الرئيسية / خبر رئيسي / رواية “حين تتشابك الحكايا” لسلوى جرّاح..وتشابك القلوب والرؤى

رواية “حين تتشابك الحكايا” لسلوى جرّاح..وتشابك القلوب والرؤى

( ثقافات )

*عامر هشام الصفّار

أصدرت الكاتبة الفلسطينية المولد العراقية النشأة سلوى جرّاح روايتها السابعة والمعنونة “حين تتشابك الحكايا” في نهاية عام 2019.. وراحت تخطط لأحتفالية أصدار الرواية، الاّ أن جائحة الكورونا وما ترتب عليها من إغلاق للمدن ومنع للتجمعات، قد حال دون ذلك.

صدرت الرواية عن دار المدى العراقية ب 128 صفحة من القطع المتوسط، وقد تصدرها أهداء الى جيل الكاتبة الذي تنتمي إليه، حيث عرّفته بأنه الجيل الشاهد على الحروب وخيبات الأمل…ولكنه جيل تعلّم، وأحّب، وأنجب، وكتب الشعر، والّف الموسيقى.. مؤكدا مقولة نيتشه “ما لا يقتلك يجعلك أقوى”.

ثم إنَّ المؤلفة قد وضعت مقدمة لروايتها، وفيها بعض من صراحة القلم، وهو يشير الى غيرة المؤلفة من شخصية الرواية سهام، وهي تسجل على لسانها ذكريات الطفولة، ورؤاها، وصورها، ومعانيها. ولعلها الصدفة وحدها التي جعلت الحكايا تتشابك وتتناسل في رواية سلوى جرّاح، مع وقائع ما جرى على الأرض الفلسطينية، بعد ما يقرب من 21 شهرا من صدور الرواية، حيث شن العدو الصهيوني في مايس 2021 عدوانه الذي استمر ل 11 يوما على غزة- الأرض التي ولد فيها السيد غريب عطا الله بطل رواية “حين تتشابك الحكايا” وشخصيتها المركزية.

سلوى جراح

يقول غريب: أنا من غزّة.. أهلي لجأوا إليها من يافا.. هل زرتِ يوماً غزّة؟.

ولكل كاتب رواية هدف يتوخاه ويسعى إليه.. ولعل الرواية هنا أرادت لحكاياتها المتشابكة أن تصل للمتلقي ببساطة ويسر دون تعب.. فجعلت من غريب فاقداً للقدرة على الكلام، بعد أن سقط أرضا.. فكأنّه قد أصيب بجلطة الدماغ، فأدخل المستشفى بعد أن ظلّ يتساءل مع نفسه -كما بدا للراوي العليم- لِمَ هو مستلق على الصوفا الوثيرة فيما يجلس الجميع حوله صامتين

في حين راحت سهام زوجته تقص (كما الراوي العليم) كيف بدأت علاقتها بغريب (لاحظ معنى الاسم لرجل فلسطيني- ظل غريبا أينما حلّ) المقيم في بريطانيا وأستاذ الهندسة المعمارية في جامعة لندن.. حيث تزور سهام لندن في دورة تدريبية أرسلها إليها المركز الثقافي البريطاني في عمّان حيث تقيم. وهكذا يكون للصدفة دورها في أن تصبح الفلسطينية – حتى نخاع العظم – سهام زوجة لغريب المولود في مخيم للاجئين الفلسطينين في غزة.

وكان لا بدَّ لغريب وسهام من أن يتعارفا عن طريق القصّ والحكي بما هو شخصي..فيسرد لها قصة زواجه من فتاة مصرية وأنّ له منها ولد وبنت..لكنهما انفصلا عن بعضهما لعدم تحملّه آراءها في السياسة التي تبتعد به عن أرض فلسطين، ومبادئه وما يؤمن به. كلّ ذلك بعد اشتداد الظرف السياسي عليه، حيث زار أنور السادات أسرائيل عام 1977 فصارت مصر الشقيقة الكبرى متصالحة مع العدو!… وبعد أن ظلت تقول له زوجته الأولى إنها لا تحبّ الحديث عن الأحتلال لأنه يعني المطالبة بالتخلص منه، وهذا يقود الى الحرب.

ولكن سهام تصّر على عدم تذكّر حكاية حياتها الخاصة الاّ بعد أن تفصّل في حياة غريب في مخيم جباليا، فحياة المخيم ذل تتوارثه الأبناء عن الآباء.

وراحت الحكايا تتشابك مع صديق غريب عبد الواحد الفلاح ابن الفلاح، والذي حصل على دكتوراه الزراعة وأستصلاح الأراضي، والذي أخرج عنوة من الضفة الغربية لأنهم- نسبة الى الإسرائيليين – ليسوا بحاجة لخبير زراعي فلسطيني، مصّراً على زراعة أرض فيها نبع ماء قريبة من مستوطنة. وتتواصل فصول الرواية من غير ترقيم، وباستهلال عن حالة غريب الصحيّة يمتد لأسطر قليلة..لتنطلق بعدها سهام متذكرة الماضي بشيء من التفصيل (تقنية الإسترجاع أو الفلاش باك)..وهو ليس تذكّر حَدَث فقط، بل تذكّر مشاعر ومواقف تفرض نفسها على الذاكرة، وهي تعاني الظرف الصعب من خلال أحتمال فقدان الزوج بعد المرض.

وفي تداخل زمني فيه تقطيع سيناريست، ينتظر المتلقي مع سهام ما ستؤول إليه صحة غريب الذي دخل غرفة العناية المركزة..وهو المكان الذي يقرر الأطباء إدخال المريض إليه في حالات الحاجة إلى دعم جهازه التنفسي ودورته الدموية.. وكل ذلك يجعل الإنتظار صعباً على الزوجة التي راحت تحكي لنفسها وتتذكر لندن ودورتها التدريبية فيها، ومحل ضخم لبيع الكتب (فويلز)، وكتاب حريق لندن، لتعترف لنفسها أنها يوم جاءت الى لندن هذه كان الحبّ آخر ما يشغل البال.. لتقول: ثم وجدتني بلا مقدمات أكسر كل قيودي وأخرج من سجني طائعة كما دخلته…وجدتني أقّر وأعترف أنني أعيش حبّاً غيّر ما بي، وأختزل الزمن، ووضع نهاية لأسر ذاك الماضي البعيد.

وحين تتشابك الحكايا في الرواية بعد ذلك كانت قد أخذتنا سرداً في فضائها المكاني من غزّة ولندن وبغداد والقاهرة وعمّان الى أشهر مخيمات اللاجئين الفلسطينين في محافظة طولكرم – مخيم نور الشمس – ورام الله وسلفيت والتي تعني (سلة العنب) لتحطّ بنا في ردهة الإنعاش في نهاية المطاف بمسشتفى إنكليزي حيث غريب الذي بدأ يستجيب للعلاج، فها هو يطلب أن يحكي مع سهام زوجته.. فلقد صحصح..

وعندي فإنّ عودة الوعي لغريب وإرادته على الكلام إنّما هي عودة الوعي الى أمّة تستعيد قدرتها على قراءة تاريخها.. فغريب الرمز في زمن الرواية الدائري هذا (بداية السرد به ونهايته) هو الذي يمثل الأنسان العربي الذي قد يسكت ولكنه لن ينسى.. ثم إنّه لا بدّ من أن يتكلم ويصحصح.  وعندها فقط سيكون للتاريخ شأن آخر.. وسيكون لغريب ذاكرة جديدة وحكايا أخرى قد تتشابك من جديد.

أعتمدت الروائية سلوى جرّاح لغة سهلة شفافة واقعية، ليس فيها إطناب أو إسهاب في غير محله.. فابتعدت عن المجاز والأستعارة والشاعريّة لتضع القارىء في صلب الحكاية. وعليه ففي لغة الرواية إقناع وإنسجام يعطي للمتلقي القدرة على الفهم والتأويل.

إنّ رواية “حين تتشابك الحكايا” وهي تستخدم الجغرافية للتعريف بالتاريخ الفلسطيني عبر تقنية الحكي فيها، إنّما تحاول أن تظل للقضية الفلسطينية مركزيتها من خلال إطلاع الجيل المعاصر من المتلقين على تفاصيل هذه القضية وتعقيداتها. وفي هذا فهي تتواصل مع روايات فلسطينية أخرى بنفس الهم رغم إختلاف الرؤى. وكأنّي بالروائي الفلسطيني وهو يكتب روايته إنّما أجده يتمثّل بقول الراحل الكاتب جبرا إبراهيم جبرا والذي قال عام 1988 “إنه يجب عليه أن يكتب ليتفهم أولاً لماذا يحاصره العالم ثم هو يكتب ثانياً على أمل الهروب من هذا الحصار.. وثالثا لا بد من أن يكتب على أمل إيجاد مخرج للعالم كله من هذا الحصار”.

إنّ الروائية سلوى جرّاح هنا إنّما تكمل مسيرة أميل حبيبي (المتوفّى في حيفا 1996) وغسان كنفاني (أستشهد في بيروت عام 1972) وجبرا إبراهيم جبرا (توفي في بغداد 1994) والروائية سحر خليفة المولودة في نابلس عام 1942.

إن رواية “حين تتشابك الحكايا” ليست مجرد سرد للتاريخ الفلسطيني والعربي في المعاناة والهزيمة والأذلال، ولكنّها أيضا لها سماتها الجمالية المميزة في تسجيل قصة التحوّل التاريخي الفلسطيني والعربي بعد النكبة. وكما قال الفيلسوف لوكاش فإن المثقف الحقيقي هو من يقف بثبات في مواجهة التاريخ بالأدب ومواجهة الأدب بالتاريخ.

  • أديب وطبيب عراقي يعيش في بريطانيا

شاهد أيضاً

منجد صالح هو الأسلوب نفسه

فراس حج محمد لكل كاتب أسلوبه الخاص الذي يعرف به، وربما من أجل ذلك كانت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *