الرئيسية / إضاءات / شجرة الفجر..شجرة العالم المسمومة (1)

شجرة الفجر..شجرة العالم المسمومة (1)

  • سيف الرحبي

يستيقظ والغبش ما زال يلفّ المكان بردائه الشفيف، على الرغم من أجواء الحرب المدلهمّة بالمحيط. يفتح النافذة، يتناهى إلى سمعه أذان الفجر، يَعبر الشجرة وعصافيرها التي هي في طور الاستيقاظ من المبيت الليليّ.
بداية انبلاج الضوء الأوّل وانبلاج صياح العصافير المرحة من غدور الشجرة الوحيدة التي زرعتها ربة المنزل لتكون العلامة والأمل في هذا البلقع الأجرد، على جوانب سفوح جبال عالية لا تُنبت الزرع ولا تسقي الضرع، جبال بركانية ورسوبية عاتية.
على أن هذا العتوّ وهذه القسوة تكونان على أشدّهما حين تضرب نوازل الجفاف ولا يسقط المطر على التخوم والأعماق، أو حين تكون السماء كريمة كما في هذا العام، فتنبت الحشائش وتحلق الطيور ويخضرّ الشجر الراسخ في أخاديد الأودية والقيعان كالسدر والغاف والسمر والحلفاء.
فيمكن للناظر أن يسرح النظر في غطاء نباتي جادت به المزن، فنما وازدهر كما في السنين الخوالي.
الشجرة تستيقظ عصافيرها، وهو يستيقظ كل صباح باكرًا ليعيش ذلك الصخب العذب لعصافيرها وحيواتها الخفيّة، ليرقب النعمة الإلهية وقد تجلّت في شجرة.

الأودية وما أكثرها وأغربها في عُمان، تلك الأخاديد التي شقّها جريان السّيول واندفاعها عبر أحقاب سحيقة متعاقبة على المكان، ربّما كانت أنهارًا في عُصور مُوغلة في القدم. تربط البلاد في جنباتها وأنحائها المختلفة. سلاسل الأودية مثل سلاسل الجبال ومجرّاتها المتناسلة في عرين الأزل. فكأنّما الواحات والبلدات والمُدن هديّة أو تجلٍّ لهذه الطبيعة المحاطة بالصحراء والبحر بشُحّها وكرمها.
مساء الأمس ذهبت إلى الوادي المجاور (وادي غلا) الذي يمكن الذهاب إليه مشيًا، وتجوّلت في بعض أنحائه الشاسِعة الضاجّة بكونٍ خفيٍّ من الحيوات المتنوّعة التي لا يَلحظها العابرُ على الطّريق الإسفلتي، الذي يقسم الوادي بحيواته وأشجاره وطيوره، المنطوي على أسرار لا نعرفها، ولكنّنا نحسّها وتأخذنا بشفافيةِ الشّعر الكبير وعمقه إلى عوالمها اللامرئية البالغة الرهافة والوحشيّة، وحشيّة الجمال وغموضه الثريّ المفتوح دومًا على الاحتمالات، حتى مغيب المعنى والدلالة أو ذوبانه وتشظّيه في الآفاق.

غمرتني اللحظةَ كآبة ثكلى كعربات ثقيلة على روح مكسورة.
صوت عصفور يغنّي
وفي البعيد ما يتراءى أنّه النخل واليمام.

النّخل وقد بطشت به العاصفة وسط أمواج المياه:
البارحة، وادي سرور كان جارفًا كما في الماضي
يخبط سطوح الجبال والواحات كنذير قيامة أو عزاء آخرة.

الأودية الأودية، ضواحي النخيل والأحلام، بنات الصحراء والبحر، كما الليالي بنات الدهر والزمان في كثافته وسيلانه الدائم.
أقِف الآن في وادي غلا الممتدّ إلى جبال الدّاخل العُماني وأعماقِ هاوياتها اللامحدودة بأواصرها مع عائلات الجبال في الكوكب العماني الذي يتبدّى لي دائما مترحّلا رغمَ ثباتِه ورسوخِهِ، مترحِّلا في الأحلام والشُهب التي تسَّاقط في ليله الطويل. ربّما راعٍ من عصور ما قبل التاريخ نسيَ أغانيه وأحلامه في جروفه وهلوساته المترحّلة بين التضاريس والجروف والأكمات. ربّما بدوية من رمال (وهيبة) وقفت على التلال المشرفة على بحر العرب صارخة بسرّها في وجه الريح القادِمة من المحيط الهندي البعيد الغور والمتآخي مع الأطلسي، وليس الاثنان إلا ذراعين للمحيط الهادي الذي يحتلّ ثلث اليابسة في سعة المعجزة وغموضها، الذي يقول عنه الأمريكيون اللاتينيون أنه محيط بلا ذاكرة! ربما من فرط سطوة مياهه وظلماته المتلاطمة في جنبات الكون ووجهاته، تشظّت ذاكرته إلى سديم وأمواج تلاحق أشباحًا تتمرأى في أفق غاضبٍ مُرعبٍ لا تستقرّ أعاصيره على حال. فالذاكرة بحاجة إلى حيّز زمنيّ ومكانيّ وهو مسكون باللانهائي والمتاه.
هو الآخر مترحّل، مثل كون الحيوات والأسرار والهوامّ التي تستوطن أعماقه على دوام اضطرابه حكمةً وجنونًا.
البدو في عمان وربما في بلاد أخرى لا يستوطنون البلدات والقرى، حتى تلك التابعة والمملوكة لهم جيلاً بعد آخر يظلون على الضفاف والحوافّ، يُحيطون القرية ويزنرون الأمكنة، كما تُحيط الطيور بأعشاشها، لكن من غير الدخول والسكنى.
دائما تراهم جماعات وأفرادًا بحيواناتهم في بيوت الشَعر والخيم على الحوافّ يقطنون، يراقبون الظّعن الواقعيّ والخياليّ الذي توارثوه عبر جينات السّلالة وعبر الحكايات المتواترة في أيامهم ولياليهم.. والطيور المهاجرة وهي تعبر الصحراء إلى القارات والبحار النائية!
أيّ قدر وجودي ضارب في الأعماق لا يحيدون عنه ولو أرادوا قيد أنملة، شرط الترحل والفراق والهباء. هباء الكائن المنهوب شغفًا بالمسافات والحرية؛ مما يجعل من الفيلسوف الحديث كون نظرياته وسفره في فضاء أفكار الترحّل واللاثبات بمعناه المتعدّد المعاني، ليس إلا محض تمارين ذهنيّة آسرة وعميقة، ولكن في النهاية ليست إلا ظلالا للأصل الرازح تحت أقداره المفعمة بالنزوع الغريزي الصافي إلى الفضاء البدئي المليء بلطائف السر وقسوة الوجود.
يفتح النافذة مع طلائع نور الفجر على الشجرة التي غرستها الرسامة ربة البيت، وكبرت ونمت على هذا النحو المبهج وسط اليباب والأوبئة المحدقة من كل حدب وصوب، جاذبة إلى غدورها وأغصانها العصافير وطيورًا أخرى تصدح بتدرج موسيقيّ وعلوّ نبر يصل حد الصّياح أحيانا، لكنّه لا يصل إلى نذر مأساة وفاجعة؛ بل العكس ربما يبشر بعلامة سعد وسط الفضاء الهارب بأنين ضحاياه وغرقاه.
فكّر أن انبلاج الفجر في خيطه الأول لا يعني انبلاج فجر الحقيقة المُرجَأ دوماً، على مرِّ الأزمنة والعصور.
لكنّ شدو الطيور وأصواتها المتناغمة على هذا النحو من الانسجام الروحيّ، ألا يعني الحقيقة في حدّ ذاته. الحقيقة العابرة بجناحها المختلط بأجنحة الطيور وشدوها؟ ليست تلك الحقيقة التي يبحث عن ضالتها فلاسفة وشعراء أضناهم الجوع والعطش نحو المطلق. لكنّها الحقيقة العابرة مع الحيوات والأصوات العابرة كنور يضيء الأفق خطفًا ثم يختفي!
أليست أشجار الكرز في زهرها الموسميّ العابر بسرعةٍ حيث يهرع اليابانيون إليه لقضاء نهارهم رغم الأوبئة والإعلام الراعب ظلّ حقيقة هاربة باستمرار تمنح البشريّة البائسة مهما كان وهم جبروتها، بعض عزاء وسلوان. وربّما الكائنات والحيوات جميعها العابر منها والأزليّ ليست إلا تجلٍّ للحقيقة الكبرى، للمطلق المتعالي والمستحيل.
يفتح النافذة على ضجّة العصافير واليمام الصّادح بنور الأمل الواهن في ليل العُزلة الجافّة والحجر الصحيّ القسريّ الذي أضحى يوحّد بشرَ هذا الكوكب الذي تداعت غطرسة تفوّقه السّاحق كسيّد للطّبيعة. أمام واقعة الوباء التي تُطبق على جهات الأرض موحّدةً أطرافها من الأقاصي إلى الأٌقاصي، بفعل انفجار وسائل الميديا وشبكات التواصل المهيمنة على هذا النّحو الكلّي، توحّد العالم تحت جناحها المُخيف، بعدما وحّدته الرأسمالية عبر تاريخ تطورها انطلاقًا من مراكز الهيمنة والحضارة والصناعة. لم تبلغ هذا الشأن من التّوحيد والدّمج والسّيطرة، أيّ أيدلوجية أخرى قبل استواء الرأسمالية على رأس هذا السياق الأخطبوطي قيمًا وأنماطَ سلوك ومعيش ووهم معيش.. الاشتراكيّة أو الشيوعية انطلاقا من مركزها السوفيتي الآفل دحرت وتلاشت ولم يبقَ منها عدا أشلاء الذكريات وما يدور في أروقة الباحثين ومراكز التخصّص والمعلومات، الرأسمالية في أعلى مراحل إمبرياليتها العولميّة وهيمنتها القطبية شبه المطلقة، الوباء المستجدّ قد زاحمها في هذا التّوحيد الأليم بتدمير مضاجع البشريّة وإقلاقها.
الأوبئة تزحف على المدن والأرياف والجبال والسفوح الفقراء والأغنياء.. وفق أخبار البارحة أصيب الأمير تشارلز بالفايروس الكوروني. الأمير تشارلز المتحدّر من الأصول الجرمانية الملكيّة التي ينتمي إليها معظم ملوك أوروبا، لا أظنّ أن كثيرًا من أفراد سلالته العريقة كانوا يُصابون بالأوبئة حتى في عصور ما قبل الحداثة والعلم والتقنية، ها هو وأقرانه من القادة والمشاهير يصابون في ذروة التقدّم والاكتشافات.
تتبارى وسائل التّواصل الشعبيّ الاجتماعي في هذا السباق اللاهث، وتكاد تذيب الفروق الجوهريّة بين السطحيّ والعميق، الحقيقيّ والزّائف، بين الجهل الزاحف ونقيضه، حتى ليتفوّق هذا الجهل بمراحل على ضوء المعرفة والبحث، فحسب الفيلسوف الإيطالي «إمبرتو إيكو»، إنه زحف الغوغاء والرعاع. أما أهلُ الفكر والمعرفة فيذهبون مذاهب وأهواء شتى؛ فالمفكّر الأمريكيّ اليساري الراديكالي «ناعوم تشومسكي» مدفوعًا بعدائه المعروف لأميركا يجزم أن الدّولة العُظمى هي المصنعة لهذا الفيروس، لتبقى دُركي العالم وقطبه الاقتصادي والعسكري غير القابل للإزاحة، وحتى للمنافسة الجديّة. وبعد سياق تحليل يتسم بالنمطية في الكثير من نقاطه يتوصل لاستنتاج، أنه في نهاية المطاف بعد أن يُنهك الجميع، تضعف الصين وروسيا وتختفي دول بعينها. تشومسكي على أهمية إنجازه الفكريّ والفلسفيّ واللغويّ، لم يتورّع، (أخلاقيا) عن تأييده لأنظمةٍ ارتكبت إبادة جماعيّة في حق شعوبها. ومثله فعل الفيلسوف الهيجلي السلوفيني (سلافو جيجيك) في تأييده تحت اللافتة المستهلكة حدّ الابتذال كونها تقفُ ضدّ الإمبريالية الأمريكية. وفي سياق تحليله (تشومسكي) ستختفي هذه الدول المعادية للإمبريالية، مثل إيران وفنزويلا وكوبا.
طوفان الإعلام والميديا بنوازعها المختلفة وباءٌ آخر يجتاح البشريّة ويطوّح بها إلى أنفاقِ ظلامٍ وكوابيس، تتخبط فيها ليلَ نهار، ولا يفلح نور سماء بريئة على أغصان شجرة وحيدة في بلقعٍ يباب. الشجرة المغمورة بحيواتها ونأيها عن ضجيج العالم والمغمورة بنور فجر وليد، رغم أنّها جزء من هذا العالم في وسطه وعمقه أو بالأطراف والهوامش، الشجرة في الغابات وعلى ضفاف الأنهار المتدفقة أو في هذه الصحراء الموحشة.

ربما ليس هناك مثل الصين الحديثة من هو في العمق على قطيعة جذريّة مع الماضي البعيد المفعم والزاخر بالمدارس والرؤى الفلسفية التي تنحو صوب الروح والحلم والعدالة والشعر. تلك المدارس والتيّارات من البوذيّة والكونفوشيّة والطاوية التي لم تكن معزولة في جبالها وأديرتها حكمةً وتأمّلا، وإنّما كانت تشارك في ترشيد مسار الدّولة والحكم التي يسترشد أباطرتها وحكامها من الأسر المختلفة ببعض تنظيرات ذلك النّفر من أهل المعرفة والإشراق. هذا الغِنى الروحيّ والفكريّ الذي يتوسّل العدالة والحكمة في تاريخ الدولة والمجتمع الصينيين، تقابلها الدولة (الحديثة) التي تشرف إشرافًا مُطلقا على رأسماليّة السوق. توليتارية يقودها الحزب الشيوعي كلافتة؛ لكنّها الأكثر ضراوة ووحشية في تاريخ النظم جمعاء. فهي أشبه بإله مقدس لا يطاله الشك والنقد بحزبها وأطرها الأيقونية ورئيسها المنتخب مدى الحياة، فلا مقارنة في هذا السياق مع الإمبرياليات الرأسمالية الغربية ذات التاريخ الاستعماريّ الشرس والطويل– شراسة الدهاء والتصفيات المباشرة-. فهذه على الأقل تتوفر داخل حدودها على القوانين النافذة والدساتير على القضاء والمؤسسات. إنها (اللويثيان) الرهيب حسب الفيلسوف الإنجليزي (هربرت هوبز) لكن ضمن العقود الاجتماعية والقانون.
الصين حالة خاصة في تاريخ هذه المفاهيم التي انطلقت منها النظم الرأسمالية والبرجوازية في صعودها واستوائها على عرش العالم. وكذلك في تاريخ المفاهيم الاشتراكية أو الشيوعيّة، والاثنان ضمن فضاء تاريخ الفكر الأوروبي بمنعرجات تحوّلاته وتنوّعه.
الصين الحديثة في صعودها الاقتصاديّ القويّ حالة خاصة كما يتبدى من سلوكها وممارساتها التي تتفوّق في وحشيتها على الأنظمة المتخلفة، فهي في هذا المنحى لن تضيف إلى الوضع البشريّ إلا مزيدًا من البشاعة والقبح وانحطاط القيم السياسيّة والجشع.
هذه العُجالة لا ترمي إلى مسؤولية الصين عن تخليق الجراثيم والفيروسات ولا مسؤولية الأمريكان حسب الأطروحات الرائجة هذه الأيام بما يشبه تبادل تهم (المؤامرة) التي مهما حصل من غلوّ؛ فلن تجد لها مرتعًا وولعًا غراميًّا مثلما وجدت في دنيا العرب ونظمهم حتى صارت جزءًا عضويًّا من النسيج والمصير.

أشرت إلى نفايات الرأسماليّة في تاريخها وأزماتها ومنعرجاتها الطويلة التي يشكّل النظام الصينيّ الرّاهن الخلاصة لكل ما هو وحشيّ ولا إنسانيّ في هذا التاريخ ذي الأصول والأسس الأوروبية؛ لكنّي أستعجل السؤال: أليست (النيوليبرالية) التي بدأت تتربّع على عروش أوروبا والعالم مصحوبة بولادات رحميّة لصعود تيارات شعوبيّة ويمينيّة متطرّفة، هي الأخرى خلاصة ذلك المسار الطويل؟
لكن يبقى في الحال الأوروبي حتى الآن ما يشكل الفرق الجوهريّ الحاسم. الدّستور والقانون وسائر المؤسسات الحاكمة. حريات التعبير الديموقراطية والرأي العام.. إلخ.

فجر آخر يطلّ على البشريّة، معبّأ بالهلع وأشباح الأوبئة والبراكين الخامدة في الأعماق المذعورة تنتظر لحظة الانفجار.
فجرٌ مخيفٌ وعدوانيّ، أتمشّى كالعادّة التي بدأت تحفر مجرياتها وتفاصيلها مع الأيّام، إلى نافذتي المطلّة على واحة الشجرة، أنظر إلى كائناتِ الفضاء الأرضيّة تتقافز بين الأغصان، عصافير وجوز يمام وطائر صغير صدّاح، وثمة طائر (المينا) الآسيوي الذي يتعايش مع البيئة بشراسة فارضًا مكانته العدوانيّة على الطيور الأخرى كافتراس البيض وغيره.
الأطفال مازالوا يغطّون في نومٍ عميق بعد أن هجروا المدرسة، ينامون في ساعة متأخرة ويسهرون.
لم يعبأوا بالوافد الثقيل بقدر استمتاعهم بفسحة الحريّة التي أتاحها الوباء بعيدًا عن إكراهات الدروس الملزمة والمدرسة، حتى إن أحدهم قال ذات مرة: (لو كانت كورونا امرأة لتزوجتها).
وإذ ينحدر كاتب هذه السطور العجلى إلى سنوات طفولتِه البعيدة التي يخالها قرونًا تصرّمت من فرط النأي والبعاد، لتذكّر أيام مدرسة الكتاتيب وما تلاها مما يشبه المدارس العصريّة، ولتذكر ذلك الكَبد والمعاناة جرّاء الذّهاب إلى المدرسة، خاصة إذا كانت ثمة امتحانات، حيث كان يتمنى أن تنكسر رجله أو يفلع رأسه كي لا يذهب إلى المدرسة ويسرح مع الغنم والحمير، وحتى حين ذهب إلى القاهرة والتحق بمدرسة البعوث في حيّ العباسية بدأ من المدرسة الإعدادية كان التغيب والمراوغة على أشدّهما، وحين تأتي الامتحانات يذهب مجبرًا ليؤدي الامتحانات بسرعة صاعقة عائدًا إلى حيّ الدقّي، وعلى الشرفة تحديدًا في شارع سليمان جوهر ليغازل التلميذة القابعة على شرفة العمارة المقابلة.. وعادة الجلوس في الشُرفات والبلكونات منتشرة بكثافة في القاهرة وبيروت وبلاد الشام.
أفتح نافذة فجري الخاص لأطل على كينونات الشجرة النابضة بالحياة والأمل في البلقع الأجرد. وكنت مساء الأمس ذهبت أيضا إلى وادي غلا القريب ناحية الجزء الأعلى؛ حيث كثافة الأشجار والنباتات والطيور في هذا الطقس الذي ما زال صامدًا على جماله الحنون قبل انهيارات الصيف الزاحف.
وجدت الجزء الأعلى من الوادي مغلقًا بشريط منعًا للتجمعات المخالفة لقرارات اللجنة العُليا؛ لكنّ الجزء الآخر الذي يمتدّ إلى الجسر الذي تمرّ على حدبته العربات والشاحنات ما زال مفتوحًا وهو كافٍ لنزهةٍ حتى مغيب الشمس في مجهول البحار والمحيطات.
كان ناصر معي، أخذ يلعب على الرمل بين الأشجار والحشائش، وكنّا في الزمن الماضي كثيرًا ما نأتي بها مع نباتات وطيور أخرى إلى المنزل لتشكل وجبة لذيذة هانئة.

عندما يتفتح أوّل غصن في فجر الشجرة، ويغني أوّل عصفور تتفتح الحواسّ وتستيقظ من طمي سباتها المتراكم لتعانق النور والأفق.

من الجميل والرائع أن يكون هناك فجر وعصافير وشجرة، ولكنّ الأكثر روعة وجمالًا أن يكون كامل المشهد غير موجود من أصله وجذوره ليسيطر بهاء العدم على هذه الأرض التي أخذت تفترسها جسدًا وروحًا أوبئةٌ ضارية بعدما مزقت الروح والقلب والخيال لتندفع هذه القطعان الآلية بين براثن أقدارها الأليمة أيّما ألم وكارثة.
(من ظلال حكمة مكلومة للبوذا حول حدث الولادة الكوني، البوذا الذي رأى وصدقت الرؤيا).

في الأزمنة البعيدة نسبيًّا كانت الأوبئة تعصف في عمان وما يشبهها من بلدان، تفتك بآلاف من غير حول ولا قوّة؛ عدا الأدعية والاستغاثات الجريحة المتصاعدة إلى عرش بارئها ليوقف بمشيئته الكليّة هذا الزحف الأسود. لم تكن هناك لقاحات ولا أدوية حتى في حدها الأدنى عدا الأدوية العشبيّة والوصفات الشعبية التي توارثتها الجماعات عبر التجارب والأسلاف.
حدثتني الوالدة عن الوالد -تغمدهما الله برحمته- الذي كان مزواجا على طريقة أقرانه في ذلك الزمان المطمئن اليقينيّ، الذي لا يعكّر صفوه عدا الموت والفراق وتلك الأوبئة والأمراض التي تطوق به إلى الحيرة والارتباك.
تزوج الوالد من تسع نساء على دفعات في عمره المديد الذي ناهز القرن من الزمان، وأنجب ما يقارب الأربعين من الذكور والإناث، الجميع فتكت بهم الأوبئة عدا ستة هم الناجون من مجزرة الأوبئة ليتناسلوا أبناء واحفادًا.

شجرة الفجر على النافذة المطلعة على البراح الأجرد، لكن المؤثث ببزوغ النور الأوّل من جوف الظلمات المحتدمة في مثل هذه الأقاصي والهوامش المنسيّة. ترقب أول نبرة في معزوفة العصافير والأغصان التي تستيقظ من نومها قبل استيقاظ حركة البشر في منازلهم وهم يقضون فترة الحجر الصحيّ. النّغمة الأولى لفجر العصافير والأشجار المحلّقة في بهاء الوادي القريب أمام سجن العالم الدامي.
فكرت أن الطبيعة حتى في ثبات عناصرها وروتينها اليوميّ ثمة ما هو جمالي متجدد ومنعش للروح والحواسّ لا يجعلك تضجر وتقنط على عكس ثبات المشهد البشري في سياقه المملّ الثقيل، إذا لم يحصل تغيّر في سياق المشهد الزمنيّ والاجتماعيّ المتعاقب، وكنت أقرأ عن عالم الروائي الإنجليزي “توماس هاردي” ونزوع أشخاصه للطبيعة كعزاء وملاذ من كلفة التقدّم والتقنية الباهظة على الروح، على نمط «روسو» في نزعته البريّة لاستعادة الإنسان الأول، إنسان الفطرة الصافية والرهافة النشوى.
استعادتها في الحلم والكتابة، وتلك السُكرة التي تمنحها حيوات الطبيعة العابرة السريعة الفناء مثل الفراشات الحائمة على أشجار الأودية، تلك الأخاديد التي حفرتها السيول والأزمان.
النغمة الأولى لهذا العصفور مع خيوط الفجر الأولى وصوت المؤذنين في المساجد المهجورة.

بما أن كاتب هذه الصفحات، بالغ الولع فيما كتب ويكتب عن الحيوانات والطيور وعصافير الدوري، خاصة تلك التي وطنها الكون برحابته وقسوته، فهذه اليوميّات انبلجت مع ضوء الفجر الوليد على الشجيرات الوحيدة في البلقع الأجرد بأصوات عصافيرها وغربانها السحيقة.
أتذكر هنا مذبحة العصافير التاريخيّة التي أمر بها ماو تسي تونغ في منتصف القرن العشرين.
(ففي الصين أمر الزعيم «ماو تسي تونغ»، بقتل كل طيور الدوري في الصين، وهذا بحجة أن هذه الطيور تتغذى على المحاصيل الزراعية، وهو كان يريد تحقيق قفزة كبرى، كانت تسمى «القفزة العظيمة للأمام»، التي كان يرغب فيها باستخدام العدد الهائل من السكان في الصين لتحقيق قفزة اقتصادية سريعة لاسيما في الزراعة، واعتمد في ذلك على نظرية تسمى «نظرية القوى المنتجة»، وبما أنّ هذه الطيور كانت تتغذى على بعض الحبوب والمحاصيل الزراعية؛ فقد أمر ماو بقتلها كلّها وتسبب في حدوث أكبر كارثة بيئية صنعها إنسان على مرّ التاريخ.
وفي بيان رسمي للزعيم ماو عام 1958 أعلن أنه يجب قتل كل طيور الدوري، ووصف هذه الطيور بالآفة التي يجب التخلص منها، ظنًّا منه أنّها تأكل كميّة كبيرة من المحاصيل، وأنّ الحلّ الأمثل لها هو إبادتها كلها واعتبر أن هذا هو الحل المنطقي للأمر، وقال إنّ هذه الطيور بمثابة عقبة كبيرة تقف أمام تقدّم الاقتصاد في الصين، وبالتالي تمّ قتل أعدادٍ هائلة من طيور الدوري بشكل وحشيّ، حيث دفع ماو المواطنين لقتل هذه الطيور وملاحقتها ومنعها من الهبوط أو بناء أعشاش لها، وذلك عن طريق إخافتها وترويعها باستخدام نوعٍ ما من الطبول سبّب لها الإجهاد الشديد، وكان المواطنون يطلقون الرصاص عليها في السماء وعلى الأشجار حتى انقرضت تقريبا في الصين، وكان كلّ شخص يقوم بقتل أعداد كبيرة يحصل على مكافآت ماليّة، ويتم معاملته معاملة الأبطال .
بعد قتل كلّ طيور الدوري تقريبا أدى ذلك إلى انتشار الجراد بشكل مُخيف، وقد كانت طيور الدوري تتغذى على هذا الجراد، وبالتالي مع موتها انتشر هذا الجراد بهذه الأعداد الكبيرة، ومع انتشاره قام بأكل كلّ شيء في طريقه، وقضى على كلّ المحاصيل الزراعيّة ودمّرها، مما أدّى إلى نفاد الأغذية بشكل سريع، وحدوث مجاعة مروّعة تعدّ من أكبر المجاعات في التاريخ)1.

ذلك الرأي القائل إن الطبيعة تنتقم لنفسها من فرط انتهاكات الإنسان وطبعه التدميري، لحرمتها وروحها، لجوهر سيرورتها الأزلية، لذلك يذهب الرأي الناقم على فظائع البشر، إلى جانب الأسباب العلمية لثوران الطبيعة وغضبها، من زلازل وبراكين وأوبئة، موغلًا على نحو لاهوتي ضد الانتهاك والتدمير. لكن الكثير من هذه الظواهر الانتقامية الكاسحة هي من صنع البشر خاصة في البرهة الراهنة من التطور العقلانيّ الصناعيّ الذي يجنح أكثر نحو الشرّ والعنف سواء عنف البشر اتجاه بعضهم أو عنفهم اتجاه الطبيعة، تحت مبررات يقتضيها تطور الحداثة التقنية والحياة التي يعيش – ترفها – البشر المعاصرون، متبوعًا أو مُؤسساً بالضرورة العضوية بجشع الطبقات الحاكمة ونهمها إلى الثروة والنفوذ والهيمنة. من منطلق أنّ كلّ شيءٍ في الحياة والكون ليس إلا أدوات ووقود لهذا الجشع والنهب لغايات لا علاقة لها بجوهر الإنسان ومناقضة للفطرة والأخلاق وحتى للقوانين إن وُجدت كما في الغرب أو لم توجد كما في النموذج الصيني وغيره الكثير.
في هذا المنحى الإنساني الروحي لمناهضة عنف وجشع بشر الطبقات الحاكمة في العصر الحديث خاصة، ربّما تكشف ظواهر الأوبئة وغيرها من مظاهر غضب الطبيعة عن طبيعة تطهيرية، رغم فداحة الخسائر على بني البشر هناك أخذ العبر والدروس التي تنحو نحو الخير والتسامح والعدالة وإن كانت هذه الكلمات النبيلة استُهلكت وابتُذلت مثل موضات الأزياء الموسمية. وتقليل الظلم والنهب المتطرفين، لكون طرف محدود العدد يبدد المليارات والتريليونات وأغلبية البشر الساحقة تتضوّر جوعًا وبردًا وصَهدًا وسقمًا، أي إنها تعيش الدرك الأدنى في جحيم الحياة.
وتزداد هذه الفظاعات الطبقية هولًا واتساعًا بين الأغنياء أو القلة «المحظوظة» وتلك المساحات الشاسعة للفقراء وثقيلي الأحمال حسب عبارة السيد المسيح في البلدان التي لا يحكمها العقد الاجتماعي حيث تتكدس الثروات المنهوبة لدى الثلّة المجردة من خصائص النخبة في المعرفة والثقافة، من غير جهد لجمع هذه الثروات والمكانة الحصينة…هكذا انفتحت السكّة، فتدفق مجد الثروة والمنصب والصدارة. ومثل هذه الفئة بخصائصها البعيدة عن الثقافة والأخلاق لا يمكن انتظار أيّ خيرٍ منها للصالح العام والأوطان المنكوبة، فثرواتها الماديّة الضخمة لا ترتبط بأي انتماء عدا انتماء النهب والاستباحة، فهي مترحّلة بين المصارف والمدن الكبرى والبنوك. وهذا ما أثبتته جزمًا الأزمات والمحن التي ألمّت بمثل هذه الأوطان من حروب وأوبئة وانهيارات. نستدرك القول إذا؛ ثمة وظيفة تطهيرية أو عِبر تستخلص من المحن والملمّات القاسية، فليس من هؤلاء النفر، وإنما يبقى الأفق مفتوحًا على احتمالات الخير والجمال والإنسانية الصادقة، حتى وإن كانت محدودة.

تعليق آخر ورَد في مقابلة مع الفيلسوف الإيطالي، ذات بعد بيولوجي ووجودي؛ إذ إن الانسان لدى «امانويلي كوتشا» ليس إلا عربة بين عربات كثيرة، حيث إن ولادته ليست بداية ولا موته نهاية. بمعنى آخر ثمة زحزحة لمكانة الإنسان المركزيّة في الوجود التي كرّسها عصر الأنوار العقلانيّ الأوربي كونه الإنسان (سيد المخلوقات). من غير المرور على هواجس المؤامرات والمخططات السابقة لهذه الدولة أو تلك. يواصل المفكر الإيطالي القول بأن هذا الفيروس المجهري يعلّمنا ألا نقيس قوّة الكائن الحيّ على أساس أجهزته البيولوجية الدّماغية والعصبية، كما أنّه يكسر نرجسيتنا الغربية التي نتأمل في مراياها عظمتنا، ونعلي بشأن قدراتنا الخبيثة والمدمّرة ولسان حالنا يقول انظروا كم نحن أقوياء. ويعبر عبر استبطان عميق عن أطوار الحياة والموت وأشكال التحوّل المفتوحة دائما. الحياة التي نُعبِّرعنها اللحظة كانت موجودة قبلنا هي حياة آبائنا وأجدادنا تنحدر بممرٍ دائمٍ يصل حتى بداية الحياة على هذا الكوكب. الولادة بهذا المعنى هي مسلسل هجرة الحياة بين الأشكال والأنواع نباتات بشرًا وحيوانات وفيروسات، كما أن الموت شرنقة تسمح للحياة بالانتقال من نوع إلى آخر. ولادات متجددة ونهايات وموت متجددان.


هوامش
جزء من يوميات وكتابات مفتوحة
سر العلاقة بين طيور الدوري ومجاعة الصين الكبرى عام 1961، صحيفة المرسال:
https://www.almrsal.com/post/622258
  • عن مجلة نزوى – عُمان

شاهد أيضاً

“البدوي الملثّم”: أحد رواد الحركة الأدبية الأردنية في الذكرى الخمسين لرحيله

* كايد هاشم تشرفت الأسبوع الماضي أن شاركت بحديث عن يعقوب العودات “البدوي الملثم”، أحد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *