الرئيسية / خبر رئيسي / أبعاد الحدود في روايات غسان كنفاني

أبعاد الحدود في روايات غسان كنفاني

د . عصام حسين أبو شندي

 

تمهيد :

   وضع الروائي الفلسطيني غسان كنفاني(1)، أربع روايات خلال حياته القصيرة، هي : “عائد إلى حيفا” 1970م، و”أم سعد” 1969م، و”ما تبقى لكم” 1966م، و”رجال في الشمس” 1963م . حاكى كنفاني فيها، وفي غيرها من الأعمال الأدبية والكتابات الأخرى التي أبدعها، من مجموعات قصصية ومسرحيات ومقالات – صورا من معاناة الشعب الفلسطيني، الذي تشرد في أرجاء المعمورة، بسبب احتلال الكيان الصهيوني لفلسطين، وتهجيره لسكانها بعد عامي 1948م، و1967م، لا ليمجد تلك المعاناة وحسب، وإنما ليومئ أيضا إلى كثير من الأخطاء التي وقع فيها الإنسان الفلسطيني، خلال تلك المسيرة الصعبة .

   ومن العناصر الفنية التي تلفت انتباه القارئ في كتاباته الروائية خاصة، قدرته الفائقة على توظيف “الأبعاد الحدودية” في أبنية رواياته، لتجسيد تلك المعاناة في أوضح صورها، ويأتي في صدارتها بعد ( الحدود الجغرافية )، التي شكلت المذبح الذي هلكت فيه شخصيات رواية “رجال في الشمس”، وهم يحاولون عبور الحدود بين العراق والكويت، بحثا عن حياة فضلى بعدما هُجّروا من وطنهم قسرا .

   كما واجهت شخصية “حامد” في رواية “ما تبقى لكم”، مصيرا قريبا من المصير الذي لقيته شخصيات “رجال في الشمس”، بعد أن عبر الحدود بين غزة وإسرائيل، فابتلعته الصحراء وهو يحاول عبور الحدود بين الأردن وإسرائيل، بحثا عن أمه ليرتمي في حضنها، ويشكو لها ألم العار الذي سبتته له أخته “مريم”، بسبب حملها سفاحا من الخائن “زكريا” . لكنّ البعد الجغرافي ليس هو “البعد الحدودي” الوحيد، الذي يلحظه المتلقي لدى تذوقه لروايات كنفاني، إذ يجد ثلاثة أبعاد حدودية أخرى غير البعد الجغرافي، تفصل بين الشخصيات في الروايات، وهي : البعد الاجتماعي،  والبعد النفسي، والبعد الحضاري . وهو المظهر الفني الذي سأقاربه في الصفحات التالية .

1- ملخص الروايات :

   تروي أحداث رواية “رجال في الشمس” قصة ثلاثة أشخاص فلسطينيين، متفاوتين في الأعمار :  أسعد وأبي قيس ومروان؛ تدفعهم ظروف التهجير من فلسطين عام 1948م، وسوء الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تكونت نتيجة التهجير، إلى محاولة السفر تهريبا من العراق إلى الكويت، بحثا عن لقمة العيش وظروف حياة فضلى، فتتلقفهم شخصية أبي الخيزران الفلسطيني، الذي كان يعمل سائق خزان ماء عند أحد أثرياء الكويت، ويتفق معهم على تهريبهم إلى الكويت بإخفائهم في بطن الخزان، هربا من عيون دوريات التفتيش، في أوج وقت الظهيرة، في ذلك الجو الصحراوي الملتهب الحرارة، وينجح في العبور بهم من الحاجز الأول، لكن الوقت يطول به قبل أن يتمكن من عبور الحاجز الثاني، فيموتون اختناقا في بطن الخزان .

    وتتمحور أحداث رواية “ما تبقى لكم”، حول البطال “حامد”، الذي تُخزيه أخته “مريم” بسبب حملها سفاحا من الشخص الخائن النتن “زكريا”، الذي وشى بأحد الفدائيين، والمتزوج وله خمسة أطفال من زوجته الأولى، ما يرغم حامدا على الموافقة على تزويجها من زكريا، على وجه السرعة ومن دون مهر، وبسبب ذلك يقرر حامد قطع الصحراء وعبور الحدود باتجاه الأردن، بحثا عن أمه التي تعيش هناك، كيما يرتمي في حضنها ويشكو لها ذله الذي تعرض له بعدما حدث، وتعيش مريم مع زكريا أياما من الذل والقهر نتيجة تلك الخطيئة، الأمر الذي يؤدي بها إلى قتله في النهاية طعنا بسكين .

   وتجسد رواية “أم سعد” حكاية امرأة فلسطينية تدعى أم سعد، هُجّرت من وطنها كغيرها من أبناء الشعب الفلسطيني، لتعيش في أحد مخيمات اللجوء، وتعاني كغيرها من فظاظة العيش فيه، حيث تتمحور أحداث القصة، حول تصوير الهواجس التي لا تنفك تنتاب أم سعد، وهي تلهج بذكر ولدها سعد الذي انضم إلى صفوف الفدائيين، الذين يقاتلون بما أتيح لهم من إمكانات، بغية تحرير الوطن السليب .

   أما رواية “عائد إلى حيفا”، فإن أحداثها تدور حول شخصية “سعيد س” وزوجته “صفية”، اللذين فقدا طفلهما الرضيع “خلدون” في منزلهما في حيفا، غداة احتلالها من قبل العصابات الصهيونية عام 1948م، فيقرران العودة إلى منزلهما، بعد مضي عشرين سنة من تلك الحادثة، بعد نكسة عام 1967م، بحثا عن خلدون ولغرض تفقد منزلهما، لكنهما يفاجآن بأن أسرة إسرائيلية تتكون من العجوزين “مريام كوشين” وزوجها “إفرات كوشين”، قد حلت محلهما في المنزل، وربّت الطفل وأسمته “دوف”، وأنه مجند في الجيش الإسرائيلي، حيث تقع المفارقة هنا عندما يرفض دوف العودة إليهما، وتفضيله البقاء في كنف الأسرة الإسرائيلية .

2- أبعاد الحدود :

أ – البعد الجغرافي :

   تحمل لفظة “الحدّ” أو “الحدود” في دلالتها الحسية القريبة والمباشرة، معنى “الحاجز بين الشيئين”(2)، أو الفواصل تحجز بين المكونات المادية، من مثل الحدود التي تفصل بين بلد وبلد وآخر، أو مدينة ومدينة أخرى، كسلاسل الجبال أو الأنهار أو البحار أو الصحراء أو الأودية، ولكنها اكتسبت أكثر دلالاتها شيوعا، من خلال اقترانها بالأسلاك الشائكة التي تفصل الدول عن بعضها بعض في الزمن المعاصر .

   وقد تمكن غسان كنفاني، في رواياته، من توظيف الحدود في بعدها الجغرافي، في رسم معاناة الإنسان الفلسطيني وتجسيد ضيعته، بعد احتلال بلده وتشتته في أصقاع المعمورة كلها، كنفاني الذي تجلت فلسطين في مخيلته ” في صورة الحبيبة التي اختطفها العدو الإسرائيلي من بين أحضانه، فلم تغب عنه استعادتها، لأنها همه الأول والأخير “(3)، وقد تمثل ذلك في موضعين : أولهما في “ما تبقى لكم”، بعد أن قرر حامد أن يهجر غزة، هربا من عار أخته مريم وزكريا، ذلك الشخص الكريه الذي لم يعهد منه حامد – حتى قبل فعلته هذه – إلا الخيانة، وها هو ذا يقترف الفعلة الشنيعة مع أخته مريم، التي لا تقل عنه خيانة لسقطتها الدنيئة التي وقعت فيها، وكانت نتيجتها جنينا يتحرك ويدب في أحشائها من زكريا، فيقرر حامد أن يترك غزة ويقطع صحراء النقب ومن ثم الحدود مع الأردن، سيرا على أقدامه، ليصل إلى أمه هناك، ويلقي بجسده في حضنها ويبكي : ” وفجأة جاءت الصحراء . رآها الآن لأول مرة مخلوقا يتنفس على امتداد البصر، غامضا ومريعا وأليفا في وقت واحد … وفي قلب الجدار الأسود الذي انتصب وراء الأفق أخذت المصاريع تنفتح واحدا وراء الآخر، فتبثق وراءها نجوم ذات لمعان قاس . عندها فقط عرف أنه لن يعود . وبعيدا وراءه غابت غزة في ليلها العادي، غابت مدرسته بادئ الأمر، ثم غاب بيته، وانطوى الشاطئ الفضي متراجعا إلى قلب الظلام “(4) .

   ويمضي حامد ليسبر غور الصحراء، التي تمثل حدا عريضا يفصل بينه وبين مجهول لا يدري منتهاه، لتتعاور الصحراء وهواجس الغليان التي أودعتها في نفسه فعلة مريم الشنيعة – في شحذ الألم في نفسه : ” ولكن الملعونة لم تنتظر . جاءتني بجنين يضرب في أحشائها . وأبوه ؟ ذلك النتن، الكلب، زكريا، لقد خدعاني معا ثم طرداني وأنا غارق في عارها – زوجتك أختي مريم، زوجتك أختي مريم .. كله مؤجل .. مؤجل “(5)، ولكن الطريق ليست سهلة، بل هي ملأئ بالمخاطر، فإذا أراد حامد الوصول إلى غايته، فعليه ” أولا أن يجتاز حدودنا، ثم عليه أن يجتاز حدودهم، ثم حدودهم، ثم حدود الأردن، وبين هذه الميتات الأربع توجد مئات من الميتات الأخرى في الصحراء “(6) . وهكذا تستمر وساوس الخوف والحقد تتقاذفانه في ظلام الليل الدامس لتنتهي الرواية، من دون أن تنتهي الرحلة .

   أما الموضع الثاني، فهو في “رجال في الشمس”، التي جسدت “الحدود” في بعدها الجغرافي فيها، المذبح الذي سال عليه دم القضية الفلسطينية، والذي فاضت فيه روح الفلسطينيين الثلاثة، وهم يحاولون العبور، في رحلة الفرار من الفقر إلى الغنى، من المجهول إلى المجهول، من الوطن إلى اللاوطن . فقد اتفق أسعد مع أبي العبد سائق السيارة على أن يهربه من الأردن إلى العراق، ولكن أبا العبد كذب عليه، فعند اقترابهما من نقطة “الإتشفور” طلب من أسعد أن ينزل قبل النقطة، ويدور حولها دورة في عمق الصحراء لتلافي التفتيش، ومن ثم يلتقيان بعدها :

” – ما عليك إلا أن تدور حول الإتشفور، لا بأس أن تضرب قليلا إلى الداخل، أنت ما زلت فتى وبوسعك أن تتحمل قليلا من القيظ .. ثم عد وستجدني بانتظارك في الطريق .

– ولكن هذا لم يكن ضمن الشروط .. لقد قلت لي، ونحن في عمان إنك ستأخذني إلى بغداد ودفعت لك عرين دينارا كاملا .. لم تقل لي إنني سأدور حول الإتشفور “(7) .

   واضطر أسعد إلى القبول بالأمر الواقع، ودار ” دورة كبيرة حول الإتشفور، كانت الشمس تصب لهبا فوق رأسه، وأحس فيما كان يرتقي الوهاد الصفر أنه وحيد في كل هذا العالم .. جرجر ساقيه فوق الرمل … اجتاز بقاعا صلبة من صخور بنية مثل الشظايا، ثم صعد كثبانا واطئة ذات قمم مسطحة “(8) .

    نعم لقد كذب أبو العبد على أسعد، واستغل براءته وجهله، وجعله يدور في رحلة كادت تزهق فيها روحه . لكنه وصل أخيرا إلى بغداد ثم إلى البصرة، لتبدأ هناك مغامرته التالية مع الحدود، التي سيتحقق فيها موته بالفعل مع رفيقيه الفلسطينيين أبي قيس ومروان، اللذين جمعته بهما الصدفة، حين كان الثلاثة يبحثون عن من يهربهم من العراق إلى الكويت، بحثا عن العمل وتحصيل المال وجمع والثروة، وصولا إلى تحقيق الحياة الرغيدة لهم ولأسرهم، اللاتي تركوهن في فلسطين أو الشتات .

   فيصطادهم هناك أبو الخيزران، الرجل الفلسطيني الخصيّ، الذي يعمل سائقا لأحدى السيارات التي تحمل الماء للحاج رضا في الكويت، ويقنعهم بالسفر معه بعد أن يئسوا من المهربين، ووجدوا في أبي الخيزران وخزان مائه، فرصة أفضل من مغامرة التهريب عبر الصحراء والحدود، وهي مغامرة قد لا تحمد عقباها، فيتم الاتفاق بينه وبينهم على أن يدخلهم في خزان الماء قبيل الحد العراقي، على أن يمر سريعا بموظفي الحدود، الذين يثق في أنه سينهون له إجراءات مروره بسرعة البرق، على اعتبار أنه يعمل عند الحاج رضا الشخصية الثرية المشهورة، التي تفتح لها ولحاشيتها الأبواب على مصراعيها .

   وبعد أن يمر من الحد العراقي، يخرجهم لالتقاط أنفاسهم قليلا، في أيام القيظ تلك، التي تذيب الحديد تحت أشعة شمسها الحارقة، وتسلخ عجلات السيارات من شدة لهيب الحر، في تلك المنطقة بين العراق والكويت، ومن ثم يعيدون الكرة نفسها مع الحد الكويتي حتى تنتهي الحكاية، وفق تخطيط أبي الخيزران . ويتم الاتفاق وتبدأ الرحلة : ” أطفأ أبو الخيزران المحرك بسرعة، وفتح الباب ثم قفز إلى الأرض .. وأخذ يصيح :

– لقد بدأ الجد .. هيا .. سأفتح لكم باب الخزان .. هاها سيكون الطقس كالآخرة، هناك في الداخل .. صعد بخفة فوق السلم الحديدي الصغير وأخذ يعالج باب الخزان المستدير … انفتح الباب مقرقعا ورفع أبو الخيزران طرف القرص “(9)، وظهرت علامات التردد على وجوه الرفاق الثلاثة، إلا أنهم نزلوا في النهاية : ” قوّس أسعد جسده وصاح : كيف ترى الأمور ؟ ودوى صوت عريض من الداخل كأنه آت من عمق سحيق : إنه بئر ملعونة .. تعال … أغلق أبو الخيزران الغطاء بسرعة ودور يده المضلعة دورتين، ثم انحدر راكضا إلى مقعده، وبدأت السيارة، قبل أن يغلق الباب، تلتهم الطريق “(10) .

   وبالفعل تم له الأمر كما يريد عند نقطة الحدود العراقية، إذ أنهى إجراءات ختم جواز السفر بسرعة البرق، وانطلق إلى المنطقة الصحراوية الواقعة بين الحدين : ” فأطفأ المحرك وترك السيارة تنزلق قليلا، ثم أوقفها وقفز من الباب إلى ظهر الخزان، خرج مروان أولا : رفع ذراعيه فانتشله أبو الخيزران بعنف وتركه مفروشا فوق سطح الخزان .. أطل أبو قيس برأسه ثم حاول أن يخرج إلا أنه لم يستطع، عاد فأخرج ذراعيه وترك أبا الخيزران يساعده .. أما أسعد فقد استطاع أن يتسلق الفوهة . كان قد خلع قميصه .هل كان الأمر مخيفا ؟ . لم يجبه أحد .. فدوّر نظره فوق وجوههم، فبدت له وجوها صفراء محنطة، ولولا أن صدر مروان كان يرتفع ويهبط، ولولا أن أبا قيس كان يتنفس بصفير مسموع، لخيل إليه أنهما ميتان “(11) .

   لكن الكارثة تقع عند وصولهم إلى الحد الكويتي، حيث يفاجأ أبو الخيزران بأحد الموظفين أبي باقر، يتعمد تأخير ختم جوازه، وتبادل الغمز واللمز والضحكات مع زملائه من موظفي الحدود، الذين وصل إليهم خبر، بأن أبا الخيزران على علاقة مع راقصة تدعى كوكب في البصرة، وأنه يقضي معها الليالي الملاح، وهم لا يعلمون أنه خصي، ولا قدرة له على معاشرة النساء، وهذه المضحكة المبكية، التي تومئ إلى ضيعة الشعب الفلسطيني، مثلما يرمز أبو الخيزران إلى القيادة الفلسطينية ” العاجزة التي ناضلت قديما، وما زالت تعيش على أمجادها، والتي تلجأ إلى المرونة التي تدل على التكيف حسب الظرف، وليس الثبات على المبدأ، والتي تعبت وأصبح هدفها أن تجمع المال وتستريح “(12) .

   فيتأخر أبو الخيزران نتيجة هذا الموقف لأكثر من عشرين دقيقة : ” الفوهة المفتوحة بقيت تخفق بالفراغ لحظة، كان وجه أبي الخيزران مشدودا إليها متشنجا وشفته السفلى ترتجف باللهاث والرعب، سقطت نقطة عرق عن جبينه إلى سطح الخزان الحديدي وما لبثت أن جفت .. وضع كفيه على ركبتيه وقوّس ظهره المبتل حتى صار وجهه فوق الفوهة السوداء، وصاح بصوت خشبي يابس : أسعد ! دوى الصدى داخل الخزان، فكاد أن يثقب أذنيه وهو يرتد إليه، وقبل أن تتلاشى دوامة الهدير التي خلقها نداؤه الأول، صاح مرة أخرى : يا هوه .. “(13) . ولكن ما من مجيب، لقد ماتوا جميعا في رحلة العبور الحدودية هذه، وبدل أن تكون رحلة من حياة البؤس إلى حياة السعادة، غدت رحلة من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، على مذبح الحدود، في هذه الرواية التي ستظل صالحة ” للتعبير عن الموضوع الفلسطيني ومأساويته، وهي قابلة لاحتواء المزيد من العناصر التي يمكن أن تغني شكلها، بجملة متجددة من الصور المتماهية، بشكل أو بآخر مع المناخات الراهنة التي تتقاطع إلى حد كبير، مع جذور المناخات التي صاغ غسان روايته على ضوئها “(14) .

ب – البعد الاجتماعي :

   وهو يتمثل في الحواجز التي تنشأ نتيجة الخلافات الاجتماعية، لا سيما في الأطر الأسرية الضيقة، لذلك يمكن إسقاط فكرة “الحدود” عليها، على اعتبار أنها تشكل حواجز تفصل بين الأفراد، وتمنعهم من التواصل، تماما كالحواجز والحدود المادية والجغرافية، التي تفصل بين الشعوب، وقد تجسدت في روايات كنفاني في أكثر من موضع، فقد تكون حد في “رجال في الشمس”، بين شخصية مروان من جهة وبين “أبيه” وأخيه “زكريا” من جهة ثانية، وذلك لأن أباه طلق أمه وتركها هي وأطفالها الأربعة، وتزوج من “شفيقة” المرأة الشوهاء ذات الساق المقطوعة، طمعا في بيتها الذي تركه لها والدها، وها هو ذا مروان في العراق يهم بالسفر إلى الكويت، فيكتب رسالة لأمه، ولكنه ” ليس يدري كيف أجاز لنفسه أن يصف أباه بأنه مجرد كلب منحط، ولكنه لم يشأ أن يشطب أي كلمة في الرسالة كلها “(15) .

   أما أخوه زكريا فقد أمضى سنوات عدة في الكويت، يعمل ويرسل لهم مبلغا من المال يسد حاجتهم، ولكن هذا المبلغ توقف فجأة بقرار من زكريا، فكانت عواقبه كارثية على الأسرة، إذ تزوج الأب من شفيقة المرأة المقطوعة الساق، وهجر والدته وأطفالها الأربعة، فكانت الحقيقة صادمة ومؤلمة لمروان، تلك ” الحقيقة التي تقول إن أباه قد هرب .. هرب .. هرب .. تماما كما فعل زكريا، الذي تزوج وأرسل له رسالة صغيرة، قال له فيها إن دوره قد أتى، وأن عليه أن يترك تلك المدرسة السخيفة “(16) . فكان طبيعيا أن ينبني الجدار بين مروان وزكريا الذي تركه في نصف الطريق، ولم يساعده في إكمال مسيرته الدراسية : ” كل عمره كان على طرفي نقيض مع زكريا .. بل إنهما كانا – في الواقع – يكرهان بعضهما  .. زكريا لم يكن يستطيع أن يفهم قط، لماذا يتوجب عليه أن يصرف على العائلة طوال عشر سنوات، بينما يروح مروان ويجيء إلى المدرسة مثل الأطفال “(17) .

د.عصام ابو شندي

   وكذلك حامد وأخته مريم في “ما تبقى لكم”، تكوّن بينهما حد اجتماعي منيع، على إثر العار الذي سببته له، لا سيما بعد رحيل الأم إلى الأردن بعد الاحتلال : ” جاءت وقالت : سأعترف لك بشيء خطير، فخفق قلبي وقلت لها : “اجلسي إذن” . فجلست وطوت راحتيها فوق حضنها، فسقط بصري فوقهما وعرفت فورا . اجتاحني الرعب فأخذ جبيني ينضح عرقا “(18) . وكانت النتيجة أنه قرر السفر إلى الأردن قاطعا الصحراء، ملقيا بنفسه إلى التهلكة : ” لقد حرصت عليك حرصي على حياتي ذاتها أيتها البقرة، أمضيت كل أيامي وأنا غارق في خدمتك الصغيرة ليلا نهارا بلا كلل . وكنت أريدك امرأة شريفة تتزوج ذات يوم رجلا شريفا . ولكنك فتحت فخذيك لأول رجل . لأول نتن . وجئت تحملينه في أحشائك، دون أن تكترثي لحظة واحدة بي . دون أن تكترثي حتى به . كنت أيتها البقرة كنت، كنت “(19) .

ج- البعد النفسي :

   يمثل كل من البعدين : الاجتماعي والنفسي، حالة من النفور والتجافي والازورار في العلاقات بين الشخصيات الروائية، لكنّ الفارق بينهما، يتمثل في أن “الحد الاجتماعي” يأخذ بعدا خارجيا، في حين أن “الحد النفسي” يأخذ بعدا داخليا؛ بحيث يتبدى الحد الاجتماعي في حالة النفور وانعدام التواصل بين الأفراد، الأمر الذي تلحظه العين المبصرة، بينما يتشكل الحد النفسي في حنايا النفس البشرية غير المرئية، نتيجة مسبب ما .

   فقد خدع “أبو العبد / سائق الأجرة” سعدا في “رجال في الشمس”، وجعله يدور حول نقطة الإتشفور دورة في عمق الصحراء، كادت تودي بحياته، ولكنه وصل إلى النقطة المرتقب أن يلتقي فيها أبا العبد بحسب اتفاقهما، فزاد أبو العبد خطيئته بخطيئة أخرى عندما أمعن في التأخر، فكان من الطبيعي أن تنتاب سعدا حالة من الكره والنفور ضد أبي العبد هذا : ” وقد اقتعد حجرا وألقى بصره بعيدا إلى رأس الطريق الأسود المستقيم، كان رأسه مشوشا تخفق فيه آلاف الأصوات المتشابكة، وبدا له أن بروز سيارة كبيرة حمراء في رأس تلك الطريق أمر خيالي وسخيف .. وقف، حدق إلى الطريق من جديد، لم يكن بوسعه أن يرى بوضوح بعد، تراه الغسق أم العرق ؟ كان رأسه ما يزال يطن مثل الخلية، وصاح بملء رئتيه :

– أبو العبد .. يلعن أبوك .. يلعن أصلك ..

– ماذا قلت ؟

– أنا ؟ لا شيء، لا شيء .. متى ستبدأ الرحلة ؟ “(20) .

   وبالإضافة إلى الحد الاجتماعي الذي تكون بين حامد وأخته مريم، الذي تمثل في القطيعة التي باعدت بين الأخوين، فقد تكون حاجز نفسي بينهما أيضا، إذ يبدو أن القطيعة لم تكن كافية للتنفيس عما في نفسه من مقت وكره شديدين لها، بسبب فعلتها الشنيعة، فكان لا بد من أن يهاجر من المكان الذي تعيش فيه برفقة زكريا الخائن الفاجر، وبما أنه لم يجرؤ على قتلها بيده، فلا بأس من أن يتمثل هذا المشهد يدور في عاقله الباطن، وهو يضرب في الأرض مهاجرا، عله ينفس عما يجيش في نفسه من غيض متقد : ” طوال شهرين علك وهما كان يلجأ إليه كلما اجتاحته حمى الغيظ : يحمل سكينا طويلة ويندفع إلى سريرها، يكشف عن وجهها، فتفتح محجريها تاركة الجنون يطل منهما، ويمسكها من شعرها ويقول لها شيئا موجزا، ولكنه قاطع وواضح وأحيانا لا يقول لها شيئا … ثم يطعنها طعنة واحدة في القلب تماما، ويندفع إلى خارج الدار يبحث عنه . صهره “(21) .

   ولم يكن حامد الشخص الوحيد الذي تكون حاجز نفسي بينه وبين زكريا، فهناك أشخاص آخرون كثر، يشاركون حامدا في كرههم لهذا الشخص المقيت، بسبب موقفه من الفدائي البطل “سالم”، الذي كان له إسهام بارز في مقاومة الاحتلال الصهيوني، من دون أن يعرف الصهاينة المحتلون بذلك، إلى أن جمعت قوات الاحتلال مجموعة من الشباب، للتعرف على ذلك الشخص الذي طالما قض مضاجعهم، وطُرح السؤال وصمت الجميع، لكن زكريا تكلم ” وفقط حين اقتادوه إلى ما وراء الجدار، رأيته بعيني يشيع زكريا باحتقار جارح “(22) .  لقد فعل زكريا  فعلته وأودى بسالم، فتسلطت أنظار الحاضرين على سالم لحظة وهو يقاد للإعدام، ومن ثم تحولت سريعا إلى زكريا : ” ثم كففنا النظر إليه، وأخذنا ننظر إلى زكريا واقفا أمامنا، مشبكا أصابعه ناظرا إلى الأرض … فحمل كل منا ذله الخاص، ثم انزلقنا إلى المعسكر من جديد “(23) .

   أما مريم فقد ارتكبت خطيئتها مع زكريا، نعم في لحظة ضعف وحملت منه، لكن خطيئته هذه معها، واحتقاره لأخيها حامد، وإجباره حامدا على أن يزوجها له من دون مهر، واكتشافها أنه متزوج أصلا من امرأة أخرى، وله أولاد منها، كل هذه عوامل أدت إلى تكون الحد النفسي بينهما، لا سيما عندما هددها بضرورة أن تتخلص من الجنين في أحشائها وإلا طلقها، وما كاد ينتهي من تهديده، حتى أحست بالجنين في أحشائها كلبا يعوي أو كائنا شيطانيا، الأمر الذي كان له دور في تعجيل نهاية المطاف، ذلك أنها عاجلت زكريا بطعنة سكين قضت عليه : ” فشخر كأنه يصحو من نومه، وتناهى إليّ صوت نزيز الدم يتدافع من حد النصل، ثم انتفض وتساقط وتكوم بين قدمي الطاولة “(24) . ولعل هذا ما عا إحسان عباس إلى وصف “ما تبقى لكم” بأنها ” تمثل تجرد النفس الفلسطينية من كل السلبيات الثقيلة التي كانت ترزح تحتها، وهي صلة جديدة بالواقع وبالأرض تلد الإرادة العازمة “(25) .

د- البعد الحضاري :

  وهو البعد الذي يفصل بين شخصيات الروايات، نتيجة انتماء بعض هذه الشخصيات إلى حضارة معينة، وانتماء بعضها الآخر إلى حضارة أخرى، لا سيما إذا كانت الحضارتان على النقيض من بعضهما؛ أي تتوفر العلاقة بينمها على قدر من العداء الديني والعقدي أو العسكري والتاريخي والاجتماعي، كما هو الحال فيما يتعلق بالعلاقة بين الحضارتين الغربية والشرقية، وغيرهما من الحضارات .

    ففي “أم سعد”، الرواية التي ” رصد بها الكاتب ذل الفلسطينيين في مخيمات البؤس والتشرد – مخيمات اللاجئين التي لا يمكن لأحد أن يحس مرارتها، سوى الفلسطيني نفسه الذي عاش وحدة التجربة الشقية، التي أحالته من مواطن – إنسان بكل ما تعنيه هذه الكلمة إلى لاجئ، دون الآخرين في الحقوق والمواطنية “(26)، تلقي قوات الاحتلال الإسرائيلي القبض على “ليث”، وهو أحد رفاق سعد من الفدائيين، فيطلب أهل ليث من “عبد المولى” أن يتوسط لدى الطرف الإسرائيلي لإطلاق سراح ليث، وعبد المولى هذا فلسطيني من أغنياء البلد وأعيانها منذ الاحتلال عام 1948م، ولكنه عميل من عملاء دولة الاحتلال، وأحد نواب برلمانها، وقد كان هو السبب في موت “فضل” وهو أحد الشباب الفدائيين من الجيل الذي سبق جيل سعد وليث . فمن الطبيعي أن يمانع ليث توسط عبد المولى له لدى المحتل، حتى ولو كان الثمن حياته، ويوصى سعدا إن حصل وألقي القبض عليه، أن يرسل رسالة لأهله يؤكد فيها لهم رفض ليث طلبهم، ومن الطبيعي أن يستجيب سعد لطلبه : ” ومن صدرها أخرجت ورقة مطوية معلوكة ودفعتها نحوي … كنت أعرف خط سعد، وقد كان خطه بقلم رصاص سميك الرأس، يتحدث عن رفيق له اسمه “ليث” وقع في الأسر، وعلم سعد أن أهله يبعثون إلى “عبد المولى” طالبين منه بحكم علاقات عائلية قديمة تربطهم به، أن يتوسط لابنهم الأسير “(27)، فالحد الحضاري الذي تكوّن بين كينونة الإنسان الفلسطيني، وبين عبد المولى الذي خان، وتبنى الأيديولوجية الصهيونية، يجعل ليثا يرفض الوساطة، ويضحي بحريته، وقد يؤدي به الرفض إلى فقد حياته، بل إنه يزيد في ذلك بأن يقول ” لسعد إنه إذا حدث له شيء، وحاول أهله الكتابة لابن عمهم عبد المولى، فما على سعد إلا أن يطخهم “(28) .

   ويمثل “الحد الحضاري” القيمة الرئيسة في “عائد إلى حيفا”، وذلك عندما يعود “سعيد س” وزوجته “صفية”، بعد انفتاح الحدود بين قطاعات الأراضي الفلسطينية بعد نكسة عام 1967م، للبحث عن ولدهما خلدون الذي فقداه في عجلة هروبهما من حيفا مع من هرب، غداة احتلالها من قبل العصابات الصهيونية عام 1948م، ليجدا أن عجوزين إسرائيليين “مريام كوشين” وزوجها “إفرات كوشين”، قد حلّا في منزلهما وتبنيا طفلهما وأسمياه “دوف” .

   حيث يتجسد الحد الحضاري هنا، عندما يعلمان أنه مجند في الجيش الإسرائيلي، والأدهى من ذلك أنه متشبع بالولاء للكيان الصهيوني : ” أنا لم أعرف أن ميريام وإيفرات ليسا والديّ إلا قبل ثلاث أو أربع سنوات، منذ صغري وأنا يهودي، أذهب إلى الكنيس وإلى المدرسة اليهودية وآكل الكوشير وأدرس العبرية . وحين قالا لي – بعد ذلك – إن والديّ الأصليين هما عربيان، لم يتغير أي شيء . لا، لم يتغير . ذلك شيء مؤكد .. إن الإنسان هو في نهاية الأمر قضية “(29)، وما دام الأمر كذلك فإنه من المستحيل أن يعود معهما، بل إن من المستحيل أن يلتقيا في منطقة وسطى : ” وعاد فنظر إلى “دوف” وبدا له مستحيلا تماما أن يكون هذا الشاب من صلب تلك المرأة، وحاول أن يستشف شبها ما بينه وبين ابنه خالد، إلا أنه لم يعثر على أيما شبه بين الرجلين، بل رأى بصورة ما تضادا بينهما يكاد يكون متعاكسا تماما، واستغرب أن يكون قد فقد أيما عاطفة إزاءه، وتصور أن مجموع ذاكرته عن “خلدون” كانت قبضة من الثلج أشرقت عليها فجأة شمس ملتهبة فذوبتها “(30) .

الهوامش :
  • انظر مقتطفات من سيرة حياة غسان كنفاني، في مقالة : غسان كنفاني أيها الغائب الحاضر : كنفاني، عدنان، مجلة الموقف الأدبي، سورية، العدد 495، تموز، 2012م، ص ص 212 – 221
  • المعجم الوسيط، القاهرة : مكتبة الشروق الدولية، 1425ه – 2005م، ص 160 .
  • إخلاصي، وليد : غسان كنفاني دوام الحضور، مجلة الموقف الأدبي، سورية، العدد 495، تموز، 2012م، ص 160
  • كنفاني، غسان : ما تبقى لكم، ضمن ( الآثار الكاملة لغسان كنفاني – الروايات )، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، المجلد 1، 1994م، ص ص 161، 162
  • المصدر نفسه، ص 175
  • المصدر نفسه، ص 168
  • كنفاني، غسان : رجال في الشمس، ط 3، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1986م، ص 24
  • المصدر نفسه، ص 27
  • المصدر نفسه، ص 66
  • المصدر نفسه، ص ص 68، 69
  • المصدر نفسه، ص ص 72، 73
  • عبد الهادي، فيحاء قاسم : غسان كنفاني واستشراف المستقبل، مجلة الموقف الأدبي، سورية، العدد 495، تموز، 2012م، ص 314
  • رجال في الشمس، ص 88
  • البشتاوي، معاوية : رواية “رجال في الشمس” نموذجا، إسقاط المتغيرات على أدب غسان كنفاني، مجلة أقلام جديدة، الأردن، العدد 35، 2006م، ص 135
  • رجال في الشمس، ص 39
  • المصدر نفسه، ص 45
  • المصدر نفسه، ص 45
  • ما تبقى لكم، ص 175
  • المصدر نفسه، ص 186
  • رجال في الشمس، ص 28
  • ما تبقى لكم، ص 166
  • المصدر نفسه، ص 200
  • المصدر نفسه، ص 201
  • المصدر نفسه، ص 233
  • عباس، إحسان : المبنى الرمزي في قصص غسان كنفاني، تقديم إحسان عباس لـ ( الآثار الكاملة لغسان كنفاني )، المجلد 1، ص 27
  • إسماعيل، هناء : غسان كنفاني، حين يتحول الموت إلى حياة، مجلة الموقف الأدبي، سورية، العدد 495، تموز، 2012م، ص 173
  • كنفاني، غسان : أم سعد، ضمن ( الآثار الكاملة لغسان كنفاني – الروايات )، المجلد 1، ص ص 304، 305
  • المصدر نفسه، ص 305
  • كنفاني، غسان : عائد إلى حيفا، ضمن ( الآثار الكاملة لغسان كنفاني – الروايات )، المجلد 1، ص ص 400
  • المصدر نفسه، ص 406
المصادر والمراجع :
المصادر :
  • كنفاني، غسان : أم سعد، ضمن ( الآثار الكاملة لغسان كنفاني – الروايات )، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1994م .
  • ”        : رجال في الشمس، ط 3، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1986م .
  • ”        : عائد إلى حيفا، ضمن ( الآثار الكاملة لغسان كنفاني – الروايات ) .
  • ”        : ما تبقى لكم، ضمن ( الآثار الكاملة لغسان كنفاني – الروايات ) .
المراجع :
  • إخلاصي، وليد : غسان كنفاني دوام الحضور، مجلة الموقف الأدبي، سورية، العدد 495، تموز، 2012م .
  • إسماعيل، هناء : غسان كنفاني، حين يتحول الموت إلى حياة، مجلة الموقف الأدبي، سورية، العدد 495، تموز، 2012م .
  • البشتاوي، معاوية : رواية “رجال في الشمس” نموذجا، إسقاط المتغيرات على أدب غسان كنفاني، مجلة أقلام جديدة، الأردن، العدد 35، 2006م .
  • عباس، إحسان : المبنى الرمزي في قصص غسان كنفاني، تقديم إحسان عباس لـ ( الآثار الكاملة لغسان كنفاني ) .
  • عبد الهادي، فيحاء قاسم : غسان كنفاني واستشراف المستقبل، مجلة الموقف الأدبي، سورية، العدد 495، تموز، 2012م .
  • كنفاني، عدنان، مجلة الموقف الأدبي، سورية، العدد 495، تموز، 2012م .
  • المعجم الوسيط، القاهرة : مكتبة الشروق الدولية، 1425ه – 2005م .
 

 

شاهد أيضاً

“البدوي الملثّم”: أحد رواد الحركة الأدبية الأردنية في الذكرى الخمسين لرحيله

* كايد هاشم تشرفت الأسبوع الماضي أن شاركت بحديث عن يعقوب العودات “البدوي الملثم”، أحد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *