الرئيسية / نصوص / تحول الرجل إلى كرة صغيرة

تحول الرجل إلى كرة صغيرة

  • موفق الحجّار

تحول الرجل إلى كرة صغيرة. هذه هي نهاية القصة، لكنّ بدايتها مختلفة. كان يصنع قهوته الصباحية ويفكّر في أن صباحه اليوم صار طويلاً جداً، فهو لا ينفكّ يردد كلَّ الجُمل التي يتبادلها الناس في الصباح، وحتّى غروب الشمس تقريباً. صباح الخير، صباح النور، صباح السرور، صباح الورد، صباحك أنت، وغيرها. إنّها معلبّات لغوية، يفكّر في ذلك، أهي الكونسروة اللغوية، التي ورثها عن أهله. يقولها دون أن يفكر بها؟ نعم كذلك. لم يكن ذلك ما يشغل باله، بل مجرد التفكير في مدى طول صباحه اليومي، بات يؤرقه.

هل يعقل أن يعيش عقلي فترة الصباح حتّى تغيب الشمس؟ لكنّه ممتنٌ للأصدقاء الذين يقبعون في أقاصي الكون، وفي مختلف البقاع والأماكن. فهو ينتظرهم واحداً واحداً كي يستيقظوا كما ينتظر المصعد الكهربائي السكّان في مدخل البناء، كي يصعد بهم إلى بيوتهم. أخذ كوب القهوة وانزوى بنفسه إلى الشبّاك الكبير في صالة الجلوس، وفكّر إنّ سيكارة واحدةً هنا أمام هذا المنظر الهائل، لن تؤثر كثيراً على قلبي المضطرب، فدخنها، وشعر بالدوار مرّةً أخرى، لن أدخن في الصباح بعد اليوم. وعدَ نفسه. المنظر الهائل، يوحي له بكلمة وطن. إن كلمة وطن في ذهنه، تشبه مدينته الأصلية، لأن حرف الطاء فيها، يشبه الجبل، أما حرف الواو فهو النهر، ولكن حرف النون هو المدينة كلها! هذا لا يكفي، كما أن النقطة التي تنام فوق حرف النون تشير مجازاً وبشكل مزعجٍ جداً إلى الحرب. إنها الحرب. الوطن، يقول في نفسه، جميلٌ هذا المنظر الهائل الذي يوحي لي بالوطن، لكنّه كذلك ليس وطني، لقد هربت من وطني، واليوم أراني أفكّر أن هذا الهروب من الوطن، سيستمر طويلاً، حتى ينتهي المكان. هيه! يتذكر أصحاب نظرية الأرض المسطحة. فيضحك. يقول إذن أسير إلى نهاية السطح وأسقط. في الواقع، فإن هذه الفكرة المسطحة والسطحية، تبعث في قلب الرجل السخرية، فيفكر: لو جردنا الأرض من فكرتها الرومنسية في كونها الكوكب الوحيد الذي يصلح لشروط الحياة البشرية، لصارت سطحاً كبيراً وسخيفاً فقط. مثل طاولة الأكل في البيت. كان يؤمن دوماً أن الطاولة الطويلة، سخيفة. لو جردنا، يفكّر بعد ارتشاف قهوته مرة أخرى، الحبّ من رومنسية فكرته المتخيلة والتي تتضخم في خيال وقلب العاشق، لأصبح علاقة رياضية، والعلاقات مسطحة تكتب على سطر واحد ويمكن استخدامها كقاعدة عامة وتعويضها بالأرقام. عليّ أن أدافع عن رمنسية حبّي إذن، وأن أستخدم مقياساً للضغط المثالي كي لا ينفجر بالون الغرام الذي يدق في قلبي حين أرى يدي حبيبتي. قال بصوتٍ مرتفع وبلحظة تجلٍ كأنه قال: وجدتُها. /صَمت/ يبدو أن الرجل استغرق في قراءة الكتاب الذي قيل له أن يقرأه فغط في نومٍ عميق، إنها السابعة مساءاً. يده اليمنى تتدلى على بطنه كقطة واليسرى تمسك الكتاب من أذنه بينما تسرق الجاذبية الأرضية الكتاب من يد الرجل رويداً رويداً حتّى ظن الناظر إلى المشهد هذا، أن الكتاب سيتمزق لا محالة. لكنّ الكتب المعاصرة والتي تفكر بصوت نقدي مرتفع لا تتمزق، بل إن مرونتها التي يصنعها لها كاتبها تعيش لفترة أطول من الزمن. ولذلك، لم يتمزق الكتاب، بل سقط. في ذهن الرجل، معركة كبيرة تدور فوق حرف النون، وقد رأى نفسه داخل بطن الحرف يحاول جاهداً أن يركض إلى الأعلى كي يخرج منه، ولكنّه ما إن يصل إلى حافة الحرف، حتى تقول النقطة بصوت ضخم جداً: “والقلم وما يسطرون” ن ن ن ن. حاول مرات عديدة لكنّه فشل. وفي لحظة مباغتة تذكّر طفولته. جلس إلى أرض بطن الحرف، وركّز كثيراً، إنها لعبة الدود، دود الأرض الذي يحفر فيها وينشأ ممالكاً ودولاً من شرقها لغربها، نعم! لعبة الدود التي كان يلعبها! كان بتلك اللعبة سلاح صغير تحمله الدودة معها، وهو قوسٌ صغير، به “حبلٌ من مَسَد”. تستطيع الدودة أن توجهه في أي اتجاه، فيلتصق في ذاك الجدار أو المكان لتقفز مستعينة به نحو مكانٍ آخر. خرج من فكرته تلك بسرعة بعد أن استعار القوس من الدودة، واستخدمه موجهاً إياه نحو النقطة التي تطوف فوقه. نقطة النون. سدد الحبل باتجاه النقطة، وبلفتة سريعة صار على سطح النقطة، التي تبدو ككوكب صغير، صغير جداً. فتذكر طفولة بعيدة، كان بها يقف في مدخل البناء مع مجموعة من الأطفال الذين لا يستطيع اليوم تذكّرَ أسمائهم ولا حتّى أشكالهم، وكانوا يلعبون بكرات صغيرة لعبة سمّوها الدَّحَل. وهي كرات زجاجية ملونة تشبه الرخام، منها الأبيض والأزرق والأخضر وغيرها، كرات تشبه حجارة الجنّة التي يتحدث عنها الكبار. لقد كانت لعبة الدحل النشاط الأحلى في طفولة أبناء هذا العالم. فكّر الرجل قليلاً، وفتح من خلال تلك الذكرى شباكاً صغيراً على معجم يأخذ بأواخر الكلمات، وبحث عن معنى كلمة “دحل” فوجدها لا تعني اللعب ولا تعني الكرة ولا تعني الطفولة، لكنّ (دَحَلَ الأرضَ) تعني: حَفَرَ حفرةً في الأرض ضيقةَ الأعالي واسعةَ الأسافل. يا إلهي! لقد كنا ندحل الأرض ونصنع حرف النون. كنّا نصنع الوطن. ن ن ن ن فتح الرجل عينه فجأة، وشعر أنّه ميت. عرف أن الليل قد حلّ وأنه قد رأى مناماً غريباً جداً. شعر أنّ عينه معلقة في الهواء. نظر يميناً وشمالاً فرأى الصالة ممتلئةً بالكرات الزجاجية الصغيرة، وأن تلك الكرات قد ملأت المكان كله. حاول أن يتحرك فاكتشف أنه غير قادر على ذلك.

تحول الرجل إلى كرة صغيرة.

شاهد أيضاً

حينمَا يجتاحُني هَوسُ الرَّكض

حسن حصاري                 – 1 –   هَلْ كانَ بِإمْكاني أنْ أمْحُوَ لوْنَ الليْل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *