الرئيسية / خبر رئيسي / محنة الفلسفة وهزيمة العقل الكبرى عند العرب

محنة الفلسفة وهزيمة العقل الكبرى عند العرب

( ثقافات )

*حاتم السروي

لا يشك عاقل في أن الهزيمة الحضارية الكبرى التي يعيشها العرب ترجع أولاً وقبل كل شيء إلى غياب التفكير العلمي، وليس إلى غياب المعلومات؛ حيث المعلومات تنهال علينا وتنهمر كل يومٍ وليلة؛ وإنما يكمن التراجع والتأخر والانحدار في غياب المبدأ الذي قام عليه العلم في مختلف مجالاته، وأعني به مبدأ الجبر والسبيية.

ولكن ما هي السببية؟ إنها باختصار تلك الصلة الضرورية بين الأسباب والمُسَبَّبات بحيث إذا وُجِدَ السبب نشأ عنه المسبب بالضرورة، بمعنى أكثر وضوحًا أن لكل شيء طبيعة ولكل طبيعة فعل وبالتالي أصبح لهذا الشيء اسمٌ مستقل نميزه به عن غيره، فعلى سبيل المثال النار طبيعتها الاشتعال والحرارة وفعلها الإحراق وبالتالي أطلق الناس عليها اسم النار بحيث إذا ذُكِرَ هذا الاسم تداعى إلى الذهن والخاطر ما يعنيه من الإحراق والدمار أو الإنارة والتدفئة، والحاصل أن الكون كله يسير بمقتضى هذا المبدأ العام وهو السببية، فأنت إذا علمت أن اليابسة أو الأرض طبيعتها أن تكتسب الحرارة بسرعة وأنها تظل طول النهار في الصيف ملتهبة وحارقة فإن النتيجة المحتمة هي عدم خروجك من المنزل قدر الإمكان حتى يذهب الحر، وإذا خرجت فإنك تبادر إلى ارتداء الحذاء المناسب حتى تستطيع السير على التراب أو الأسفلت.

ورغم أن هذا المبدأ العام يعرفه كل إنسان بالفطرة، ورغم أن العلم بالدنيا لابد منه لأننا نعيش فيها، ورغم أن هذا العلم لا يتيسر أبدًا إلا بمعرفة القوانين الكونية الثابتة التي نشأت عنها الظواهر بما فيها الظواهر الاجتماعية التي يختص بها علم الاجتماع الذي يقوم على معرفة قواعد العمران البشري والاجتماع الإنساني، رغم كل هذا فقد انحاز العرب والمسلمون إلى مبدأ “الإمكان” في مقابل مبدأ “الجبر” والذي لا يعني إلا النظام الصارم الذي أودعه الله في الكون حتى يسير على هديه، ومن المحال أن يكون النظام من أفضل أخلاق البشر، ثم لا ننسبه إلى خالق البشر الذي أبدع كل شيءٍ خلقه، ومن المعلوم بالضرورة أنه سبحانه على كل شيءٍ قدير، لكن هذا لا يعني أن تسير الممكنات دائمًا وإلى ما لا نهاية، بل إن الأصل هو النظام والاستثناء هو المعجزة، وهذا هو رأي ابن رشد والفلاسفة من قبله، بل إن هذا هو الواقع ليس أكثر!.

وللأسف تم تكفير ابن رشد، وكان مرجع هذا التكفير أحيانًا إلى سوء الفهم، وأحيانًا أكثر إلى التحريف المتعمد لمعنى ما يقوله وتصويره زنديقًا منحرفًا لا يؤمن بالغيب ولا يعترف إلا بالمحسوس، ولو تعمقنا في فهم أسباب الخلاف بين الفقهاء وابن رشد الذي كان فقيهًا هو الآخر – وهذا ما لا يعرفه الكثيرون- لوجدنا أن محنة ابن رشد ومحنة كل عالم حقيقي أصلها الحسد والحقد والغيرة؛ فقد كان ابن رشد رحمه الله شديد الذكاء، واسع المعرفة، يعتز بنفسه حتى يراه البعض مغرورًا، وكان لا يهاب ولا يجامل، فإذا رأى من بعض الفقهاء نفاقًا قال إنهم منافقون، وإذا تحدث عن نفسه قالوا حسدًا إنه يبالغ في مدحها، وفيهم وفي غيرهم قال الشاعر:

حسدوا الفتى أن لم ينالوا سعيهُ.. فالكلُّ أعداءٌ له وخصومُ

كضرائر الحسناء قُلْنً لوجهها.. حسدًا وبغضًا إنهُ لدميمُ

وسأضرب لكم مثالاً واحدًا من أمثلة عدة قد لا يتسع المقام لذكرها غير أن هذا المثال على وجه التحديد هو أكثرها دلالة على ما كان يعتمل في صدور الفقهاء من غلٍ تجاه ابن رشد، إذ تمسكوا بتشويه مبدأ (قِدَم العالم) الذي قال به، وذكروا أن قدم العالم لا يعني إلا عدم حدوثه وأن الله لم يخلقه من العدم، ولو تدبرنا هذا المبدأ عند ابن رشد لوجدناه نفس القانون العلمي الذي يدرسة الطلبة في مادة الفيزياء اليوم وهو “المادة لا تفنى ولا تُستَحدَث من العدم” بمعنى أن المادة في حالة صيرورة مستمرة فهي لا تأتي من الفراغ، والأدلة على ذلك ما أكثرها، بل إن جسد الإنسان وهو مادة بالطبع نراه إذا فني تحول إلى تراب، وفي هذا التراب عدة مواد منها “السيليكون” وهكذا لا تفنى المادة طالما بقيت الحياة، وتبقى في حالة حركة مستمرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ولم يقل ابن رشد أكثر من هذا، بل إنه لم يخترع هذا المبدأ وإنما قرره فقط، لأننا لسنا بصدد وجهة نظر قابلة للنقض والتعديل أو الإضافة، بل أمام قانون علمي ثابت وعام ولا تغيره الأزمنة.

فإذا كان الأمر على ما ذكرناه من سيادة العقل والتفكير العلمي عند الفلاسفة فما الذي حدث حتى تراجع العقل الذي هو اجتماع المبادئ الفطرية والعلوم الأولية عند كل إنسان؟ لقد تراجع العقل والعلم العربي بتراجع دور الفلاسفة، فما لا يعرفه أغلب الناس اليوم أن العلم الطبيعي في الأصل نبع من الفلسفة وعاش في كنفها، فهي بالنسبة إليه أمٌ حاضنة، وهو بالنسبة إليها طفلٌ مدلل، وكان الفيلسوف أرسطو معلم الإسكندر له مدرسة خاصة تعتبر جامعة بالمعنى الحديث، وفيها مجموعات من أصناف الحيوان والنبات والخرائط حتى لا يقتصر البحث الفلسفي على مجرد النظر.

وسار فلاسفة المسلمين على منوال فلاسفة اليونان حتى جاء الغزالي أبو حامد رحمه الله، وهاجم الفلاسفة بضراوة، ونسبهم إلى الكفر والغباء، ولم يترك نقيصةً إلا ألحقها بهم، والمشكل أنه كان ضليعًا في الجدل، بارعًا في المناظرة، وقد حارب الفلسفة بسلاحها ألا وهو المنطق! وكان المنطق هو الفرع الفلسفي الوحيد الذي أفتى الغزالي بإباحته بل وضع فيه الكتب! وكان يملك عنان البيان إذ لا يتكلم في موضوع إلا بعد هضمه جيدًا والإحاطة بكل جوانبه، فإذا تكلم فيه عرف الخصم أنه يناظر عالمًا لا مدعيًا، ثم أن الغزالي كان يخاطب العقل والقلب معًا ويلعب على أوتار العاطفة الدينية، وكان له نوعٌ من الجبروت العقلي لا يمكن خصومه من الوقوف أمام عبقريته التي هي حتى اليوم ليست محل تشكيك؛ فالغزالي كان عبقريًا دون مبالغة، وعبقريته تلك هي التي هدمت صرح الفلسفة عند العرب، وإذا كان لها فضل في أصول الفقه وعلم الكلام، فإن جنوح أبي حامد إلى الروحانية ومبالغته فيها هي التي أوصلتنا إلى تصديق المحال وتجنب العلم والخوف من كل عالم حقيقي حرصًا على تهيؤاتٍ يعدها البعض من الدين، وهي ليست من الدين أبدًا لكن كرهنا لكل علم جعلنا لا نهتم بعلم الدين أيضًا!!.

وعلى درب الغزالي سار المحدث المعروف “ابن الصلاح الشهرزوري” الذي حاول في شبابه أن يدرس الفلسفة فلم يفهمها ولم ينجح فيها فنصحه معلمه أن يتركها ويتفرغ لمجاله الأصلي وهو (الفقه والحديث) وليس في هذا ما يغض من قدره فلكل إنسان مجاله الذي يبرع فيه، ومن لا يحسن الفلسفة وهو فقيه فماذا يضيره أن يقتصر على الفقه ويبقي علاقة الود مع الفلسفة وأصحابها؟ والغزالي نفسه كان يدرك ضعفه في علم الحديث ويقول: ” أنا فيه مُزْجَى البضاعة” لكنه لم ينقم على المحدثين، أما ابن الصلاح فقد نقم على الفلاسفة من يومها لأن ذكرى فشله كانت ثقيلة على نفسه ولذا كانت أسباب صراعه المرير مع الفلسفة شخصية بحتة، وللأسف لا يذكر أعداء الفلسفة اليوم هذه الواقعة الحقيقية التي جعلت ابن الصلاح يقيم الدنيا ولا يقعدها على الفلسفة.

وعندما جاء ابن تيمية كانت الفلسفة الإسلامية تحتضر فلم يفعل شيئًا أكثر من الإجهاز عليها، وكانت معركته مع الفلسفة سهلة هينة لم تأخذ منه كبير جهد وليس في نقده لها إضافة كبيرة على ما ذكره الغزالي من قبله، غير أنه حرم المنطق هو الآخر! ولما فرغ من هدم الفلسفة، جاءت الحرب الضروس بينه وبين الأشاعرة الذين كان منهم الغزالي وفيها انتصر الأشاعرة وكان هذا هو المنتظر؛ لأن مذهبهم كانت له صولة في العهد المملوكي حتى غدا في نظر العلماء هو الإسلام نفسه مع أنه ليس أكثر من مدرسة كلامية تتنازع مع غيرها في جوانب نظرية مجردة ليس لها تأثير على حياة الناس ولا حتى على عقائدهم، بل إن أقطابها الكبار من أمثال الرازي والجويني والغزالي نفسه انتهى بهم الحال إلى ترك هذه المسائل المعقدة التي أعملوا فيها أقلامهم وكتبوا المجلدات وركنوا إلى راحة التفويض ودعوا الله قائلين اللهم إيماناً كإيمان العوام!.

ونعود إلى الفلسفة فنقول أنها تراجعت في المشرق الإسلامي كله، وآثر من تبقى من الفلاسفة في بلاد المغرب ألا يتكلموا في مبحث الإلهيات وماوراء الطبيعة وإنما قصروا أنظارهم على علم الأخلاق والسياسة، ثم أخذ الغربيون كتب الفيلسوف ابن رشد وترجموها إلى اللاتينية وظلوا يدرسونها لطلبة الجامعات عندهم حتى القرن السادس عشر على الأقل، بل ظلت كتب الفلسفة الرشدية محل الدراسة إلى ما بعد هذا القرن في بعض الأحيان.

ونفهم أن بعض أقوال الفلاسفة في صفات الذات الإلهية تبعث على غضب الفقهاء والمتكلمين، لكن قانون السببية العلمي ما وجه الإشكال فيه؟ وهل يشك عاقل أن لكل شيءٍ سبب، وأنه لابد من الأخذ بالأسباب؟ وأن هذا لا ينفي الإيمان بفعل الخالق وقدرته المطلقة؟ للأسف الشديد قال الغزالي أنه لا توجد أسباب على وجه الإطلاق، وأن الله هو الفاعل الأوحد، وأن الاحتراق عند حصول النار هو علامة على المصاحبة والتوالي وليس على الإحداث والتسبب، وحتى يفهمنا القارئ العزيز نقول أن مقصد الغزالي بالتحديد هو أن النار لا تحرق لأنها جماد وليس لها فعل أو إرادة، ولكن الذي يحرق هو الله وحده، غير أن العادة قد جرت بحدوث الاحتراق عند اشتعال النيران، وتكرار العادة يرسخ في أذهان البشر أن النار هي التي تحرق بينما النار ليست أكثر من مناسبةٍ لظهور الإرادة الإلهية ونفس هذا الكلام العجيب قاله “مالبرانش” الفيلسوف المسيحي المتدين الذي كان تلميذًا لديكارت، ومؤداه أن الفاعل الكوني الوحيد هو الله ولو شاء لأبطل فعل الحرق عند حصول النيران كما في معجزة الخليل سيدنا إبراهيم عليه السلام، ولهذا قال الغزالي أن الفلاسفة لا يؤمنون بالمعجزات وعلى الأخص معجزة نجاة إبراهيم عليه السلام من النار، ورد عليه ابن رشد بقوله أن النار لا يمكن أن تتوقف عن الحرق لأنها فاعلة بالطبع وليس بالاختيار فهي مجبولة على ما تفعله ولا يمكن أن تتوقف عنه إلا في حال المعجزات النبوية والتي لا دليل عليها غير السماع من القرآن فهي تؤخذ بالتسليم وليس بالبرهان، والذي يؤخذ بالحس والاعتبار هو الإعجاز القرآني لأن الدليل قائمٌ عليه بالأمس واليوم وغدًا وهذا وحده جعل منه أكبر المعجزات وأقواها..هذا هو كلام ابن رشد بلا إضافة ولا تعديل، مما يدل على إيمانه بل إنه كان أخلص لدينه من هؤلاء الذين كفروه وحرقوا كتبه.

وفي الحقيقة ابن رشد لا يعوزه الدليل في الرد على الغزالي فالرد عليه يسيرٌ جدًا لأن الفلاسفة المسلمين لم ينفوا عن الله صفة القدرة، بل قالوا وقال غيرهم حتى من الحنابلة وأتباع المنهج السلفي أن الله وحده أراد للنار أن تحرق، وللماء أن يروي العطش، وللطعام أن يسد الجوع، وأمرنا أن نأخذ بالأسباب، بل إن رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام لما هاجر إلى يثرب لم يصلها إلا بعد سبعة عشر يومًا وكان دليله إليها عبد الله بن أريقط الذي لم يكن مسلمًا وقتها! فلو كان كل شيءٍ بالمعجزة فلماذا لم يصلها عليه السلام في طرفة عين؟؟ ولو كان كل شيءٍ ممكنًا لما ثبتت الدنيا على حال، ولما استطعنا أن نخبر بعضنا البعض بأية معلومة، فلو سأل رجلٌ صاحبه على سبيل المثال: ماذا تركت في بيتك؟ فإن الإجابة على مبدأ الغزالي سوف تكون هكذا: “تركت ابني ولا أدري الآن ما هو؛ فربما تحول إلى قطة”!.

وهكذا انتهى بنا التطرف في الغيبيات إلى نوعٍ من المسخرة.. وبعد وفاة الغزالي وانهيار الفلسفة العقلية صعد نجم القائلين بالكشف والكرامات وأن المادة يمكن أن تجري وفق نظام آخر يختلف عما أثبته علماء الطبيعة، وأن أرباب الطلاسم والفلكيين يمكن لهم بمعونة الطوالع ومزج القوى السماوية بالخواص المعدنية أن يحدثوا أمورًا غريبة، فإذا كلمهم الناس بالعقل رموهم بالزيغ والمروق واتهموهم بنفي المعجزات، مع أن المعجزة ليست إلا استثناءً على النظام الكوني، ولهذا الاستثناء وظيفة إيمانية من حيث أنه يدل على صدق الأنبياء واتصالهم بالله عز وجل وتلقيهم الوحي منه لهداية الناس، والاستثناء دائمًا يؤكد القاعدة.

وحتى نخرج من هذه المقالة بنتيجة أقول أن الواجب الآن على نخبة العلماء والمثقفين أن يبرزوا قيمة وأهمية التفكير العلمي، فطالما يعيش الإنسان في الدنيا فإن الواجب عليه أن يفهمها وفق ما تجري عليه من قواعد وقوانين، ونحن في أمس الحاجة إلى العلم لأن ضريبة الجهل كانت ثقيلة وفادحة، ولا يكون العلم أبدًا إلا بالتفكير العلمي..تلك هي المسألة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اعتمدت في هذا الموضوع على ثلاثة كتب، وهي:

  • في عالم الفلسفة.. للدكتور أحمد فؤاد الأهواني.

  • قصة النزاع بين الدين والفلسفة.. للدكتور توفيق الطويل.

  • القضايا الكبرى في الإسلام.. للشيخ عبد المتعال الصعيدي.

* باحث من مصر

شاهد أيضاً

قصَّة جائزة “البوكر”.. الرواية المجبولة بعرق العبيد

* نبيل عبد الكريم خلال مباراة وديّة في الغولف، اتّفق الصديقان البريطانيان “جوك كامبل” رئيس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *