الرئيسية / خبر رئيسي / حلمان للموت..

حلمان للموت..

حلمان للموت

 

                                                                                              وفاء خرما

 

 

1-حلم فستانها الأصفر

رأيتني أنهض من النوم وأنظر إلى أمي بجانبي فاذا هي ميتة ! كانت وصيتها
أن تدفن بفستان أصفر. وهكذا لم أجد وقتاً للحزن، إذ سعيتُ راكضة في
طرقات القرية المهجورة، أقطع بيوتاً مغلقة على أصحابها. أصل متجر الثياب،
مقفلٌ بدوره ،ولا يجديني التحديق خلال زجاجه، فلا ظلَّ للَّون الاصفر هناك .
السيارة التي رأيتُ أن أستقلها، لتأخذني إلى بيتنا المهجور في المدينة، حيث
أختطف فستان أمي من خزانتها، لم تكن في مكانها المعتاد ،ولكأنَّ حفرة
ابتلعتها ! بعيداً أنظر، فأرى قطاراً ومحطة ورجلاً يقف هناك مع فانوس
صغير. ها هي قصة القطار لكاتبي المكسيكي وعالمها الكامل !
أسعى الى هناك ، فأراه وقد غدا هو نفسه عامل الإشارة في القصة. هزَّ رأسه
آسفاً، وانا أسألُهُ خدمة توصيلي. قال لي أنَّه هو نفسه ينتظر منذ وقت بعيد
وصول قطاره . أعجبُ وأحزن لقاصٍّ تخذله كائنات قصته فلا تأتيه منقذة.
تركتُه ساهماً واتخذتُ طريقي إلى البيت كالهاربة . هناك.. توزعتِ الغرفةَ
جاراتي الفلاحات، وكان يعلو جسدَ أمي أكداسُ النرجس الأصفر . فقلت في
نفسي : كيف لم أفطنْ إلى حقول الزهر التي تسوِّر بيتنا ؟ لكني عدتُ لأتمتم:
ها هي أمّي، قد كُفِّنتْ أخيراً بفستان أصفر، كما شاءت ورغبت ، بل
وأحلى! وأحسست لهذا بالراحة. وأيضاً بالامتنان لتلك النسوة ، وقد انحنتْ
مجموعة منهنَّ الآن على نعشها، ورفعنها على أذرعهنَّ، مجتازات بها عتبة
البيت نحو الدرب الضيقة للمقبرة أعلى الجبل .

2-حلم ترتيب السرير

رأيتني وانا أرتب فراشي حال نهوضي من النوم، أعثر على بقايا أحلام،
تتبعثر على الطيّات المرتبكة.. كل طيَّةٍ هي حلم ، أو شقفة من حلم . سارعتُ
إلى تنظيم غطاء نومي. حركة رفع ثمَّ أخرى ..شدٌّ لطرفِ الغطاء، وإرخاء له
في الاتجاه المقابل . تمسيدٌ بحدّة حيناً، وحيناً تربْيتٌ على انتفاخ هنا، وانكسار
هناك .

ابتعدتُ قليلاًّ عن سريري ، لألقيَ نظرةً شاملة على أحلامي التي غدت الآن
مرتبة منسقة، فلم يواجهني سوى الأحمر (صدف أنَّ غطائي بهذا اللون ) لكنّ
ما رأيتُه لم يكن أحمر الورد، فأحلامي الفارهة والفاردة جناحيها برهافة
وكبرياء ،أضحت قِطعُهُا المجتمعة، جثثاً اصطفَّت الآن بانتظام ودقّة ،وهي
تبتسم لي. عجبت من ابتسامها ،وقلت : لعل هذا بسبب يدي، التي امتدّت اليها
بحنوٍّ ،بعد إهمال طال.
ابتسامها مع تركيبتها الغريبة، كان محيّراً، وداعياً لاكتئاب فجَّر دمعي
كالطوفان لِيغرقهُا كلها، ويدفع بها إلى حفرة مقبرة جماعية تلقفتها بشراهة.
ووجدتني أهمس لنفسي :غداً سأجتهد في ترتيب آخر لغطاء سريري ، وأردم
تلك الحفرة بغطاء ثقيل، لا تنجح في اقتلاعه أيدي سارقي الجثث.

قاصة سورية

شاهد أيضاً

حكاية رام الله والذاكرة

بقلم وعدسة: زياد جيوسي “الحلقة الثانية”     أقف في زاوية الشارع أستعيد في ذاكرتي دوار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *