الرئيسية / خبر رئيسي / قد جاء وقتي وآنَ لي أن أكشفَ

قد جاء وقتي وآنَ لي أن أكشفَ

* أحمد الشهاوي

عاش النفَّري صاحبُ ” المواقف ” و ” المُخاطبات ” يسترُ معانيه عن سواه ؛ ساعيًا إلى الرؤية في زمن أبي نصر الفارابي ، وأبي حيان التوحيدي ، وأبي الطيب المتنبي في مُنتصف القرن الرابع الهجري – العاشر الميلادي – ، كان حذرًا مخفيًّا متكتمًا متحفِّظًا مضمِرًا صامتًا بسبب مقتل الحلاج ” قُتل في مدينة بغداد سنة 309هـجرية ” ، كما كان هناك حيطةٌ وتخوُّفٌ من فقهاء السلاطين المُتشدِّدين الذين يكرهون التصوُّف والمتصوفة ، وهو ما فعلوه مع الحلَّاج وغيره ، وإذا كان الحلاج قد نطق وتكلم ؛ فقد صمت الجُنيد خوفًا من مصير الحلاج . إذ اتهم الحلاج بالكُفر والفِسق والزندقة قبل أن يُسجن ويُقتل بعدها .

لقد لجأ النفَّري إلى التستُّر والتقية خَشيةً من السلطتين السياسية والدينية ، بعدما صار عددٌ كبير من الفقهاء نائمين في حِجْر الخُلفاء والأمراء ، ينفِّذُون أوامرهم ، ويُفصِّلون لهم الفتاوى بالمقاس الذي يطلبون ، بل ويُقدِّمون المتصوفة إلى مذبح السلطان كي يشنقه ، ويقطع جسده إلى أجزاء ، ثم يحرقها ، ويُذرِّي رمادها .

حيث أخرج اللغةَ من قفصِها ، بإيجازٍ نادرٍ ، وتكثيفٍ غير مسبوقٍ ، وأنطق ذاته في إشراقِها وتجلِّيها وصمتِها ، وكان مُنشغلًا بحاله ، وليس بما سيكونُ عليه اسمه في مُدونة التاريخ ، وذلك قمة الزُّهد والتخلِّي عن الشواغل ، والاستغناء . وترك ما سوى الله ، وهو ما تجلَّى في عدم جمع كتابته : ” الحرفُ يعجزُ عن أن يخبر عن نفسه ، فكيف يخبرُ عني ” .

كان سائحًا مولَّها ، ” هام بحُبِّ الله ، وتاه في طلبه ، وتولَّه بذكره ، ومات باسمه ” . كأنَّني أراهُ في سياحاته الآن لا يبيتُ في منزلٍ ليلتين متعاقبتين .

لا توجدُ لغةٌ تشبهُ لغة النفِّري عند سواه من الصوفيين ، فهي جديدةٌ في حرفِها وعبارتها ومعناها ووجْدِها : ” إذا جئتني فألقِ العبارةَ وراء ظهرِكَ ، وألقِ المعنى وراءَ العبارةِ ، وألقِ الوجدَ وراءَ المعنى ” .

النفَّري تطاوعُه لغتُه ، يكتبُ بسلاسةٍ ، ويحشدُ للمعاني في غزارةٍ غير مسبوقةٍ ، على الرغم من تجريدِه وتلخيصِه ، وحذفه المستمر ساعة الفيض ، ومن الصَّعبِ أن نضعَ النفَّري في دُرجٍ أدبيٍّ ما ، أي هو عصيٌّ على التصنيفِ الأدبيِّ والأكاديميِّ .

إنه نصٌّ شعريٌّ ، ونثريٌّ ، وفلسفيٌّ في آنٍ .

هو إذن خارجُ المألوفِ والمُعتاد والمُتاح .

هو يمزجُ بين كلِّ هذا .

محي الدين بن العربي – الذي كان أوَّل من كشف عن اسمه وأخرجه إلى النُّور ، بعد تجاهلٍ وصمتٍ وربما نسيان دام نحو قرنين من الزمان – يرى النفَّري ” من رجال الله ” ، ويسمِّي كتابه ” كتاب المواقف ” ب ” كتاب المواقف والقول ” ، ويرى أنه ” كتابٌ شريفٌ يحوي على علوم آداب المقامات ” ، وهناك إحدى المخطوطات التي تسمِّيه ” كتاب المواقف مع الحق على التصوُّف ” . بينما القاشاني (توفي نحو 730 هـجرية / نحو 1330 ميلادية ) يذكرُ في كتابه ” لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام ” الكتاب باسم ” المواقف النفَّرية ” .ويراه الذهبي : صاحب ” المواقف ” والادَّعاءات والبِدَع .

ومن يقرأ النفَّري سيلحظ أنه كان متأثرًا إلى حدٍّ كبيرٍ بالديانات القديمة ، التي كانت موجُودةً في المحيط الذي عاش وتنقَّل فيه ، وسافر إليه مثل البوذية والمانوية ، حيث كانت بابل مكانًا للديانة المانوية (هي ديانة نشأت في القرن الثالث الميلادي ، من حضن الديانة المندائية ،

” إن الحكمة والمناقب لم يزل يأتي بها رسل الله بين زمن وآخر, فكان مجيئها في زمن على يد الرسول (بوذا) إلى بلاد الهند , وفي زمن على يد (زرادشت) الى أرض فارس , وفي زمن على يد (عيسى) إلى أرض المغرب (الشام) . ثم نزل هذا الوحي وجاءت النبوة في هذا الزمن الأخير على يديَّ أنا (ماني) رسول إله الحق الى أرض بابل … ” ، لقد ” عُذِّب (ماني) وصُلب وقطِّعت أطرافه ؛ ثم أُحرقت جُثته ، ونُثر رماده” . ) ، وقد أثر فيه هذا التراث الديني إذ بقي أثرُ هذه الديانات موجودًا ونشطا حتى بعد ظهور الإسلام . فالمانوية كانت موجودة في زمن الخلافتين الأموية والعباسية .

وقد اتهم كثيرون بالمانوية مثل : صالح بن عبد القدوس , وبشار بن برد , وأبو نواس , وأبو العتاهية , وحماد الراوية , وعبد الله بن المقفع ، وسواهم الكثير .

الصمت والكتمان كانا نهج النفَّري في حياته خشية البطش ؛ حتى أنه عاش مجهولا في زمانه ، ولم يكتب عنه مؤرخو عصره ، ولولا أن نصَّه كان فارقًا ما عرفه أحدٌ ، ولا اجتازت كتابته قرونًا وحواجز وتشدُّدًا من الفقهاء .

فلم تذكره الكُتب الكبرى التي أرَّخت للمتصوفة من مختلف الطبقات والدرجات مثل «طبقات الصوفية» للسلمي ، و «اللمع» للطوسي ، و «تذكرة الأولياء» للعطَّار وسواها من الكتب .

لا أحبُّ الشَّرح ، ومن ثم لا أحبُّ شرحَ مواقف ومُخاطبات النفَّري ، إنني أقرؤه للمُتعة واللذَّة الرُّوحية ، ولا أطبِّق على نصِّه منهجًا ما في التلقِّي ؛ لأنَّ صوفيًّا مثله حين يكتبُ ، لا يعرفُ هل هو في الحُضُور أم الغياب ، في المحْو أو الإثبات . وكان قد شرح مواقفه عفيف الدين التلمساني الذي توفي بعد ثلاثمئة وست وأربعين سنة على رحيل النفري .

وكتابا النفَّري ، اللذان نشرهما المستشرق جون آرثر آربري في القاهرة سنة 1934 ميلادية – الذي كتب عن النفَّري في تقديمه للكتاب إنه : «سائح وكاتب مترسّل ، لكنه كان قبل كل شيء مفكرا أصيلا، متقدا، ذا قناعة واضحة بأصالة تجربته» – من الكُتب القليلة في حياتي التي أستعيدُ قراءتها مرَّاتٍ ؛ لأنَّني في كل مرة أرى جديدًا ، وأضيف إلى نفسي معرفة كانت مُستترةً ومُضْمَرة بين السُّطور ، فأنا أحبُّ أن أكون ضيفًا عليه ، مُحتفيا به ومحتفلا .

وكان أدونيس قد عثر على كتاب النفَّري في مكتبة الجامعة الأميركية في بيروت ، وبدأ منذ 1965 ميلادية يبشِّر بنصوص النفَّري ، واعتبره صوفيًّا « يضيء الكتابة العربية الحديثة والكتابة إطلاقًا » ، «يتحرَّك بين النطق والصمت ، صامتًا في نطقه وناطقًا في صمته»، «لعلَّ أعمق ما يميِّز شعرية هذا النص هو أن تفجُّر الفكر فيه إنما هو تفجُّر اللغة نفسها . ويمتلئ هذا التفجُّر بالاشراقات المُفاجئة والتوترات المتضادة المتعانقة» ، «الفكر هنا شعرٌ خالصٌ والشعر فكر خالص» ، «يرفع الكتابة إلى مستوى الأسطورة ؛ فكتابته تدعونا لكي نفهمها بحركة الأحشاء ونبضات القلب ، كما لو أن علينا أن ننصهر فيها ، أن نتماهى معها ، كما نتماهى مع طفولتنا ولاشعورنا . ونصه هو نص يقول لنا إن الحقيقة شوق ، وهي غير موجودة بوضوحها الكامل، أي بغموضها الدال ، إلا في اللغة ، أعني الشعر» ،

« تجربة قلبية لا تجربة عقلية ، وتجربة كتابية ، بدءا من القطيعة مع الواقع ، ومن الصلة مع المتخيل . إنها تجربة تتجاوزُ إمكانات الواقع من أجل أن تُحْسِن الغوص في داخله ، وتحسن استقصاء ما يضمره ، فهي تجربة رموز وإشارات وتلميحات». ، «النص هنا يقول أكثر مما يقول ظاهر كلماته ، وتتقاطع فيه أبعادٌ ودلالاتٌ تجسِّد لغة تفرضُ التواصل معها ذوقيا أو حدسيا».

مع النفري أنت تنهضُ وتسمقُ وتسمُو : «إذا رأيتني استوى الكشفُ والحجاب».

تبني ولا تهدم ، تعرف بيتك بعدها ، لكنك تحار في الطريق الذي تسلكُ : ( إذا جئتني فألقِ العبارةَ وراء ظهركَ ، وألقِ المعنى وراءَ العبارة) .

ولا يعني صمت النفَّري أنه كان متخاذلا جبانًا ، ولاحظ هنا رؤيته ، حيث يبدو أنه كان يجاهد ويكافحُ ويرفضُ عبر حرفه :

= وقال لي قد جاء وقتي وآنَ لي أن أكشفَ عن وجهي وأظهر سبحاني ويتصل نُوري بالأفنية وما وراءها… وترى عدوي يحبُّني وترى أوليائي يحكمون… وأعمر بيُوت الخراب وتتزينُ بالزينة الحق ، وترى قسطِي كيف ينفي ما سواه ، وأجمعُ الناسَ على اليُسر فلا يفترقون ولا يذلون ، فأستخرج كنزي ويتحقَّق ما أحققتك به من خبري وعدَّتي وقرب طلوعي ، فأني سوف أطلع وتجتمع حولي النجوم ، وأجمعُ بين الشمس والقمر.

= كذلك يقول الرب إني طالعٌ على الأفنية أتبسَّم، ويجتمعون إليَّ ويستنصرني الضعيفُ ويتوكلون كلهم عليَّ… فلتنتبهي أيتها النائمةُ إلى قيامك… فارجمي الدُّور بنجومكِ واثبتي القطبَ بأصبعك والبسي رهبانية الحقِّ ولا تنتقبي ، إنما الحكم لك، وعود البركة بيمينك ، فذلك أريد وأنا على ذلك شهيد…

كذلك يقول الربُّ أقبل ولا تراجع ، وأنظم لك القلادة وأخرج يديَّ إلى الأرض ويرونني معك وأمامك.

فابرزي من خدرك ؛ فإنَّني أطلع عليك الشمس ، وخذي عاقبتك بيمينك ، واشتدِّي كالرياح ، وتدرَّعي بالرحمة السابقة ، ولا تنامي فقد أطلعت فجرك وقرب الصباحُ منكِ .

* عن نصف الدنيا

شاهد أيضاً

الرُّوبوت 215

الرُّوبوت 215 قصَّة قصيرة[1] الأديب السُّوري موسى رحوم عبَّاس كنتُ سعيدا جدا عندما تلقيتُ رسالةَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *