العدمية تدرس وعظمة الروح تدرس , ومادام ان العالم العربي من المحيط إلى الخليج يحتقر الفكر , فإنه يمجد الانحطاط , ولذلك لا وجود لمؤسسات من أجل الثقافة , بل توجد مؤسسات مهنية عبارة عن ملجأ تختفي فيه ثقافة التطرف والانحراف , تزيح بكل حقد المعرفة الفرحة وتحطم نشوة الروح , لأن هدفها إنتاج العدمية باعتبارها شعارا للمرحلة .
من الحكمة أن نعترف بأن العدمية تبدأ حين يجتهد زعماء الأمة بإضفاء على كل ما يحدث معنى ليس منه في شيء , أي مغاير له بالحد والوجود , ولا يمكن للغاية من وراء ذلك أن تتحد مع فقدان الشجاعة وانحطاط الارادة , ففقدان الارادة يؤدي حتما إلى ضعف قوة الروح , حيث تصبح كالباب يتحكم فيه الداخل والخارج .
هكذا تصبح العدمية “هي الألم المعنوي الذي تسببه “دون جدوى ” هذه هي اللايقين , قلة الفرص المتاحة لاستعادة القوة بأي شكل كان .للإطمئنان على أي شيء كان , هي خجل المرء من نفسه ” .وبهذا المعنى يكون نيتشيه قد حدد ماهية العدمية بأنها خدع الانسان لنفسه على امتداد الزمن “فسبب العدمية هي خيبة الأمل في وجود هدف , ذلك أن فقدان الهدف يجعل الانسان الضعيف في متناول الكهنة والمشعودين إلى درجة أنه يظهر بمظهر العبد الخاضع لارادة السيد , لكن مع ذلك نتساءل ,هل للعدمية نهاية ؟ هل يمكن علاجها بدون تربية وتعليم وثقافة ؟ ., ألا تكون الفلسفة هي الدواء الأعظم لشفاء الروح من العدمية ؟.
اذا كانت العدمية , ما نشاهده عندنا في الواقع ’هي دفع الانسان الى الاعتقاد بفقدان قيمته , مما يجعله يحتقر نفسه , ويصاب بفساد ذوقه للحياة ,ولذلك يلتجىء الى تلك الطقوس والشطحات الصوفية والمبالغة في العبادات من خلال التدين الشعبي الذي يتحكم فيه الجهال , وزيارة الأضرحة والتماس بركة الأولياء ومغازلة الحجر , وعشق اليأس , فان مرض الذهان ينتشر بسرعة في الأوساط الشعبية كبداية للعدمية .
لم يعد الانسان المريض بالعدمية يتحمل العيش في هذا العالم , بل يريد نفيه بكلمة “ما جدوى “وان كل شيء مزيف , هكذا يقوم بسجن الكينونة في مفهوم اللاقيمة , ويسعى إلى تقديس الموت من خلال الاحتفال بالموتى وشراء أفخر الأثواب ووضعها على قبور الأولياء “كسوة مولاي إدريس مثلا ” وقد شاهدت هذا في فاس , هكذا يزدهر مهرجان الثقافة الصوفية الذي يروج للعدمية , وقد يكون زعيم هذا التوجه متورط في العدمية ولذلك يدافع عنها .
من المستحيل انتشار التنوير في هذا الفضاء المعتم والذي يسوده الظلام , مما يصعب استعادة الحق في الوجود لمقولات العقل ومنحها الحرية لكي تواجه مقولات العدمية , ولعل هذا التفكير في كينونة العدمية واقحامها في براديغم القرون الوسطى الذي يحل كا أزماته بالتراث , ولعل هذا ما قاد الروح إلى الإبتعاد عن تلك المناطق المضيئة في المعرفة , وجعلها عمياء , لا ترى الفكر العلمي والفلسفي ,هكذا حرمت من عقل الأنوار , وستتوج بوسام العدمية , ويصبح الرجوع إلى الوراء شعارها .
مهما يكن من أمر , فإن العدمية قامت بعزل الإسلام عن التاريخ العام للأديان والثقافات والحضارات , مما عجل بالإعلان عن أفول الإنسان , وبأفوله تموت الأمة , وهذا ما يريده زعماء اللاهوت الذين حولوا الدين إلى سياسة عدمية للاسترزاق هدفها الحرب المقدسة حتى نهاية العالم , ولكم مثال الراهن هنا وهناك .
والأمل الوحيد ” لا ينبغي الهروب من الفلسفة وإنما الهجوم حتى لا تصيبنا اللعنة , إذ على الإنسان الإنساني أن يتعلم كثيرا من أجل أن يعيش بدلا من أن يصارع محبة في البقاء ….فإقصاء الفلسفة يؤدي إلى حرمان الروح من لذة الحقيقة والسؤال والفكر العلمي والنظري , أي حرمانها من الحضارة والسعادة . لأن الحكم الجاهز الذي يردده العامة يقول بأن الفلسفة لا قيمة لها قد ورثوه عن النمطيين مرضى الأنفس بالشهوات الحسية .