الرئيسية / إضاءات / صاحب ” الفن والغرابة” شاكر عبد الحميد رحل بعد معاناة مع “كورونا”

صاحب ” الفن والغرابة” شاكر عبد الحميد رحل بعد معاناة مع “كورونا”

صاحب ” الفن والغرابة” رحل بعد معاناة مع “كورونا”

شاكر عبد الحميد… بداهة البساطة وحيوية العمق

*جمال القصاص
رحلة عطاء خصبة في حقول الأدب والمعرفة والفن والعمل الثقافي العام عاشها الدكتور شاكر عبد الحميد، أستاذ علم نفس الإبداع وزير الثقافة المصري الأسبق، واستطاع ببداهة البساطة وحيوية العمق أن يشكل من خلالها علامة بارزة في الثقافة المصرية والعربية، ستظل مؤثرة وحية في الوجدان الأدبي لسنوات عديدة.
أغلق الموت قوس هذه الرحلة يوم الخميس الماضي، عن عمر ناهز 68 عاما، وبعد صراع مرير مع فيروس كورونا، ليخلف رحيله صدمة قاسية في أوساط الكتاب والشعراء والفنانين فقد كان حضوره محبا بينهم دائما.
ولد شاكر عبد الحميد بقرية ديروط بمحافظة أسيوط بصعيد مصر في 20 يونيه 1952 لأسرة قروية بسيطة، وتحت مظلة والده الموظف الحكومي تنقل بين مدينتي بورسعيد والسويس، وتشربت نفسه بإرثهما العتيد في النضال ومقاومة العدو والدفاع عن كرامة الوطن، فكان على عتبات الخامسة من عمره، وقنابل العدوان الثلاثي عام 1956 تدك البيوت والناس في بورسعيد، تاركة في أذنيه الطفلة دويا لا ينسى، وحين تم تهجيرهم الى مدينة السويس المجاورة، عاني محنة فقد شقيقه الطفل الرضيع في أثناء التهجير .. بعد سنوات من تفتح الحواس وحب القراءة والمعرفة عاد الى مسقط رأسه بالصعيد، وأتم تعليمه الثانوي، والتحق بكلية الآداب جامعه القاهرة، وبعد تخرجه بتفوق عين معيدا بقسم علم النفس، ولفت أنظار الحياة الأدبية من خلال أطروحتيه العلميتين، الماجستير والدكتوراه، في تحليل وتقصي جذور الإبداع في القصة القصيرة ، ثم في الفن التشكيلي، وتحت عين وخبرة أستاذ علم النفس الشهير الدكتور مصطفي سويف. ثم عزز ذلك بحضور ومشاركات متميزة في مناقشة الأعمال الأدبية عبر عديد من الندوات والملتقيات الأدبية والفنية في مصر والبلدان العربية.
بعد حصوله على الدكتوراه واطمئنانه على وضعه الأكاديمي، وتحت وطأة الحاجة لحياة اجتماعية مستقرة ، تساعده للعكوف على مشروعه الثقافي، أضطر للسفر للعمل خارج مصر بخاصة في دول الخليج العربي، واكتسب خلال هذه الأسفار فضاء رحبا من الصداقات الحميمة والمعرفة بتاريخ وتقاليد وثقافات، ليست بعيدة عن محيطه المصري. يصف شاكر هذا الترحال بأنه شكل من أشكال الحظ ، قائلا في إحدى حواراته الصحافية :” بعد الدكتوراه بعدة سنوات سافرت لسلطنة عمان، ثم عدت ودرست بأكاديمية الفنون كأستاذ ثم عميدا لمعهد النقد الفني،وسافرت لدولة الإمارات وعدت وأصبحت نائبا لرئيس الأكاديمية وسافرت للبحرين ثم عدت وأصبحت أميناً للمجلس الأعلى للثقافة ثم وزيراً للثقافة”. وحين سألته في إحدى لقاءاتنا: نعم كسبت أشياء ضرورية من السفر طيلة هذه السنوات، كان من الصعب إنجازها هنا بسرعة، لكنها أثرت على موقعك في الكلية التي درست بها، قال:” تعرف أن السفر كان ضروريا بالنسبة لي، وأنا لم أبتعد عن حقل التدريس الأكاديمي، سواء في الأكاديمية أو الجامعة، وعكس ما كنت أتصور ، لم أشعر بالغربة خارج مصر كونت صداقات أعتز بها أضافت إلى رصيدي من المحبة”.
عمل شاكر في البحرين لعدة سنوات(2005 – 2011) مديراً لبرنامج تربية الموهوبين وأستاذا بكلية الدراسات العليا بجامعة الخليج العربي. ثم عاد مع قيام ثورة 25 يناير 2011، ليشارك في صناعة لحظة حساسة ومصرية يمر بها الوطن، ومخاض مستقبل وليد، تتخطفه وتتصارع علية أياد عابثة ومتواطئة في الداخل والخارج. أسفر هذا المسعى عن توليه حقيبة وزارة الثقافة، وكان ذلك إشارة مهمة على أن الثورة ستتخطى ما يواجهها من كبوات، وأنها بدأت الالتفات الى الثقافة كقوة في المجتمع، قادرة على ضح الأفكار الجديدة التي ترسخ للتغيير عبر مفاهيم الاستنارة والعقلانية.
خمسة أشهر قضاها على رأس وزارة الثقافة في حكومة الدكتور كمال الجنزوري، وتحت مظلة فترة انتقالية مضنية قادها المجلس العسكري. حيث بدأت الثورة تنقسم على نفسها، وتتآكل من داخلها، في ظل مناوشة جماعة الإخوان المسلمين، ومسعاها للاستيلاء على الثورة والسلطة معا.
في هذه الفترة القصيرة المضطربة، حيث كانت الاحتجاجات تعم الشارع ، استطاع شاكر عبد الحميد أن يحرك مياه الثقافة المصرية، فعاد معرض القاهرة الدولي للكتاب للانعقاد بعد انقطاع ، كما تم افتتاح عدد من بيوت وقصور الثقافة في الأقاليم ، وأقيم المهرجان الدولي للطفل، ومؤتمر “الثورة والثقافة” وشكل نافذة حية للحوار ، وغيرها من الأنشطة التي لم يسعه الوقت لانجازها وتوسيع آفاقها وفعالياتها، ساعد على هذا الانجاز السريع، خبرته في التعامل مع المجال الثقافي العام ومعايشته من الداخل فقبل أن يصبح وزيرا تولي لبضعة أشهر أيضا منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة.
خلال هذه الرحلة من الكدح والعطاء عاش شاكر عبد الحميد معادلة حياة ثرية، تنهض على التضافر ما بين البساطة والمحبة الصافية إنسانيا، والمعرفة بشتى حدوساتها علميا ومنهجيا. وأدرك من خلال تجربته القصيرة كوزير للثقافة فعالية الثقافة كركيزة أساسية في بناء المجتمع والإنسان، وأن العطش للثقافة، لا يقل أهمية عن رغيف الخبز. لقد عايش الثقافة بعين المتن والهامش معا، ولمس انعكاساتها عن قرب في مرايا الشارع، وأعين البشر المشدودة لغد أكثر عدلا وأمانا ورقياـ
لم تنفصل هذه الرؤية في العمل الثقافي العام عن رؤيته النقدية الخاصة لحقول الفن والإبداع بكل تجلياته الروائية والقصصية والشعرية والفكرية، فبشر كتابه المبكر “السهم والشهاب” بمولد صوت نقدي مهم له ما يخصه، في النظر الى العمل الأدبي، ورصد وتحليل ما ينطوي عليه من نوازع ودوافع داخلية تطفو على السطح في سياق حزمة من الدلالات والعلامات والرموز والأفكار، مشرّبة بمشاعر وعواطف وانفعالات خاصة بكل كاتب، تتحرك من خلالها أنساقه السردية والفنية . بدا مدخل شاكر في هذا الكتاب سيكلوجيا بامتياز ، وهو عبارة عن مجموعة دراسات في القصة القصيرة والرواية لأعمال كوكبة من كتابها المصريين والعرب، هذا المنحى تطور واتسع في مؤلفاته اللاحقة، مشكلا ما يشبه رمانة الميزان التي ترى العمل الأدبي في منطقة لا مرئية، يكتنفها الظل والعتمة. وتصبح مهمة الناقد الكشف عما يتخفي تحتها من نور كتوم، نافر من الأضواء .
يبدو لي ان شاكر عبد الحميد عاش سباقا داخليا مع التوق للمعرفة، خاصة في وتيرتها المتسارعة، بعدما أصبحت مادة سائلة ومتغيرة في واقع الانترنت والفضاء الافتراضي، لذلك ركز في منحاه السيكولوجي على فكرة “الغرابة” التي شكلت عنوانا لواحد من أهم كتبه “الفن والغرابة”، وأراها فكرة مركزية، تشكل محور الإيقاع في صلب أعماله النقدية، كما حكمت الى حد كبير اختياراته في الكتب التي قام بترجمتها عن الانجليزية . لقد وعى ببداهة المخيلة أن للغرابة جذورها في الموروث الشعبي باعتباره وعاء مهما في حفظ تاريخ وثقافة الشعوب، فهي مثلا تقترن بفكرة التجدد في المثل العربي الشائع ” اغترب تتجدد”. فكل موروث شعبي به رافد من الغرابة، سواء في أساطيره أو خرافاته، أو في واقعه الحي المباشر، على شتى الأصعدة السياسية والاجتماعية والثقافية. والغرابة في الفن هي صانعة الدهشة والسؤال، برغم نوازعها التي تحمل الخوف والريبة والشك. إنها عنصر مكوِّن، وليس عنصر هدم . ولا تقتصر على الأعمال الفنية الشائعة، بل نجدها في المكان، ونمط العمارة والحياة والأزياء ، والمدن حين تفقد تجانسها، كأن الغرابة حارسة الجمال من التشوه .
بهذه البصيرة النافذة ذهب شاكر عبد الحميد الى الفن التشكيلي والشعر، فكتب عن ” المفردات التشكيلة.. رموز ودلالات” محاولا تدريب عين المشاهد على قراءة اللوحة جماليا، وكتب عن فان جوخ في ” الدخان واللهب”. وكتب عن ” الحلم والرمز والأسطورة” محاولا ربط العلاقة بينها وبين عملية الإبداع .. وفي الشعر، استقصى ظواهره الفنية الجديدة في العديد من دواوين الشعراء من شتى التيارات الشعرية، وكتب عن عالم الشاعر محمد عفيفي مطرا كتابا مهما بعنوان “الحلم والكيمياء والكتابة “. ومن أبرز ترجماته كتاب “الأسطورة والمعنى” لـ ” كلود ليفي شتراوس” وكتاب “بدايات علم النفس الحديث” لـ “و.م.أونيل”. وله كتاب طريف بعنوان”الفكاهة والضحك صدر في سلسلة عالم المعرفة بالكويت ـ
حائز شاكر عبد الحميد على جوائز عديدة : “جائزة شومان للعلماء العرب الشبان فى العلوم الإنسانية ، من الأردن عام 1990، جائزتا الدولة: التفوق في العلوم الاجتماعية والجائزة التقديرية ( مصر) 2003،2016، جائزة الشيخ زايد للكتاب في مجال الفنون، عن كتابه “الفن والغرابة.2012”
تمتع الراحل بروح دمثة كريمة، محبة للمرح والحياة ، وكان دائما يحرص على وجهة نظره وآرائه الخاصة، من دون تعصب ، وكان يؤكد أنه يكتب عن ما يستمتع به ويحبه ويحس أنه قريبا من نفسه، لافتا بوقار العلماء، على أنه مدرس لعلم النفس، وأن الكتابة محض هواية، وهنا تكمن صيرورتها، وربما خلودها.
* عن الشرق الأوسط

شاهد أيضاً

رباب أدهم.. ودروب الحياة بين عمان وبيروت وطرابلس

(ثقافات) *إنتصار بوراوى   في كتاب “دروب الحياة” للسيدة رباب أدهم تتجلى السيرة الذاتية التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *