتداخل عناصره وتتبادل مواقعها وتلتبس التباسا شديدا وعميقا في رؤية الشاعر وتعبيره، وهو مدخل مهم من مداخل قراءة درويش وفهم شعره.

أما الربط بين درويش والمتنبي فربط لا يبعد عن الصواب والحقيقة، ليس إقرارا بأن شاعرية درويش ومكانته لا تقل عن قيمة المتنبي وموقعه في الشعرية العربية، بل لإمكانية تعميق هذا الربط في تشابكات متعددة. فكلاهما كتب شعرا مميزا في ظلال تجربة اغتراب ونفي، المتنبي قضى معظم عمره غريبا عن موطنه في الكوفة، ومضى وراء أحلامه مغتربا بنبل وكبرياء وكذا فعل درويش منذ خرج من فلسطين أواخر الستينيات، والأمر الآخر أن المتنبي ودرويش يتماثلان في نبرة الكبرياء، بما فيها من علو الذات وارتفاعها رغم آلام واقعها وجراحها العديدة، الكبرياء الجريح أو المتعالي على برهة الألم ذلك هو ما يربط الاثنين معا، الكبرياء الأقرب للفطرة، المستند إلى قوة الكلمة وكبريائها دون أن يستند إلى أي من أسباب الكبرياء التقليدي. ولقد عاش درويش مثل جده أبي الطيب في عصر يمكن أن يسمى عصر انحطاط وانهيار سياسي على مستوى الأمة والجماعة ولكنه مضى صاعدا ليجعل من تجربة انكسار الجماعة تجربة صعود له وكأنه يمثل انتصارها المأمول وكبرياءها المفقود أو الغائب. ولقد أجاد الاثنان في شعرهما ومثل كل منهما عصره وحقبته على نحو عميق.

وفي مستوى آخر نتذكر أننا لا نعرف المتنبي إلا لأنه شاعر، ولقد جاء من وضعية أسرية مجهولة فلم يولد في قبيلة كبرى تحتفي بشاعريته، ودرويش أيضا صعد في التجربة الفلسطينية بعيدا عن أية مؤثرات اجتماعية أو تمثيلات قبلية أو عائلية، قوة الكلمة والمكانة الذاتية هي التي جعلت من درويش والمتنبي من قبله قيمة نادرة في تجربة الجماعة العربية.

شاهد أيضاً

الرُّوبوت 215

الرُّوبوت 215 قصَّة قصيرة[1] الأديب السُّوري موسى رحوم عبَّاس كنتُ سعيدا جدا عندما تلقيتُ رسالةَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *