الرئيسية / خبر رئيسي / الفكر الإسلامي خلال مئة عام: نكوص أم تجديد..؟

الفكر الإسلامي خلال مئة عام: نكوص أم تجديد..؟

*زياد أحمد سلامة

  تمر على العالم الإسلامي هذه الأيام ذكرى مرور مئة عام على سقوط الخلافة العثمانية ـ حسب التقويم الهجري ـ فماذا جرى في العالم الإسلامي من تغيرات خلال هذا القرن؟!

  اجتمعت عوامل كثيرة ومتعددة جعلت مصطفى كمال أتاتورك يصل إلى المناصب العليا في الدولة العثمانية مكنته من تنفيذ مخططه في تحويل الدولة العثمانية المترامية الأطراف إلى دولة محلية تخص الأتراك وحدهم، وتحويل نظام الخلافة إلى نظام جمهوري، وتتخلى تركيا الحديثة عن أرث الدولة العثمانية!

 في 1/11/1922 أعلن المجلس الوطني الكبير أن السلطنة قد زالت منذ أن احتل الإنجليز إستانبول قبل ذلك بسنتين، وقرر المجلس أنه هو وحده الذي يختار الخليفة من بين أفراد آل عثمان” وفي 29/10/1923 جرى إعلان تركيا جمهورية تستمد سيادتها من الشعب، وانتخب مصطفى كمال أول رئيس للجمهورية، كانت هذه هي الخطوة قبل الأخيرة في القضاء التام على الخلافة، وهو الأمر الذي تم يوم 27 رجب 1342هـ = 3/3/1924م، حيث اجتمع المجلس الوطني الكبير في جلسة سرية، وبناء على اقتراح من مصطفى كمال تم إلغاء نظام الخلافة، وتقرر خلع الخليفة عبد المجيد الثاني آخر السلاطين العُثمانيّين وطرده خارج البلاد.

   وفوراً شرع أتاتورك في التغيير الشامل للأتراك سواء في ثقافتهم أو شكل دولتهم وعلاقاتها الدولية وحتى في عباداتهم المحضة، ويمكن رصد نحو خمسة وثلاثين إجراءً قام بها أتاتورك لتغيير وجه تركيا، منها: إلغاء وزارة الأوقاف ومصادرة مواردها وتحويل إيراداتها إلى الخزانة العامة وإلغاء المحاكم الشرعية ووضع دستور جديد لتركيا الجديدة  ومنع ارتداء الملابس الدينية علناً إلا في مناسبات معينة مثل الجنائز، وأصبح الأذان يُرفع بالتركية، وكانت عقوبة من يَرفع الأذان بالعربية تتراوح بين السجن والضرب أو الإحالة إلى المصحات العقلية، وأجبر نساء أنقره على نبذ الحجاب، ومع اقتراب “عيد رأس السنة الميلادية عام 1925” تم إبطال استعمال التقويم الهجري؛ واقتصر على استعمال التقويم الميلادي(الجريجوري). وتم إدخال قانون مدني جديد مقتبس من القانون السويسري. وإدخال قانون جنائي مقتبس عن القانون الإيطالي وإدخال قانون تجاري مقتبس عن القوانين الألمانية والإيطالية، جاءت هذه القوانين بديلاً عن القوانين الإسلامية التي كان معمولاً بها من خلال “مجلة الأحكام العدلية”. وتم إلغاء النص الدستوري الذي يجعل الإسلام ديناً رسمياً للدولة، وأصدر سنة 1937 قانوناً نُص على أن تركيا هي جمهورية وطنية شعبية علمانية.  وتم إلغاء اعتماد الحروف العربية في الكتابة التركية، واستبدل بها الحروف اللاتينية، ثم صدر قانون جديد للعائلة مأخوذ من القانون المدني السويسري، تم بموجبه إلغاء تعدد الزوجات وإجراءات الطلاق المتبعة حسب الشريعة الإسلامية، وتقرر أن يكون الطلاق المعتبر هو ما تم أمام المحاكم، وتقرر اعتبار الزواج والطلاق مدنياً، وأصبح الزواج الشرعي اختيارياً، وسُمح للمسلمة أن تتزوج غير مسلم، وأجاز التبني وأن يرث الابن المتبنى من متبنيه، وأجاز إثبات نسب الأولاد الذين يولدون من أبوين بدون عقد صحيح إذ تزوجا بعد ذلك. وفرض في قانون العائلة مساواة الذكور والإناث في الميراث، وأباح القانون الجديد زواج الإخوة من الرضاعة.

  رد فعل إلغاء الخلافة!

 عندما تم إلغاء الخلافة كانت بلاد المسلمين تعاني من آثار الحرب العالمية الأولى وبدايات الاستعمار الغربي، وكانت هذه البلاد لا تزال تعاني من الفقر والجهل والتخلف وانخفاض مستوى التعليم، فلم يكن لهذا الحادث رد فعل ملموس لدى عامة الناس، وتنوعت ردود الفعل حسب الوضع السياسي والاجتماعي والثقافي للناس، فعلى الصعيد الثقافي ظهرت بعض القصائد التي نعت الخلافة، فكتب أحمد شوقي قصيدة “خلافة الإسلام” والتي مطلعها:

                 عادت أغاني العرس رجع نواح     ونعيتِ بين معالم الأفراح

  وكتب الشاعر أحمد محرَّم قصيدة مطلعها:

                  أعن خطب الخلافة تســــــألينا     أجيبي يا فروق فتى حزينا

  (و”فروق” هي الأستانة، عاصمة الخلافة).

وظهرت بعض الكتابات الصحفية لبعض الكُتَّاب والمفكرين مثل: الشيخ محمد شاكر ومحمد البتانوني وأمين الرافعي ومصطفى صادق الرافعي. وأسفر الحدث العظيم عن ظهور بعض الكتب الفكرية حول هذا الموضوع هي:

  1. الخلافة أو الإمامة العظمى: محمد رشيد رضا، وقد نُشر أولاً في ستة مقالات في مجلة المنار؛ وهو أول الكتب ظهوراً.

  2. النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة، ومؤلفه آخِر شيخ للإسلام في دولة الخلافة الشيخ مصطفى صبري، وصدر الكتاب قبل سقوط الخلافة بستة وعشرين يوماً.

  3. الخلافة وسلطة الأمة، ومؤلفه مجهول، وقد نقله عن التركية عبد الغني سني.

  4. الإسلام وأصول الحكم، ومؤلفه الشيخ علي عبد الرازق، وصدر عام 1925م.

  والكتابان الأخيران يعارضان فكرة الخلافة ويهاجمانها، ويدَّعيان أن لا سلطة ولا حكم في الإسلام، إنما هو دعوة دينية فحسب.

  ثم أصدر الأستاذ عبد الرزاق السنهوري كتاباً بعنوان “فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية” وهو أطروحته للدكتوراه عام 1926، في هذا الكتاب يقدم السنهوري حلاً وسطاً لمسألة الخلافة، فبدلاً من الدولة الواحدة يتم الاكتفاء برابط بين الدول القائمة في العالم الإسلامي أشبه برابطة عصبة الأمم المتحدة، ثم خبا الحديث عن مسألة الخلافة مدة طويلة.

   أما على الصعيد الشعبي فقد شهد الموقف بعض التحركات ضد “العهد الجديد” فعام 1925 ثارت قبائل من الأكراد، وارتفعت الصيحات المدوية: تسقط جمهورية أنقرة ويحيا السلطان والخليفة، وحدثت ثورة أخرى في منيمين عام 1930م، وقد قمع الكماليون هذه الحركات بشدة منقطعة النظير، وذهب ضحيتها عدد كبير من العلماء، وكان من الذين حُكم عليهم بالإعدام الشيخ سعيد النورسي بتهمة الإعداد لقلب نظام الحكم، ولكن الحكم لم يُنفذ وجرى نفي الشيخ، وكان مسلمو الهند أكثر المسلمين تأثراً على زوال الخلافة الإسلامية، فهناك تكونت (جماعة الخلافة) بزعامة محمد وشوكت علي.

  على الصعيد السياسي تتالت الأسماء المرشحة لمنصب الخليفة، فبرز اسم الملك فؤاد؛ ملك مصر، وملك الأفغان أمان الله. وفي 13/3/1924 تمت في عمان بيعة الملك (الحسين بن علي) خليفة على المسلمين.

    مهاجمة فكرة الخلافة

    بعد سقوط الخلافة بنحو ستة أشهر أصدر الشيخ علي عبد الرازق كتابه “الإسلام وأصول الحكم، تقوم الفكرة الرئيسة للكتاب على أنه ليس في الإسلام نظام للحكم، وأن نظام الخلافة الذي حكم به المسلمون أنفسهم منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ليس جزءاً من الدين، بل هو طارئ استحدثه العرب، وآن لهم أن يستبدلوا به نظاماً آخر غيره. فالإسلام دين لا دولة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم نبي مبلغ وليس حاكماً أو مؤسس دولة، وأن نظام الخلافة الذي عرفه التاريخ السياسي للمسلمين لا صلة له بالإسلام كدين، ولا دليل عليه من القرآن أو السنة أو الإجماع، وأن المسلمين أحرار في اختيار نظام الحكم الذي يرونه.

 هلل أنصار الشيخ عبد الرازق للكتاب، مثل طه حسين والعقاد وغيرهم، واعتبره البعض ثورة في الفكر الإسلامي،  قالت مجلة المقتطف عن الكتاب بأن ما جاء به الشيخ “علي” شبيه بما جاء به “مارتن لوثر” الثائر على سلطة البابا، فقالت: ” فذكرتنا الضجة التي قامت على مؤلفه بالضجة التي قامت على لوثيروس زعيم الإصلاح المسيحي الذي كان لعمله أكبر أثر فيما يُرى الآن من الارتقاء الديني والأدبي والمادي في الممالك المسيحية ”  ونقل العقاد عن بعض الصحف البريطانية  إن الشيخ عبد الرازق هو المصلح العظيم الذي يشبه لوثر بين المسلمين” وقالت الجارديان البريطانية: إن الشيخ علي عبد الرزاق من أعظم المفكرين المصريين في العالم الإسلامي”.

    يقول د. محمد البهي عن هذا الاحتفاء بالكتاب: “ويأتي تقويمه على هذا النحو، لا لأنه يعرض فكرة جديدة على الغرب في الدراسات الإسلامية، بل لأنه صدر من مسلم ــ هو عالم أزهري ـ وفي ذلك ترويج لفكر الكتاب بين الطلاب الغربيين، الذين يدرسون الإسلام والشعوب الإسلامية.

  بدأ الكتاب وحيداً عند صدوره، وبدا في حينه صيحة غريبة مستهجنة، ولاقى من العلماء الاهتمام اللازم، والرد الكافي، إلا أن ” فكرة” الكتاب، ومقولة خلوِّ الإسلام من فكرة أنه “دين ومنه الدولة” تسللت إلى الأمة شيئاً فشيئاً، فما كان مستغرباً في الربع الأول من القرن العشرين، صار عادياً ودارجاً في النصف الثاني منه، شأن قضايا فكرية أخرى مثل استعمال اللهجات العامية في الأعمال الأدبية، فكان المر مستهجناً ومحل ازدراء في بدايات القرن العشرين، وأصبح (بلاء) عاماً في النصف الثاني منه.

  الاتجاه نحو الغرب والرأسمالية:

  ما إن انتهت زوبعة كتاب “الإسلام وأصول الحكم” حتى بدأت الأفكار العلمانية والتغريبية في الظهور، فدعا د. طه حسين عام 1938 في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر” إلى أن «نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم»، وإلى أن نقبل من هذه الحضارة «خيرها وشرها، وحلوها ومرها، وما يُحَبُّ منها وما يُكره، وما يُحمد منها وما يُعاب». وبالتأكيد كأن طه حسين يقصد بالتحديد الأخذ بأسلوب الحياة الغربي وبمفهوم الحريات عندهم وطريقتهم في الحكم.

  كان انهيار الدولة العثمانية وحلول الاستعمار الغربي محلها ذا أثر كبير في التحول الفكري في بلاد المسلمين، فقد تم تقسيم بلاد المسلمين إلى ست وخمسين دولة. وتم تكريس مفهوم الدولة القطرية، وبرزت مفاهيم الوطن والمواطنة بدل الدولة الإسلامية الواحدة والرعية الواحدة، وبدأت دساتير هذه الدول بالسير وفق المفاهيم الغربية في فصل الدين عن الدولة والاكتفاء من الدين بأنه دين الدولة ويُؤخذ منه قوانين الأحوال الشخصية وتطعيم بعض القوانين المعمول بها ببعض الأحكام الإسلامية مما كرَّس مفهم العلمانية كأسلوب للحكم، وبالتالي تم إقصاء اعتبار الأحكام الشرعية المصدر الوحيد للقوانين والتشريعات.

 ظهور الأفكار الاشتراكية واليسار الإسلامي:

 منذ مطلع الخمسينات تنامت الحركات اليسارية التي دعت إلى التحرر من الاستعمار والفقر، وقد استهوت هذه الشعارات الكثير من أبناء المسلمين، وفي المجال الفكري ظهر ما سُمي بـ “الاشتراكية الإسلامية” وهو مصطلح صاغه زعماء مسلمون مختلفون للوصول إلى شكل اشتراكي أكثر روحانية. يؤمن “الاشتراكيون المسلمون” بأن تعاليم القرآن والنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) متوافقة مع مبادئ المساواة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة. قال جمال عبد الناصر في إحدى خطبه أن الإسلام هو الاشتراكية. ونتيجة لشيوع مصطلح الاشتراكية وأنه يقابل جشع الرأسمالية سمعنا أمير الشعراء أحمد شوقي يقول في قصيدته “الهمزة النبوية” التي يمدح فيها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم:

                        الاشتراكيون أنت إمامهم ***لولا دعاوى القوم والغلواء

والغريب أن إحدى الحركات الإسلامية الكبرى قد أدرجت في أدبياتها مفهوم الاشتراكية الاسلامية، وَرَدَ فى الاجتماع السنوي العاشر لجمعية الإخوان المسلمين العمومية عام1946 أنه “يقرر المجتمعون أن الوضع الاجتماعي في مصر أمام التطورات العالمية والضرورات الاقتصادية وضعٌ فاسد لا يحتمَل ولا يُطاق، وأن على المركز العام للإخوان المسلمين أن يعلن برنامجه المفصل لإصلاح هذا الوضع، ولرفع مستوى الشعب أدبيًّا بالتربية والثقافة، وروحيًّا بالتدين والفضيلة، وماديًّا برفع مستوى المعيشة وتحقيق العدالة الاجتماعية التي تفرضها الاشتراكية الإسلامية، والتي يحيا في ظلها العامل والفلاح والزارع والتاجر وكل مواطن حياة مريحة كريمة، ويعمل على تنفيذه في حزم وإسراع” .

   مع وصول جمال عبد الناصر وحزب البعث في سوريا والعراق للحكم ووصول الحكم بعض القادة العرب الذين رأوا في الاشتراكية بضاعة رائجة مثل أحمد ين بيله وبومدين في الجزائر والقذافي في ليبيا وقحطان الشعبي وزملائه في اليمن الجنوبي ومحمد سياد بري في الصومال،  صرنا نرى دعوات لهذا المذهب الفلسفي ومحاولات متعثرة لتطبيقه، حاول بعض العلماء المسلمين تقريب المفاهيم الإسلامية للأجيال التي لم تأخذ من الثقافة الإسلامية الحظ الكافي فقاموا بتقريب الاشتراكية من الإسلام (وكان هذا خطأ قاتلاً)، ومن جهة أخرى  وحاولت تلك الأنظمة (لا سيما في مصر وسوريا والعراق) جرَّ علماء الدين الإسلامي للترويج للاشتراكية فظهرت بعض المؤلفات في هذا الاتجاه منها كتاب “اشتراكية الإسلام” للدكتور مصطفى السباعي” والإخوان والعدالة الاجتماعية  لمحمد سعيد رمضان” وكتاب “الإسلام والاشتراكية” للشيخ محمد الغزالي، وكتاب “اشتراكية أبي ذر” لمحمود شلبي، وكتاب ” أبو ذر الغفاري: الاشتراكي الزاهد”،  لعبد الحميد جودة السحار. (واعتبار الصحابي أبي ذر اشتراكياً ناتج عن عدم فهم صحيح لكل من الإسلام والاشتراكية، وكان نوعاً من التسويق السياسي لمفهوم الاشتراكية بين المسلمين)

   نشأ صراع فكري بين أصحاب “اشتراكية الإسلام” وأصحاب” الفكر الإسلامي الصافي”؛ فمثلاً كتب الشيخ عبد العزيز البدري من العراق كتاب “حكم الإسلام في الاشتراكية” ليرد على كتاب السباعي سابق الذكر. ولكن هذه الموجة الاشتراكية انتهت بسقوط الاتحاد السوفياتي واختفاء الأنظمة القائمة في العالم الإسلامي التي كانت تنادي بها.

 وظهر أيضاً ما سُمي باليسار الإسلامي ويطلقون على أنفسهم “الإسلاميون التقدميون” هو تيار فكري ذو مرجعية إسلامية. ظهر بمصر ومن أبرز منظريه المفكر حسن حنفي، وفي تونس، ظهروا كتيار على هامش الحركة الإسلامية منذ نهاية السبعينات. ومن أبرز قيادات هذا التيار الجامعي أحميدة النيفر، الصحفي صلاح الدين الجورشي، والسياسي محمد القوماني. واعتبر بعض الباحثين الكاتب الإيراني علي شريعتي من هذا التيار، ويرى بعض الباحثين أن إرهاصات حركة “اليسار الإسلامي” ترجع إلى “كتابات سيد قطب في أوائل الخمسينات، خاصة في “معركة الإسلام والرأسمالية” و “العدالة الاجتماعية في الإسلام”، (سيد قطب عند استشهاده غير سيد في بداياته الفكرية)، عرَّف حسن حنفي اليسار الإسلامي بأنه (حركه تاريخية جماهيرية ثقافية حضارية اجتماعية سياسية … وثقافتنا ترتكز على ثلاثة أصول: أولا التراث القديم، ثانيا التراث الغربي، ثالثا القران الكريم * حسن حنفي، اليمين واليسار في الفكر الديني) وظهر في السودان (الحزب الاشتراكي الإسلامي) بعد ثورة أكتوبر 1964 السودانية.

   تألق الرأسمالية:

 بعد غروب التيار الاشتراكي وانكماشه عاد الفكر الرأسمالي للبروز ورأينا الدعوة للأفكار العلمانية والليبرالية والحريات بالمفهوم الغربي واتخاذ الديمقراطية أسلوباً للحكم، واشتد هذا التيار بعد حرب الخليج عام 1991 وشعور الكثير من الناس في المنطقة بأنه لا بد من اللحاق بقطار العصر المتمثل في العالم الغربي وما فيه من ارتفاع مستوى الدخل والتقدم العلمي والصناعي ونظام للحكم يسمح بتداول السلطة ومحاسبة المسؤولين والحد من الفساد.

صعود تيار الإسلام السياسي:

بعد الأحداث العاصفة التي شهدها العالم الإسلامي برز تيار الإسلام السياسي ليقدم الإسلام على أنه هو السبيل الوحيد لرفعة الأمة، وفيه الإجابة على السؤال المهم والكبير الذي طرحه الأستاذ شكيب أرسلان في مطلع القرن العشرين وغداة سقوط الخلافة: “لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم”؟، ويمكن تقسيم اتجاهات الحركات الإسلامية على النحو التالي:

  1. التيار الإصلاحي، ومثلته حركة الإخوان المسلمين التي تأسست عام 1928 في مصر، وكان هدفها إصلاح الفساد القائم في الدول القائمة في العالم الإسلامي، والمطالبة بتحكيم الشريعة الإسلامية، ولم يكن وارداً في ذهن حسن البنا العمل على استعادة الخلافة الإسلامية.

  2. تيار التغيير الجذري ويهدف أصحابه لإعادة الخلافة الإسلامية ووحدة البلاد الإسلامية ومثَّل هذا الاتجاه حزب التحرير وحركة الجهاد في مصر.

  3. تيار الوعظ والنصيحة ويمثلها جماعة التبليغ والدعوة، والتي نشأت أصلاً في الهند، وغايتها ترغيب الناس بالتمسك بالعبادات والأخلاق، ولا شأن لها بالسياسة.

  4. التيار السلفي التقليدي، وقد عمل على تربية الناس على أحكام العقيدة (حسب فهم السلف الصالح) وركز على محاربة البدع، وتنقية الأحاديث الشريفة مما علق بها من أحاديث ضعيفة أو موضوعة.

  5. التيار السلفي تيار جهادي، ويرى وجوب تغيير المنكر باليد، وانشغل قسم منهم بمحاربة الدول القائمة في العالم الإسلامي وفق قاعدة استحدثوها تقول:” العدو القريب أولى بالمواجهة من العدو البعيد”، ومِن هذه الحركات مَن استخدم القوة والسلاح لتغيير المنكر ومحاربة العدو القريب والبعيد، ومن هذا التيار “تنظيم القاعدة” وغيره من الحركات التي ظهرت لمقاومة الجيوش المحتلة.

محاولات الاندماج في المجتمعات الغربية:

 نتيجة للظروف العسيرة في العالم الإسلامي قام الكثير من المسلمين بالهجرة إلى البلاد الغربية، ونتيجة لاختلاف الثقافات بين المسلمين والغربيين؛ ظهرت مطالبات لهؤلاء المسلمين بالاندماج في تلك المجتمعات، وهذا يقتضي منهم التخلي عن ممارسة بعض السلوكيات الإسلامية والدخول في العملية السياسية والمشاركة في الأحزاب وتبني الأفكار العلمانية والخضوع لقوانين تلك البلاد رغم معارضتها التشريع الإسلامي في الكثير من النواحي. بعض المسلمين رفض شروط الاندماج هذه وعاش في صراع مع القيم الغربية، زاد الأمور تأزماً قيام متطرفين غربيين بتحدي المسلمين في بعض الأمور مثل نشر الصور المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، وهنا نشأت ردود فعل بين الجانبين أدت لمواجهات في بعض الأحيان. بعض المسلمين اندمج بل وتماهى في الثقافة الغربية، فسمح له هذا التغير الفكري بتسلم بعض المواقع الإدارية والسياسية في الغرب.

  العيش في ظل المجتمعات الغربية ولَّدَ لدى المسلمين هناك أسئلة فقهية عن واقعهم الجديد نحو العمل في أماكن تبيع الخمور أو تعمل بالربا، أو فيها اختلاط وتعرٍ، أو مسائل تتعلق بالأكل والشرب؟ ومنها ما يتعلق بأداء العبادات نحو كيف يبدؤون صيامهم؟ هل يبدأوه وفق أقرب بلد إسلامي منهم؟ هل يتبعون توقيت الدولة التي هم فيها؟ هل يتبعون توقيت بلادهم الأصلية؟ هل يتبعون توقيت مكة؟ هل يرسلون زكواتهم وصدقاتهم لفقراء بلادهم أم يخرجونها في بلاد إقامتهم؟

 القراءة المعاصرة للإسلام:

   في الربع الأخير من القرن العشرين نشأ تيار حاول الجمع بين (الإسلام والمعاصرة) يقول بضرورة إعادة قراءة الإسلام قراءة معاصرة، وأبرز أفكار هذا التيار: الاعتماد أولاً على القرآن الكريم، ومنهم من اقتصر على الأخذ بالقرآن الكريم وحده، رد السنة النبوية جميعها، ومنهم من قال برد السنة إن لم تتفق مع العقل، ولكن هذا الفريق جعل فهمه وفكره المتأثر بالأفكار المادية (الماركسية والرأسمالية) هي المرجعية في إثبات صحة الحديث، وهاجم الكثيرُ من أصحاب القراءة المعاصرة التراث الإسلامي برمته من فقه وحديث وتفسير وتاريخ، وشنَّع على رموزه لا سيما الإمام الشافعي والإمام البخاري وسيبويه، وأشهر رموز هذا التيار: محمد شحرور، نصر حامد أبو زيد، محمد أركون، وزكريا أوزون وفرج فودة  ومحمد سعيد العشماوي، أحمد صبحي منصور،  وجمال البنا وغيرهم.

  من الملاحظ أن أصحاب مقولة التجديد والقراءة المعاصرة ليسوا على رأي رجل واحد، ولا يجمعهم جامع واحد، فهناك تباين حاد في طروحاتهم، ولكن السمة الغالبة عليهم مهاجمة التراث ورموزه، ومحاولة التوفيق بين الإسلام والمفاهيم الغربية.

 من الواضح أن هذه الطروحات كان نتيجة قراءة متسرعة متعسفة للشريعة الإسلامية، ينقصها العمق والموضوعية والاطلاع الكافي على مصادر الإسلام.

  مئة عام مرت على الأمة الإسلامية منذ إعلان إسقاط نظام الخلافة الإسلامية، وبقي السؤال المهم والكبير الذي طرحه الأستاذ شكيب أرسلان في مطلع القرن العشرين وغداة سقوط الخلافة: “لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم”؟ وما زلنا في حيرة من أمرنا:

 هل نحن نمضي للأمام، أم نرجع للخلف؟!!

  • باحث وكاتب من الأردن

شاهد أيضاً

عائشة البصري: لن ننسى بسهولة هزيمتنا أمام فيروس صغير!

* عماد الدين موسى عائشة البصري شاعرة وقاصة وروائية مغربية، عضو الجمعية الدولية للنقد الأدبي (AICL) في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *