الرئيسية / خبر رئيسي / عمر الردّاد: أسطرة السرد في قصة “ليلة سمر حول سراج الغولة”

عمر الردّاد: أسطرة السرد في قصة “ليلة سمر حول سراج الغولة”

*عمر الرداد

ثلاثة مفاتيح يقدمها الكاتب مفلح العدوان لتحليل سرديته في قصته القصيرة الجديدة التي عنونها ب” ليلة سمر حول سراج الغولة” وهي قصة مرتبطة بمرحلة الحظر الذي فرض في الأردن لأسابيع في الشهر الثالث لانتشار كورونا، وتداعيات هذا الحظر والتي قدمها في سردية يختلط فيها الذاتي بالموضوعي وما أحدثه الحظر لمدة زمنية طويلة نسبيا من التوقف عند محطات وتحولات وثنائيات وتساؤلات مفتوحة، أجبرت الإنسان على إعادة النظر بكل ما هو اعتيادي، ليعيد النظر فيه واليه من زوايا ومواقع جديدة.

أول هذه المفاتيح “اسطره” كورونا بإحالتها إلى الأساطير والخرافات تبدأ بسيمايئيات العنوان “سراج الغولة” بكل ما تستدعيه من مورثاتنا حول روايات الغولة، هذا الكائن الذي رأيناه ولم نره، وأطلق المخيال البشري العنان لفرسانه لتحلق في فضاءات تخيلية ترسمه رأسا بلا جسد، بلا أرجل بوجه مليء بالأشواك وأنياب طويلة،تعكس خوفنا العميق، والتشبث بالحياة والخلود، معركة يخوضها الإنسان مع شبح، لم نره لكننا أحسسنا أنفاسه، تلمسناها قريبا من انفونا وآذاننا، أنفاس لا يشبهها إلا فحيح الأفاعي في الأدغال، او في سقوف منازلنا،نمني النفس ان لا تقترب أكثر فأكثر، مؤمنين بما تقوله أمنا ” لا تخافوا،،، إنها مرسلة”.

عمر الردّاد

ثاني تلك المفاتيح،بؤرية المكان،إذ تبدأ تجلياته مع العتبة النصية في سردية سراج الغولة ف “المساحات تضيق حولي، تتقزم كما ثقب،ولكن بلاط البيت يتسع كأنه الكون الجديد، تلك مفارقة لم أشعر بها من قبل، كأننا في زمن جديد؛ عصر اتساع المحاصر وانحسار المنفلت”،ويبقى فضاء المكان العنصر الرئيس من عناصر السرد مسيطرا على كل مساحات القصة، ومن خلاله وفيه تنبعث الحوارات والأحاسيس والمشاعر،بما فيها الحوارات مع الغول وأسرته، غير أن هذا المكان يتحول في ثنائية ما بين الماضي باتساعه الرحب والتعامل معه بوصفه كلا متكاملا تغيب عنه التفاصيل، الى زنزانة تزيد مساحتها عن زنزانة السجين قليلا، بوصفها زنزانة جماعية،يتم إعادة تشكيلها بإضفاء جماليات عليها لم تكن مكتشفة سابقا في هذه الزنزانة، فيعيد الراوي”البطل” اكتشافه مستعرضا فتوحات هذا الاكتشاف بعلاقة نستولوجية معه ومحاولة تكيف وتالف جديدة، تركز على ملاحظة التفاصيل الدقيقة للمكان، وكأنها تنشئ علاقة جديدة بدأت للتو بين الراوي”البطل” وهذه الزنزانة/ المنزل” يكتشف معها ألوان الجدران ومحتويات الغرف وتفاصيلها،ومواهب أطفاله وأسرته، تبدو زوجته أكثر قربا منه تتابع كل خطواته،وهو ما يشي بحالة وحدة إنسانية جديدة وتقارب عاطفي يتفشى بين أفراد الأسرة  في ،حالهم كحال أسرة في الغابة تتسيد مشاعر الخوف من مواجهة”الغول الجديد” القابع المتحفز عند الباب ،وربما هو “بيننا” داخل هذه  الزنزانة الوارفة ،من يدري؟ ويذهب البطل في الكشف بتفاصيل تجسد “شعرية التفاصيل” وتستحضر صورة السجين في الزنزانة وتشظيه بين ثنائيات الماضي الجميل بكل ما فيه والحاضر المليء بالخوف والهلع بما في ذلك العلاقة مع السجان، لكن السجان الجديد هنا شبح وقاتل، فليس هناك محكمة ولا شهود ولا بينات ولا دفاع.

ثالث المفاتيح، تلك الثنائيات الضدية التي تجلت في كل محطات سردية سراج الغولة، تبدأ مع العنوان ما بين الأسطورة والحقيقة، الظاهر والمختفي، ما هو حقيقي وما هو مجاز في بعده المادي او النفسي، ما بين المعتاد والروتيني وهذا الجديد ما بين ال”هنا” وال”هناك”، ما بين سلوكيات ومشاعر سابقة تنتمي للماضي ومشاعر وفهم جديد للحياة ولكل الأشياء من حولنا.

ومن أبواب فنيات السرد، فقد جاءت سردية سراج الغولة ،كما أسلفنا، في إعطاء بؤرية المكان بعدا جماليا، اظهر انسجاما مع الحظر والتفاعل بمستويات أعلى وأعمق مع المكان، وإعادة إنتاجه بعيون مجهريه تكشف تفاصيل التفاصيل فيه، إعلانا عن حالة التصاق جديدة وكأنها عودة من تيه، يتماهي مع المكان، فيما كان الزمن بمستوييه الفيزيائي الذي اخذ منه الليل كثيرا بما ينسجم  مع دلالات الظلام مع الغول/ كورونا،والذي لا يمكن إلا أن يكون اسودا، حالك الظلام، أو الزمن المطلق السرمدي بما فيه “ألاسترجاعي” لما هو قبل الحظر بكل ما فيه من معتاد،وما هو بعد، بكل ما يعنيه تسلسل الزمن وتكراره وتدويره في “الزنزانة/ البيت” مع ما يختلط فيه من اللااعتياد وبمشاعر تفيض بالخوف والهلع.

البطل وهو الراوي في سراج الغولة متشظي، بين ثنائيات الماضي والحاضر، الخوف والأمل والهلع،بين انتمائه لأسرته ومحاولة حمايتها من الغول،تلك الأسرة المشغولة بهواتفها وحواسيبها، التي أصبحت نافذتها على العالم،ووسيلة اتصالها التي تؤمن لها التواصل ما بين زنزانتها والعالم الخارجي، بكل ما فيه من زنازين منفصلة ومتصلة، والسجان واحد هو الغول،لكنه سجان مختلف عما عرفناه في أدب السجون، فهناك سجان سابق كان ظالما وآخر كان متعاطفا مع السجين يعطف عليه،لكن هذا السجان الجديد مختلف فهو القاضي والسياف.

في القصة ،حواريات باختين تتجلى بمنولوج داخلي يمثله الراوي بصوت واحد يطرح همسا كل الأسئلة المعلقة بلا إجابات حول كورونا،وأسئلة أخرى متشظية هي الأخرى جاءت بصوته لكنها بأصوات آخرين، فيما كانت اللغة بمستوياتها الفصيحة هي التي طبعت القصة،وعكست انسجاما مع لغة الكاتب من جهة، ومع الاستعارات والبلاغة التي استخدمها في تناصات قرآنية وتوظيفات لنصوص دينية ملأت الفراغات المتوقعة في بناء القصة،وخدمت متطلبات الضغط في السرد،التي تتطلبها القصة القصيرة، والعدوان بلغته “الفصيحة”يخالف توقعات النقاد للسرديات الخاصة بكورونا بذهابها باتجاهات اللغات العامية والمحلية،ومع ذلك لا يمكن اعتماد قصة قصيرة لإطلاق أحكام عامة حول لغته كورونا، فربما سنقف أمام سرديات بلهجات محلية ولغة غير فصيحة.

ملمح فني في بنية سراج الغولة كان قد توقعه كثير من النقاد في استشراف سرديات ما بعد كورونا،وهو تحول كورونا الى شخصية في القصة والرواية الكورونية، وهو ما اجترحته سراج الغولة،في تميز يسجل للعدوان وفقا لمفهوم الانسجام النصي، إذ بالإضافة إلى  تحول الغول/كورونا الى شخصية رئيسية في القصة، فقد خاض حوارات مع أسرته الكورونية ،استرق السماع من شقوق باب منزله، لحوارات كورونية داخلية، أكدت النهاية المحتومة لأسرة الراوي بأنه مهما طال إغلاق بابهم لكنهم سيفتحونه وسندخل البيت بالنهاية، إلا أن تلك الحوارية التي قفل بها العدوان قصته والتي انتهت بتسوية مع عائلة كورونا بعد حوار ومفاوضات معها “وتم التفاوض بيني وبينهم: أخرج إليكم، ولا تدخلون هنا، وأجلس معكم تكلموني، تؤنسوني، كما كنت طفلا، تحدثوني كما كانت جدتني “تسولف” لي عن “أمنا الغولة”، وكما كان جدي يردد دائما أحاديثه عن “الغول والعنقاء والخلّ الوفي”،أعجبتهم الفكرة، فلا شيء سيخسرونه، أجلس أنا شبحاً الآن، وهم عائلة الغيلان، ونجلس معا في ليلة سمر حول “سراج الغولة”، نستمتع بالقصص والحكايات التي نحبها، وفي المقابل يتركون عائلتي داخل البيت، يكملون سنوات عزلتهم، وكل المدينة معهم، أمام شاشات الفضائيات، والقنوات الإخبارية، وأجهزة الحاسوب، والهواتف النقالة.

ما بين عنوان القصة “سراج الغولة”واكتشافات المكان، والاتفاق المنجز مع الغول كورونا بقفلة القصة،” يتركون عائلتي داخل البيت، يكملون سنوات عزلتهم، وكل المدينة معهم، أمام شاشات الفضائيات، والقنوات الإخبارية، وأجهزة الحاسوب، والهواتف النقالة، تجليات لتحولات الإنسان وفتوحات اكتشافاته الجديدة، وعلاقاته مع نفسه والأخر ومع المكان والزمان، وإعادة النظر بكل الثنائيات الضدية، في مقاربة جديدة عنوانها النزول من على الشجرة العالية التي اعتقد انه يمكن أن يجاوزها بأعلى منها، لقد حول العدوان بهذه القصة قبح “الحظر” إلى جماليات إنسانية، في ثنائية جديدة،أكدت ضعفه ومحدودية قدرته على مواجهة الشبح،في الوقت الذي يمتلك آخر ما توصلت أليه الاكتشافات التكنولوجية، بما فيها تلك الهواتف الذكية التي ينشغل فيها أبناؤه.

سراج الغولة، تمثل نموذجا لسرديات قادمة بأجناس أدبية مختلفة منها القص والرواية، ستتناول الجائحة من زوايا متعددة، وتفكك مفارقات طرحتها في سلسلة من الثنائيات الضدية، وتلك المدونة الواسعة من أنساق ثقافية معلنة واخرى مضمرة، بإعادة تعريفها ما بين الحب والكره،الموت والحياة، الدين والعلم، الظلم والعدالة، ومقاربات اجتماعية وأخرى اقتصادية وسياسية، يؤمل ان يكون الإنسان مركزها بكل أنساقه المضمرة،وربما تطال تلك المفارقات بنيات السرد الكورني الجديد.

كاتب أردني

[email protected]

شاهد أيضاً

من ماريا كازارس إلى ألبير كامو: ”حلمت بأني أجثو،ثم ينبعث صوتكَ،من أعلى محراب إيماني”

                              …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *