الرئيسية / خبر رئيسي / قانون حفظ الأغنيات: قراءة في إنتروبية شعرية لموفق الحجّار

قانون حفظ الأغنيات: قراءة في إنتروبية شعرية لموفق الحجّار

( ثقافات )

* حسان الجودي

  يثير عنوان وغلاف مجموعة الشَّاعر السوري موفق الحجّار: إنتروبية شعرية، الرغبة في استجلاء المحتوى الشعري. وذلك لسبب بسيط، فالإنتروبيا كمفهوم فيزيائي بسيط تعبر عن الفوضى أو المرونة أو عدم النظام. فهل الشعر هو إنتروبيا فعلاً؟

بغضِّ النظر عن الدلالة المجازية لعملية الخلق الشعري (فوضى إلى نظام- أم نظام إلى فوضى) وغضِّ النظر عن محاولة (ترتيب- هدم) الذات والعالم التي يحاولها الشَّاعر، فإن البحث عن تصنيف فيزيائي حقيقي للشعر، هو بلا شك إضناء وربما جهد لا طائل منه. لكن وجود الكثير من الأمثلة الواقعية المعبرة عن الإنتروبيا التي هي صعبة المنال والفهم على غير المختصين، قد تجعل المحاولة ممكنة بل جميلة أيضاً.

إن خليطاً من حروف عشوائية، أو الـ DNA البشري ذاته (إمكانيات هائلة للمعلومات)، أو الآلات الموسيقية، تمثل نطاقاً عالي الإنتروبية .

بينما لغات البرمجة بما تتميز به من نظام شديد وصارم هي مثال على الأقل إنتروبية.

وفي الوسط تقبع اللغة كما يؤكد الباحثون.

ينتمي الشعر إذاً إلى تلك المنطقة الوسطى من الإنتروبية أو العشوائية. لكن السؤال المهم: هل يرغب الشَّاعر بجعل العالم أكثر إنتروبية: مرونة- فوضى- إبداعاً-احتمالات- تحوّلات. أم أقل إنتروبية: نظاماً -تكراراً-تقليداً؟

أم لا يفكر سوى بذاته وهي تتألم وتحب وتحزن وتستمتع؟

أم أنه لا يحمل كل تلك الأحلام العريضة، مكتفياً بمتعة الكتابة فحسب؟

يجيب الشَّاعر موفق الحجّار على بعض تلك الأسئلة بقصيدة عنوانها (قانون حفظ الاغنيات) وهي حجر الأساس في بنية مجموعته الشعرية.  لكن الشَّاعر المبدع لم يقتل سنمار بعد إفشائه سر حجر أساس بنيانه الشامخ، بل كافأه أجمل مكافأة، وشارك سرَّ سنمار عبر 109 صفحات من القطع المتوسط صادرة في ماليزيا عن دار

Gerakbudaya Enterprise-Selangor, Malaysia,2020

تتابع المعيارية النقدية هذا الحماس الذي بدأنا به بتوصيف المجموعة الشعرية، فتكشف أن المجموعة هي ثنائية اللغة. وكل قصيدة باللغة العربية تمَّت ترجمتها إلى اللغة الإنكليزية بشكل أنيق وعميق محافظ على روح النص. بواسطة المترجم زياد التغلبي. استخدم الشَّاعر الحجّار ثلاثة أشكال شعرية لحمل الإنتروبية الشعرية، التي بلغ عدد قصائدها ثمانية عشرة قصيدة، كُتبت أغلب القصائد باستخدام تفعيلة الكامل. تحتوي المجموعة على قصيدتين من النمط الكلاسيكي، كما تحتوي على نص نثري، وبعض المقطوعات النثرية الصّغيرة التي تأتي معزولة عن سياق القصائد. لا تحتوي المجموعة على قصيدة نثر وفق النمط المتعارف عليه، وربما تكون هذه الإشارة مدخلاً لفهم التقنية الشعرية التي استخدمها الشَّاعر. فهو قد استطاع الاستفادة ببراعة من السرد والتفاصيل الحياتية الصّغيرة والإشارات العابرة لتأثيث نص شعري إيقاعي. ويبدو تمكنه من ذلك واضحاً. ولم يكن الإيقاع العروضي عقبة أمام إيصال المعنى، رغم أن الشَّاعر قد تورط أحياناً كثيرة في ملاحقة القافية. مما جعل قصيدته العمودية (أطلنتس) بقافية السين التي توسوس فيها نموذجاً شعرياً غنائياً تقليدياً، له ما له، من شؤون وشجون في أعماق الشَّاعر الحجّار (العربي).

لكنَّ مفهوم الإنتروبية الشعرية يبعدنا عن هذه المعياريّة النقدية، ويحيلنا إلى آليَّة نقدية قرائية، نحاول فيها أن نستدلَّ على المعنى بواسطة استقراء الرموز والدلالات والتي سهَّل الشَّاعر الحجّار علينا ملاحقتها، فأوهمنا قدرة الصّيد، وفي الحقيقة هو من أشار إلى تلك الطّريدة النادرة في قصيدته (قانون حفظ الأغنيات).

ينصُّ قانون حفظ الطّاقة الفيزيائيِّ على أنَّ الطّاقة في أيِّ نظام معزول، لا تفنى ولا تسُتْحدث من العدم ولكن يمكن تحويلها من صورة لأخرى. مثل طاقة الحركة التي يمكن أن تتحول إلى طاقة حرارية، ولكن ليس ممكناً في نظام مغلق معزول أن تخلق طاقة من نفسها أو تفنى.

وهكذا صاغ الشَّاعر قانونه الشّعري الفيزيائيِّ الجديد:

/غير أني لم أزل أحتاج بعض الوقت حتى

أنتهي من لفظ كل هذا الموتِ

من جوفي ومن لصق الصّورْ

أحتاج أيضاً أن أوازن بين أطراف القصيدة ِ

فالمعادلة التي لا تنحني للعلم لست أريدها؛

قانون حفظ الطّاقة المعروفُ

أو

قانون حفظ الأغنيات؛

المُدْخلات:

1-بكاء قلبي

2-لحظة الصّمت الطّويلة

3-والشرود

والمُخْرَجات:

1-تأثّر الأشجارِ

2-صوتُ الماء في الأحداقِ

3-دهشةُ بائع اللحظاتِ

أو بطريقة أخرى:

عنبٌ بعقل الشَّاعر المضنى

وخمرٌ في قلوب السامعين! /

ينحو الشَّاعر الحجّار منحى الفيزياء، ويشرح لنا في نص شعري فريد في الشعر العربي، كما أزعم، علاقة حفظ الطّاقة (الأغنيات).

لدى الشَّاعر مجموعة من المُدْخلات الشعرية، والتي بعد تعرّضها للطّاقة الشِّعرية تتحوّل إلى مُخْرَجات. فبكاء القلب الداخلي الدَّالُّ على شعور الاغتراب والوحدة، يتحوّل إلى صورة وصفية تدلُّ على تأثر الأشجار بذلك الهسيس الممض الذي يلوب في الأعماق. أما مقام الصّمت، وهو أيضاً مجاز، فيتحوَّل إلى صورة وصفية أو سمعية هي الدموع في العينين.

أما المُدْخل الثّالث وهو الشرود، المعادل الموضوعي للتأمل واكتناه بواطن الذات، فيتحوّل إلى صورة وصفية هي الدهشة التي تظهر على الزمن (بائع اللحظات).

يلخص الشَّاعر أخيراً هذا التحوَّل من المجاز غير المحسوس (العنب في عقل الشَّاعر) إلى كيان ماديٍّ (الخمر في قلوب السامعين)، وما تبعثه في صورة الجسد من نشوة النقيضين، الحزن أو الفرح.

لكنَّ السؤال المهم هو، من أين جاءت تلك الطّاقة التي ساهمت بالتحوَّل السابق؟

وما هي الفواقد التي عادة ما ترافق مثل هذه التحوّلات؟

إنَّ الطّاقة السامية التي أنجزت التحوّلات السَّابقة الجميلة هي طاقة الشِّعر. ولو استطعنا ترويضها واستئناسها كالطّاقة الكهربائية لأمكن إضاءة الكون بها.

يختزن الشَّاعر تلك الطّاقة في خلاياه، كما تختزن الخلايا السوداء طاقة الشَّمس. لكن شمس الشَّاعر التبريزية هي روحه المسفوعة بالثقافة والموهبة، هي التجربة بلواقطها الإنسانية ذات الحساسية العالية للحرية والعدالة والإخوة الإنسانية والشعرية. هي أيضاً العلوم التي يحصّلها الشَّاعر، فتضيف إلى تجربته الأدبية منهج البحث العلمي الذي يقوم على الشك والاستقراء والتجريب، فيضيف كلُّ ذلك إلى الحدس، أحد وسائل المعرفة الشعرية، لينتج لنا نصوص حفظ الأغنيات.  

إن مثيلات هذه النصوص، الناتجة عن تلقيح الشِّعر بالعلم، بدأت تروج في المشهد الشعري العالمي. وصرنا نقرأ أجمل القصائد لشعراء علماء فيزياء فلك مثل ربيكا أليسون Rebecca Elson. وباتت المحاضرات الثَّقافية الأدبية العلمية نموذجاً شائعاً يلقى الرواج لارتياده آفاقاً غير مطروقة من علاقة الإنسان بكونه.

 لقد سبقت اميلي ديكنسون الجميع بهذا الجمع، فبالإضافة إلى دراستها الأدب الإنكليزي والكلاسيكي، واللاتيني، وعلم النبات كانت مهووسة بالرياضيات. وتعد القصيدة رقم 2000 (هي بدون عنوان) من مجموعة أعمالها نموذجاً باهراً عن التلاقح بين الشِّعر والعلم.

ومن سابقيها، ابن سينا الفيلسوف العالم الشَّاعر، والبيروني العظيم العالم الفلكي الذي كتب شرحاً لديوان أبي تمام. كما تتسع القائمة لعمر الخيام أيضاً.

ألن تنفد طاقة الشعر إذاً؟ وتموت كل التحوّلات وتفسد وتتحلَّل قبل ظهور مُخْرَجاتها؟

وكيف يستطيع الشَّاعر تحمَّل هذه النار الخالدة الشعرية التي تصهر الجبال وتذيبها، وتحولها إلى ياسمين بين أثداء الحبيبة؟

إنه ببساطة لا يستطيع!

لا يستطيع ذلك، ولذلك تكون الفواقد في كل عملية تحوّل شعري عظيمة القدر.

قد يحترق جزء من قلب الشَّاعر، يتحوّل إلى رماد بعد كتابة كل قصيدة. وهكذا يصبح جسد الشَّاعر عبئاً على روحه، فتختار الانطلاق من الطّين إلى فضاء التحوّلات من جديد.

من الفواقد الأخرى للتحوّلات الشِّعرية؛ الحرارة، ونقصد الوهج، ونقصد تلك الرعشة اللذيذة ساريةً في العروق، ونقصد لا نشوة الخمر، ولا أورجازم الحياة، بل ( أوريكا)  المجهول والمعلوم، العابد والمعبود، النار والماء، الموت والبعث. ونقصد ذلك البالون الخيميائي الذي يتسلَّل إلى الشرايين، فيعيد إصلاح عطبها، ويفتحها من جديد لسيالات من أوكسجين الشِّعر، والأوكسجين هو الداء، كما هو الدواء، فهو أيضاً قد يؤكسد ما يلامسه ويعيده إلى أنتروبية الموت، وهذا ما يعنيه فناء الجسد في تحوّلاته الشِّعرية.

تبدو قصائد التحوّلات في مجموعة (إنتروبية شعرية) مثل جزر كبيرة تلفها الغيوم التي كتبت عنها الشاعرة فيسوافا شيمبورسكا (نوبل 1996):

/لوصف الغيوم،

عليَّ أن أسرع كثيراً،

فبعد هنيهة لن تكون ما هي

عليه، ستصير أخرى/

وهذه الحالة هي تعبير متقن عن الأنتروبية الشعرية، حيث لا نظام، بل فوضى يمكن للشعراء بحسن نيّة أو مكرٍ، دعوتها بفوضى الخلق! بينما تبدو القصائد الأخرى جزراً صغيرة متناثرة حول تلك الجزر الكبيرة، يعلو فوقها الدخان الهنيء لمضارب الشعر العربي المعهود . ويبدو الشَّاعر الحجّار موفقاً في القفز ببراعة من جزيرة كبيرة إلى أخرى، دون أن يخشى الغرق. فهو يستعين بالجزر الصّغيرة لإتمام القفز.

ولعل قفزته الأشد مهارة هي صوب جزيرة (سندباد والحالات الفيزيا-شعرية) فهي قصيدة منتمية لقانون حفظ الأغنيات. مُدْخلات القصيدة هي إلباس بعض الدلالات اللغوية لبوس الصّفات الفيزيائية، فالمعنى يصبح سائلاً، الألم يتبخر، الإنسان يتحوّل إلى غيم. ومن مُدْخلاتها أيضاً، الشَّاعر الذي يشعر بالوحدة. أما مُخْرَجات القصيدة فهي هذا التحوّل الدراميّ للشاعر ودوره المقدس الذي تنوء به الذاكرة الجمعية وتشبيهه بالنبيِّ أو الرَّسول. يرفض الشَّاعر هذه الصّفة، ويكتفي بدور سندباد الذي يواصل الأسفار والبحث عن المعنى. والمفاجأة أن ذلك يتمُّ وفق ما كتبه الشَّاعر في أقاليم اللغة ذاتها:

/أبشّر كلَّ من ألقى مجازاً

وإني سندبادٌ لا الرسولُ

رحولٌ في استعارات المعاني

ونعمَ الشعر ما يتلو الرحيلُ/

تبدو الطّاقة التي بذلها الشَّاعر لينجز هذا التحوَّل جليلة. فهو يتخلى عن مفهوم عربي ثقافي موروث، يكاد يقدس شاعر القبيلة أو الوطن أو القومية أو الدين، ويتبع دون تردّد المفهوم الثقافي العالمي حول الشَّاعر الذي يقضي بضرورة البحث الدائم عن المعنى ومحاولة فهم علاقة الذات بالكون بعيداً عن أيِّ سلطة مركزية تفرض شروطها، فتحوّل الجميع إلى قطيع. وهذا ما كتب عنه الشَّاعر الحجّار في قصيدة (سيزيف المعاصر)، وهي قصيدة تحوّلات فلسفية بامتياز. مُدْخلات القصيدة هي صورة سيزيف القديمة، التي تظهر عند إشارات المرور، في الساحات والقطار، وفي مناجم الحديد:

/سيزيف في إشارة المرورْ

ويأمر الجميع بالوقوف، والعبورْ

نسير إذ يسيرْ

وهكذا نصيرْ

لنكمل الخلودْ/

وهكذا تحولت كينونة الإنسان المعاصر إلى وهم، مجرد قطيع له صفات سيزيفية مشتركة. تفاجئنا مُخْرَجات القصيدة، بقدرة الشَّاعر على رصد تحولات البيئة المعاصرة، وما يصيبها من تلوث:

/جبالنا تذوبْ

 أمطارنا حمضيةٌ، غاباتنا قفارْ/

فيكون العبث هو ما يشكل صورة الحضارة المعاصرة:

 /وتاجر السلاح والقنابل

 يحارب الإرهابْ/

لقد بذل الشَّاعر كثيراً من الطّاقة الفكرية لإنجاز تحوّلات نصه. وهذا النمط من الشِّعر العربي ليس شائعاً.  فالبنية الذهنية للشاعر العربي هي عاطفية خالصّة. وموقفه تجاه الذات والعالم هو موقف عاطفي. وهذا ما يجعل تجارب الشعراء الذين يقدّمون النصَّ الشعري محمولاً على أجنحة الفكر والفلسفة مختلفة وجميلة.

لذلك نجد من الضروريِّ الإشادة بقصيدة (سيزيف المعاصر)، لأنها احتفت بالعلم والشِّعر والفلسفة معاً. وهذه خلطة تكاد تكون مَخْرجاً لكسر النمطيّة الشعرية السائدة في المشهد الثقافي العربي المعاصر.

في قصائد أخرى مثل (الذكريات) يطغى السؤال الفلسفي: من أنا؟  ويشكل مخرجاً لمُدْخَلات: الذكريات بوصفها ماضياً حيَّاً-الخيالات القديمة-الأصوات القديمة. 

/لذا أمضي

بهذا الليل أسألُ

 ما الحقيقة؟ من أنا؟

 الذكريات، الذكريات

على مرور الأزمنةْ/

يطرح الشَّاعر سؤال الأنا بصيغة مختلفة في قصيدة (الثالث عشر من آب). فهو يقدم الإجابة عن سؤال الأنا بمُدْخلات لغته القديمة:

/لغتي تفسّر:

لون شعري

نوع صوت قصيدتي/.

وبمُدْخلات لغته الجديدة في بلاد الهجرة والتي لا يفهمها أحد.

ويتساءل عن هذا الضياع بين هويَّتين الذي سببته الحرب فيما سببته من كوارث إنسانية أخرى.

تحضر الحرب في أكثر من مشهد في المجموعة الشعرية. وتشكّل بعض الجزر الشعرية الصّغيرة التي لا تنتمي لقانون حفظ الأغنيات بمدلوله الغنيِّ. ولكنها تنتمي بامتياز إلى النمط الشِّعري التقليدي الذي يشعُّ بالحنين، فيؤسّس لعلاقة شجيّة بين عناصر القصيدة. ولعلَّ قصيدة (زهور الياسمين الوحيدة) هي من أجمل الجزر الصّغيرة في المجموعة، ففيها تحضر الأم والمدينة وزهور الياسمين وشرفة المنزل القديم، والحرب، والموت، والحب. إنها جزيرة شعرية جميلة على شكل قلب. وليس واضحاً هل هو قلب الشَّاعر أم قلب أمه؟ أم اختلطا معاً في حداء الرجل المهاجر، فأمامه الصّحراء. أو في غناء الولد البعيد، فخلفه الجنّات.

إن كل قصيدة مكتملة لشاعر، هي وهمٌ عميق بالوصول. ولا ينتبه إلى مفارقة (زينون) إلا بعض المشاركين في سرقة النار المقدسة من الأولمب. أولئك الذين يؤلفون النقص كمالاً، ويمحون الكمال بالنقص.

بين الشَّاعر والمعنى مسافة. قد يركض الشَّاعر فيها كالحصان للحاق بمعناه، وقد يتمهل كالسلحفاة، وقد يركب الكونكورد.

لكن المفارقة الفلسفية هي أنه حين يقطع نصف المسافة، يتبقى لديه النصف الآخر. ثم حين يقطع نصف هذا النصف أي الربع، يتبقى لديه ربعاً أخيراً للوصول إلى المعنى. ثم يقطع نصف الربع أي الثمن، فيتبقى لديه مسافة أخرى، وكلما قطع نصفها، يتبقى لديه مسافة ليقطعها.

لا يصل الشَّاعر إلى المعنى مطلقاً وفق هذه المتوالية. وفي هذا جوهر الحقيقة الإنسانية وفضولها ونزوعها إلى الشك.

إن مفارقة زينون منطقية في الظاهر فقط، فحلُّها الرياضي موجود بالطّبع. لكنها رغم خداعها محفزة وملهمة. لذلك، يبدو الشَّاعر دون فلسفة، فرخاً لا يستطيع التحليق. ويبدو كحصان سباق قويٍّ يحصل على الجائزة الكبرى أي الذهب الزائل.

أما جائزة الظلال، المعنى الخالد الهارب. فهي مخصصة للأنتروبيين الذين يحاولون الهدم ثم البناء ثم الهدم ثم البناء في مفارقة تشبه مفارقة (زينون).

شاهد أيضاً

هشام جعيط: الفكر يلزمه فترات من الدعة والعالم اليوم في تغير واضطراب ( حوار استعادي)

حياة السايب – تونس يعد الدكتور هشام جعيط من بين المفكرين والمؤرخين المعاصرين الأوائل في تونس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *