(ثقافات)

النقد الرقمي والناقد الرقمي والنقد الثقافي التفاعلي   

قلولي بن ساعد 

قاص وناقد / الجزائر

عندما يتعلق الأمر بنقد هو “النقد الإلكتروني ” ،  الذي لم يتم الاعتراف به بعد من طرف مؤسسات النقد  الجامعية  ، فإن الأمر يطرح إشكالية عويصة لكون “النقد الإلكتروني ” بهذه الصيغة لا ينال بعض الإجماع على الصعيد المفاهيمي بين عدد من النقاد .

وهو يأخذ أحيانا مفاهيما متباينة  ، فالدكتور محمد مريني مثلا في كتابه ( النص الرقمي وابدالات النقل المعرفي ) ،  يستخدم بدلا عنه النقد الرقمي  والدليل على ذلك أنه يفتتح كتابه ( النص الرقمي وإبدالات النقل المعرفي  ) بفصل  يخصصه لمرحلة يسميها مرحلة ما قبل النص الرقمي ،  بينما الفصل الثاني من كتابه  فمفهوم النص الرقمي يحتل فيه موقع الصدارة مانحا له العنوان التالي :

( النص المتشعب التجسيد الأمثل للنص الرقمي )  .

وعندما يكون النص الرقمي هو موضوع النقد ، فإن الجهد النقدي ينصرف إلى  نقد هو النقد الرقمي .

وفي المقدمة التي كتبها لكتابه (النص الرقمي وابدالات النقل المعرفي ) .

يربط حياة النصوص الرقمية بصفتي الترابط والتعالق  ، ويرى أن النصوص الإلكترونية  لا تحقق كلها صفتي الترابط والتعالق .

بل الذي يحقق هاتين الصفتين في نظره  هو نوع محدد من هذه النصوص يتحقق فيه الترابط من خلال تقنيات الحاسوب .

والدكتور محمد مريني  من هذه الزاوية  ،  يقدم للدرس النقدي الأسلوبي بعض الإضافات التي لم يعهدها الدرس الأسلوبي عندما كان يتعامل مع النصوص الأخرى النصوص المكتوبة أو المطبوعة خارج الفضاء الشبكي  ضمن أفق تلقي النص الرقمي أو التلقي النقدي بما يتناغم ومكونات النص الرقمي  وبرمجياته  ، عارضا في هذا السياق لبعض العناصر الكفيلة بجعل النص نصا رقميا وليس مجرد نص منشور على الفضاء الشبكي  .

ومن هذه العناصر يذكر التكبير والتصغير والإضافة والحذف والتسطير والتصحيح الإملائي وتبديل المقاطع وإدماج الصور والجداول والأصوات والموسيقى والصور الثابتة والمتحركة مع التمثيلات اللغوية والبصرية .

وهي معايير أرى أنها تعقد كثيرا من وضع النص الرقمي العربي كما هو منشور على الفضاء الشبكي  ، وهو وضع بالطبع لا تتجلى فيه هذه المعايير بشكل واضح .

وربما يحدث ذلك مستقبلا ضمن أفق آخر هو أفق ” النص المترابط ” بالمفهوم الذي يضعه الناقد المغربي الدكتور سعيد يقطين لكتابه الذائع الصيت ( النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية نحو كتابة عربية رقمية ) .

حيث  يمكن للأدب الرقمي مع السعيد يقطين أن يتجلى في ممارستين مختلفتين وضعهما السعيد يقطين حيال الأجناس الأدبية فهناك أولا :

أنواع أدبية قديمة بدأت تتلبس في منظوره بالآليات الرقمية وتوظفها لفائدتها .

ثم هناك أجناس أدبية جديدة  مختلفة تماما عن الأجناس الادبية التقليدية ، متصلة بالحاسوب والفضاء الشبكي ذكر منها الروايات المشتركة والنصوص الشعرية المشتركة  والكتابات التفاعلية الجماعية التي يشارك فيها أكثر من شخص أو شخصين .

وعلى هذا الأساس لا يتردد السعيد يقطين في تخصيص فصل من فصول كتابه القيم ( النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية نحو كتابة عربية رقمية ) للنقد الرقمي أو النقد التفاعلي في ضوء تحولات النص الرقمي أو النص المترابط .

 وهو الفصل الثالث ( النقد والأدب الرقمي تجديد الإجراءات والتصورات )  .

الذي يخصصه لأفق تلقي النص الرقمي أو النص الترابطي داعيا النقاد والباحثين المتخصصين في النقد الأدبي إلى تجديد أدواتهم النقدية بما تطرحه الوسائط الجديدة  من تحول في البعد الخاص بالمؤلف الذي سوف يشاركه بحسب رؤية السعيد يقطين في عملية الإنتاج المبرمج أو الخبير في المعلوماتية  ، طالما أنه ليس لكل المبدعين الخبرة في البرمجة  .

ويستنتج السعيد يقطين بأن هناك مثلثا جديد أصبح  يحكم علاقة النص المترابط بالمتلقي وهذا المثلث هو المؤلف والمبرمج والحاسوب .

وفي نظره فإن هذه الأطراف الثلاثة  تتكامل كلها  لتنتج في النهاية النص الرقمي وتتحقق من خلال ثلاثة أبعاد نفسية ورمزية وتقنية   لخلق ما يسميه بالقاريء الرقمي المعادل الموضوعي للناقد الرقمي الذي تؤسس له سرديات النقد الرقمية والقراءة الرقمية المنشغلة بتحولات النص المترابط  ، كما يتمنى تداوله الدكتور السعيد يقطين .

وهو المفهوم ذاته الذي تشاركه فيه ناقدة مغربية   أخرى هي الروائية والناقدة الدكتورة زهور كرام عندما تفضل استخدام ” النص المترابط ” في كتابها ( الأدب الرقمي أسئلة ثقافية وتأملات مفاهيمية ) .

إذ تسمح لها كما تقول تقنية النص المترابط أن تختار للنص المترابط مدخلا للقراءة مع “النص المترابط التخييلي ” المفهوم الذي تستقيه من الناقدة لوسي دوبوتيني بما ينسجم وانعكاساته النصية على ذائقة قاريء محدد هو القارئ الرقمي .

وقد أدى هذا التحول أيضا إلى دخول النقد الثقافي معترك الثقافة الرقمية والنصوص الرقمية للنظر فيها من زاوية السياق الثقافي الذي تتشكل في ضوءه أسئلة النص التفاعلي .

ولهذا السبب يستخدم الناقد العراقي الدكتورأمجد حميد التميمي مفهوما خاصا هو  النقد الثقافي التفاعلي .

ويعتبر أن ما يقدمه هو مجرد مقدمة في النقد الثقافي التفاعلي استقاه من تجارب الشعر التفاعلي العربي والنقد التفاعلي  ذاكرا منها  مقاربة للدكتور مشتاق عباس معن في دراسته للقصيدة التفاعلية الرقمية الدراسة التي يرى أنها رائدة وتتسم أيضا بالجرأة والتفوق والمعاصرة .

والقصيدة التفاعلية في نظره لا تختزن فقط موهبة الشاعر ، بل ثقافته والسياق الثقافي الذي تشكلت فيه تجربته الشعرية فاتحا الفصل الثاني من كتابه ( مقدمة في النقد الثقافي التفاعلي ) على مسالك الأسس الفنية الثقافية ومنها تعالق الفنون وتراسل الحواس .

ثم على الأسس الفنية التفاعلية  ، متخذا من القصيدة  الرقمية موضوعا لاختبار جاهزية النقد الثقافي التفاعلي  دون أن يتجاوز  ذلك إلى السرد أو الرواية .

لكون أن النص الشعري التفاعلي يقدم له مادة خصبة يؤسس على ضوءها لبعض مرتكزات النقد الثقافي التفاعلي ، الذي يقدم له في هذا الكتاب الذي يصر على أنه مجرد مقدمة في النقد الثقافي التفاعلي  ، كتجربة قراءة  للقصيدة التفاعلية الرقمية التي يحيل إليها مضمون هذا الكتاب الغني معرفيا ونقديا وإجرائيا وما أدراك ..

ملاحظة

المقال ملخص من مشاركة ضمن ندوة ثقافية شاركنا فيها بدعوة من كراس الثقافة لجريدة النصر الجزائرية الندوة الموسومة   (النقد الأدبي في الفضاء الرقمي .. أية خصوصيـة؟ ) .

شاهد أيضاً

الليلة الأخيرة في غزة، شهادات جديدة للروائي يسري الغول

الليلة الأخيرة في غزة، شهادات جديدة للروائي يسري الغول عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *