الرئيسية / خبر رئيسي / المؤلف من الألف إلى الياء

المؤلف من الألف إلى الياء

*سعيد الشيخ

 

الكاتب الذي لا تقف خلفه مؤسسة ما، رسمية كانت أو خاصة، هو كاتب محاصر بلا شك، لا يدرك الانتشار أو الشهرة كما يدركها أقرانه المكرّسون من قبل المؤسسات. وهذا لا يعني أنه أقلّ إبداعاً منهم، بل هو ربما يفوقهم موهبة وصوته أكثر نصاعة، ولكن يجري تهميشه لرفضه أنْ يكون من ضمن صفوف القطيع، مصفقاً وهاتفاً كما تريد المؤسسة.

قليلة جداً هي الأنظمة أو تكاد ألا تكون في الوطن العربي التي تسمح لمشروع يتعلق بالآداب والفنون والمعرفة أنْ يمرّ من دون رقابة تبحث بين الأعمال والنصوص عن مخالفات تحددها تلك الأنظمة حسب سياساتها وايدولوجيتها، وربما يتمادى الرقيب المكلف في التدخل بمادة الأعمال المقدمة لتوجيهها إلى المديح والتلميع بالنظام. في واقع الأمر إنّ المؤسسات الرسمية قد لعبت دوراً هدّاماً في عمليات النشر عبر توجيهها إلى مكامن محددة في الدعاية للنظام أو للحزب مما تسبب الإطاحة بالعملية الإبداعية لحساب نتاج يتسم بالرداءة.

وإذا تجاوز الكاتب عقدة المؤسسة الرسمية ورقيبها فأنه لن يفلت من شبكة الناشرين الذين يهيمنون على سوق صناعة الكتاب وتوزيعه. إذ تظل العلاقة بين الكاتب والناشر مرتبكة وملتبسة بكثير من الإشكاليات، لا تحددها العقود والالتزامات بالرغم من وجودها، وهي قلّما لا يطولها تجاوز الناشر على حقوق الكاتب.

حقيقة الأمر أنّ الكتّاب يعانون الأمرّيْن لكي يرون كتبهم مطبوعة وتحتل مكاناً في رفوف المكتبات أو في المعارض، وفي نهاية الأمر تحصد دور النشر إيرادات مبيعاتها بالرغم من أنّ المؤلف استوفى جميع متطلبات وشروط الطباعة والنشر من ماله الخاص.

***

.. ومع وجود التكنولوجيا الرقمية الذي نشهدها اليوم، ومن خلالها انتشار وسائل الاتصال الاجتماعي استطاع الكاتب في الغرب أنْ يكسر هذه النمطية في عالم النشر (مع أنه أساساً لا يعاني مثل الكاتب العربي)، وأستطاع أنْ يتجاوز دور المؤسسة وهيمنتها على صناعة الكتاب، ليؤسس لنفسه مؤسسة تنقل صوته وتضعه على تماس مباشر مع العامة من القرّاء.

الظاهرة التي استوقفتني في السويد على سبيل المثال، أنّ كتّاباً مشهورين وبكلّ تواضع يجلسون خلف الطاولات يعرضون عليها آخر إصداراتهم، وذلك عند مداخل المخازن الاستهلاكية الكبيرة ويوقّعونها لمن يريد اقتناء الكتاب. وطبعا بإمكان الناس محاورة الكاتب حول إبداعه. ويظل الكاتب ينتقل بمعرضه الشخصي (إذا جاز لنا التعبير) من محل إلى آخر في المدينة الواحدة إلى أنْ ينتقل إلى مدينة أخرى. واللافت أنّ الكتب لا تحمل اسم دار للنشر، وقد استعاض المؤلف بدل ذلك بوضع علامة تجارية خاصة به، مع الإشارة بأنّ حقوق الطبع والنشر محفوظة للكاتب.

لقد استفاد الكاتب في الغرب من أنظمة الطباعة الحديثة التي باتت توفرها الأنظمة الرقمية، في أن يطبع فقط احتياجاته الشخصية والتسويقية من الكتب. حيث هو من يكتب وهو من يخطّط ويصمّم وأخيراً هو من يسوّق. وللإصدارات صفحة على الإنترنت بإمكان المتابعون من خلالها حجز نسخهم الاليكترونية والورقية ليصار بعد ذلك إرسالها لعناوينهم.  وكل شيء يجري تحت إدارة الكاتب، بعيداً عن سلطة دور النشر التقليدية التي غالباً ما تتحكم بحقيقة أرقام المبيعات وعدد النسخ المطبوعة.

***

نحن هنا نقصد نظام “الطباعة عند الطلب” الذي يمكن اعتباره تجربة حديثة في عالم النشر، وهي مثيرة للاهتمام ومغامرة فردية لأي كاتب كان مبتدئاً أو مشهوراً، حيث توفر له استقلالية تامة وتجنّبه أنْ يكون عرضة لاستغلال السلطات المُمْسكة بعمليات النشر والتوزيع. الأمر الذي يلغي دور الرقيب الرسمي ليكون الكاتب هو الرقيب الوحيد من الألف إلى الياء على مشروعه الإبداعي. وبرأيي أنّ اسلوب النشر هذا يساعد على وضع حرية الرأي والتعبير في مساحات أوسع والمضي بها نحو فضاء يخلو من المداهنة والفساد.

أيضاً ومع هذا النظام ما عادت الكتب تتكدّس في مخازن دور النشر التقليدية أو عند الكاتب في مواسم كساد الكتاب. لأنّ ما يتم طبعه بالفعل وحسب النظام كمية محدودة حجزها القرّاء من منصّة الكاتب الخاصة، أو من منصّات تسويقية أخرى تواصل معها الكاتب كوكلاء للتوزيع.

الكاتب بات يمتلك الناصية، وبعد أن كانت دور النشر ترهقه في تحمّل نفقات طباعة كتبه من دون مردود يذكر، وبعد أنْ كانت تتجاهله السلطات الثقافية إنْ كان يغرد خارج السرب ومحافظاً على استقلاليته وحريته، فأنه مع هذا النظام قد عزز شعوره بهذه الحرية، بالإضافة إلى شعور تنامي ثقته بنفسه واعتزازه بكلمته وعمله في إطار مؤسسته الخاصة.

***

لا أريد أنْ تُفهم هذه المقالة على أنها ترويج تجاري لهذا النظام الطباعي، بل ما أرغبه فهم مقاصدي في استيعاب مراميها من ناحية التطور التقني الذي يصب في مشروع الحداثة الثقافي الذي بدأنا به، ليشمل كل مناحي عالم المعرفة بما يخدم مشروع حرية الكاتب في أنْ يفكّ قيود التهميش التي كبّلته بها سلطات الاستبداد ومؤسسات الفساد، ولتعزيز ديمقراطية طال حلم الوطن العربي بها.

شاهد أيضاً

حكاية رام الله والذاكرة

بقلم وعدسة: زياد جيوسي “الحلقة الثانية”     أقف في زاوية الشارع أستعيد في ذاكرتي دوار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *