الرئيسية / خبر رئيسي / قبل نهاية العالم

قبل نهاية العالم

  • محمود الريماوي

بدأ العام الجديد بداية سيئة. فقد اكتشف الأطباء مع الأيام الأولى للعام ورمًا لديه في منطقة الأمعاء.. في القولون، فشعر سين أن القدر يسعى لتصفية حساب معه، فبعد أن تحمّل طويلًا متاعب ذلك الجزء الباطني من جسمه، فقد كوفئ بالمرض العضال. وقد أمكنه مع ذلك وبناء على نصيحة جرّاح متمرس أن يقصد على عجل، مركز استشفاء في فرانكفورت في مستشفى جامعة غوته، وهناك طمأنوه وبعد خمسة أسابيع من إجراءات طبية مكثفة، أنه محظوظ، وأنهم استأصلوا الورم الذي اكتُشف في بواكيره… وقد استعاد عبارة منسوبة لشاعرهم بأنه «لَأمرٌ عسير إنه لا يمكن الوثوق تمامًا بالأطباء، ومع ذلك لا يمكن الاستغناء عنهم».

محمود الريماوي

وقد أوصاه هؤلاء ممن لا يُستغنى عنهم، بالتقليل من تناول اللحوم الحمراء فأدرك أنها فرصة العمر كي يتحول إلى شخص نباتي وهو ما كان يطمح إليه. وشددّوا على التقليل من تناول الكحول، وهو ما سبق له أن هجره، وأن يكفّ عن التدخين، فوعدهم بذلك وهو ينتوي التقليل منه وأن يلجأ إليه في السِّر فقط. لكنهم عقب هذا استأصلوا من جيبه (من حسابه) ثروة العمر التي ادخرها من درجة متقدمة في الوظيفة العمومية ومن بيع قطعة أرض كان قد ورثها، ومن غير أن يرى شيئًا من بلاد الراين التي لم يزرها من قبل، ولا يهُم إن كان قد دفع كل ما يملك تقريبًا راضيًا أم على مضض شديد، فالمهم أنه دفع بغير تردد أو مساومة وهو يلهج «أحرُث وأدرُس لعمّك بطرس» عازمًا على الاكتفاء بقية العمر براتبه التقاعدي المتوسط.

وقد عاد إلى دياره أواسط شباط، وواصل فحوصاته هناك برسوم رمزية، واستأنف خلال ذلك تبادل مشاعر المودة مع ممرضته الأجنبية المفضلة نوران من وراء كمّامة، ما حرمه من رؤية أسنانها اللامعة الناصعة ووجنتيها المتوردتين، وكان قد تحمّل نبأ إصابته بالمرض الخبيث، ما دامت المكافأة هي التواصل مع نوران. وهذه ممرضة متمرسة ونشطة مضى عليها في الخدمة أزيد من عشرين عامًا، ليست جميعها في هذا البلد أو هذا المستشفى، وتؤنسها خدمة كبار السن، فهؤلاء أقل تطلّبًا وأكثر لطفًا من غيرهم، وإن كان الأمر لا يخلو من مشكلات عابرة معهم مثل كثرة الطلبات والاستفسارات، والانحرافات الفجائية في أمزجتهم، وأرَقهم في الليل المصحوب بالتنهدات والتمتمات المسموعة، وهذا المريض ليس استثناءً من بينهم. ويأتي هنا ذكرُه بحرف السين فقط تماشيًا مع/ واحترامًا لنزوعه إلى الانزواء..

(2)

في تلك الأيام، وقبيل مغادرته إلى دياره شاعت أخبار تفشي وباء كورونا، فهتف سين قائلًا: إن المرض قد ألمّ بي، فمرض الكوكب كله. ورغم الإنهاك الجسدي والنفسي ومع بارقة الأمل الكبيرة بتجاوزه الخطر، فقد وجد وهو الوحيد المنفرد.. وجد وقتًا عقب عودته، لانتظار رحيل فصل الشتاء كما دأب على ذلك كل عام، كي يفتح شبّاك غرفته على الأوراق الكبيرة الخضراء لشجرة التين، وينعتق من طبقات ملابسه الثقيلة، وكي يتخلص من حاجته لمدفأة الغاز وخشيته الدائمة من نسيانها مشتعلة في أثناء النوم، وكي يُقاسم الطيور الغريدة في الإصباحات بهجة وداع الصقيع، وكي يُعاين القطط الشريدة متعددة الألوان والحجوم في الفناء وقد استعادت متعة القيلولة الآمنة تحت أشعة الشمس، وينعم بدفء شهور الربيع في ساعات الظهيرة، كما في نزهته اليومية راجلًا قبيل الغروب وكي يرى ظلال ابتسامة على وجهه المكدود في المرآة.

لقد واظب سين على هذا الانتظار السنوي المثمر إذ كان الربيع يهِلّ على الدوام، لولا أن تشوشًا قد طرأ هذا العام على روزنامة الوقائع، إذ إن فصل الشتاء تمدّد إلى شهر نيسان وتسلّل إلى أيار، ولولا وضعه الصحي المقلق بعد إصابته بالمرض اللعين الذي يُدرك كبار السن، ولولا انتشار الوباء الجديد في تلك الأثناء في بلاد التنين ومنها إلى البلاد المتقدمة وبينها بلد غوته والمرسيدس، مما ألقى على عاتقه مهمة انتظار إضافي لانقشاع الشتاء، ورحيل الوباء الذي جاء بأكثر مما تخيّل، وأبكر مما توقع، وحتى بأسوأ مما ظن وحسِب. لم يكن لديه الكثير، بل القليل القليل ليخسره، مثلًا: متعة المشي بين الضوء والظلال، الركون إلى مقهى شرقي والاستئناس بضجيج الرواد الذين يتصرفون كأنهم في بيوتهم، وملاقاة نفر قليل مما تبقّى من أصدقاء، والحلم الذي قلما تحقق بالطيران إلى بلاد بعيدة لا يعرف فيها أحدًا، ولا يعرفه أحدٌ فيها. ولأن الخسارة هي بهذا الحجم والمقدار، فقد هاله أن يُمنى بها، وبمثل ما يفقد فقير زاهد ثروته من دراهم معدودة تتبخر فجأة بين يديه، وسط قهقهات مكتومة لساخرين غير مرئيين.

(3)

يتحسن وضعه الصحي باطّراد، وهو ما يرفع معنوياته أمام الممرضة التي ظل قلبه يخفق لها.. وهي أبدت سعادتها لانتصاره على المرض، بل بدت متفاجئة و«مرتبكة» من نجاته. فيما يزداد الوباء انتشارًا مثل بقعة زيت في البحار. وحين أطلقوا اسم كورونا عليه، فقد شعر سين أنه سمع (لا يعرف أين ولا متى) بمثل هذا الاسم، ذي الإيقاع اللطيف من قبل. ولما جرى الإعلان عن وجوب ملازمة البيوت، فقد ضحك سين في سرّه قائلًا: يطلبون مني أن أفعل ما أواظب (طوعًا وعن طيب خاطر) على فعله منذ زمن بعيد. إنه الوباء.. إنه الوباء. تُردّد الميديا بلا كلل وبلا توقف على مدار الساعة، وسين يهتف: إنه الوباء طبعًا وليس أقل من ذلك، وهو ما حمله على ملازمة البيت بصحبة الإنترنت منذ ست سنوات عجاف للنجاة مما يسمّيه «وباء التفاهة أو اللامعنى»، لكن دونما حاجة لدى الخروج إلى ارتداء كمّامة على الوجه، أو قفازين في الكفّين، كما هو الحال في أيام الناس هذه.

(4)

بينما كسا الإرهاق الناجم عن العلاج وجهه بملامح الوداعة، وأخفض من نبرة صوته، وأغرق عينيه بشجن شفيف، إلا أن سين لم يستعد حياته تمامًا. ولا استعاد رباطة جأشه. إذ أدرك أنه خرج ظافرًا من منطقة الخطر الخاص، ودخل ذاهلًا دائرة الخطر العام. ولسببٍ ما، لم يخشَ سين عقابيل الوباء عليه، رغم «التطمينات» المتواترة بأن الوباء يستهدف كبار السن أولًا! وإذ عرف أن المرض مصدره الطبيعة في واحدة من سَوْرات غضبها وتحولاتها، فقد بدا مستسلمًا لمكر الطبيعة، وحتى مفتونًا به. وهو ما لم يقله لأحد بصريح العبارة حتى لا يظن أحدٌ به الظنون.

 لكن إجراءات الوقاية كدّرته وأقضّت مضجعه. فهو رجل بيتي ينجح في مجالسة نفسه (كأنما يجالس شخصًا ثانيًا) لساعات طوال، ليلًا ونهارًا لا فرق، على أن إرغامه على ملازمة البيت أفسد مزاجه؛ إذ شعر بأنه يخضع لإقامة جبرية لغير ما ذنب اقترفه. أما الكمّامة فلا بأس من تقليد اليابانيين في ارتدائها، فلطالما صادفهم في المطارات يرتدونها بثقة وتأنّق، وكأن من طبيعة الأمور أن يرتديها المرء على الدوام، فثمة في حساباتهم أوبئة خفية تتربّص بالكائنات، ومن حقهم أن يقولوا الآن: ها هو الوباء.. ألم نقل لكم؟ لكنهم بتواضعهم الجَمّ يعتصمون بالصمت ولا يُعايرون أحدًا.

وها هي كورونا تقتحم الكوكب بغزوتها العرمرمية الطنانة الرنانة، بما في ذلك بلاد الشمس التي يتناول أهلوها طعامهم بالعصي الرفيعة، وهو مما يفسر لدى سين نحول أجسامهم.. ولكم يحِنّ إلى الزمن الذي كان فيه نحيلًا ومهددًا بالتلاشي من فرط نحولته، أما نوران فلا يدري إن كانت نحيلة أو بدينة؛ إذ يتعلّق بوجهها المُشرب بالنضارة، وبينما تتزايد الدعوات إلى التباعد الاجتماعي، فإن مؤنسته لا تفعل بحُكم عملها شيئًا غير الاقتراب من الآخرين. أما هو فقد فاجأته دعوة التباعد وأضحكته.. فالناس هنا وهناك على تباعد كبير وأولهم الجيران الأقربون (لولا أنه يمتلك الشقة التي يقطنها، لأخرجوه منها بداعي أنه أعزب دهري)، وكل ما في الأمر أن الناس يتدافعون فرادى، وجنبًا إلى جنب وبالمناكب، فيتوهّم الناظر أنهم على اتصال وتواصل، وعلى مخالطة بعضهم بعضًا، فيما هم في جُملتهم أشدُّ خلقِ اللهِ تباعدًا.

على أنه يرغب في التواصل مع نوران التي تصغره بعشرين عامًا، وهو ما بات مُتعسّرًا؛ إذ لا يزيد حديثه معها على التطرق لعموميات عملها، مع مجاملات لطيفة ومراسلات خاطفة بين العيون، وقد عزم في ساعة صفاء أن يلتقط وسيلة للتواصل الدائم معها، ورأى بـ«إلهام» مفاجئ أن أفضل وسيلة لضمان التواصل أن يمكثا معًا تحت سقف واحد، ويناما على وسادة واحدة. أن يتزوجها، وهو صاحب تجربة سابقة فاشلة نسيها تقريبًا لتقادمها… وقد كتب لها على الفيسبوك بغير مقدمات: هل ترغبين بالارتباط بي كما أرغب أنا؟ وقد أجابته متفاجئة من صراحته غير المعهودة، بأنها ترغب، لكن الظروف غير مناسبة. وبسؤالها: متى تتوقعين أن تواتينا الظروف؟ فقد ردّت عليه: الله أعلم.. فلن يطول بقائي أكثر من هذا في البلاد. وهنا لام نفسه لومًا شديدًا على تسرّعه، وعلى سلوكه مسلك مراهق مندفع، واكتأب مزاجه، ولم يلبث أن انقشع وقد عزّى نفسه بأنه كان يطمع أن تقيم هي معه.. لا لشيء، إلا كي تتابع وضعه الصحي من البيت، فينجو من عناء المراجعة والمتابعة والانتظار، والبحث المضني عن موقف للسيارة، وكذلك (وهذا لا يقل أهمية) لمساعدته في حلق شعر رأسه نصف الأشيب، وها هي صالونات الحلاقة قد فتحت أبوابها مجددًا، فلا مشكلة.

(5)

استشعر سين الفجوة بينهما، ولعله رأى الفجوة رأي العين. ولحسن طالعه فإن مراجعاته الطبية قد تقلصت وتباعدت أوقاتها، مما أنجاه من حَرَج الالتقاء بها.. فأخذ يضحك مُجددًا وهو يستقبل على بريده منها بين آونة وأخرى ورودًا كبيرة متفتحة الواحدة منها بحجم قبضة اليد، وليس بينها وردة حمراء، وسين يهتف من دون أن يسمعه أحد فيما هو يمخر الشارع قليل الحركة، أو لابثًا في الأمسيات بين جدران بيته: لقد شُفيت بعد أن أخذت حصتي من اللعنة، فلينتظر الكوكب ومعه نوران، كرم الطبيعة، كي يشفى من الوباء، ومن التفاهة.. أما أنا فسأظل خفيفًا إلى الأبد. لا أثقل على أحد، ولا يثقل أحدٌ عليّ، حتى لو كان العالم يقترب من نهايته ولعله كذلك، فمن الطبيعي أن يغادر الواحد منفردًا، وليس مصحوبًا بأحدٍ يحبّه أو لا يحبّه.. لكن تمتماته تتوقف عند شفتيه ولا يسمعها غيره، وبخاصة أنه بات يغمغم بها من وراء كمّامة سوداء، تجعله على هيئة شبح بلا ملامح بين أشباح آخرين.

أما نوران فلم تخبره بخشيتها أن يعاود المرض اللعين غزو جسمه الضعيف، ولا بخوفها من تسلل كورونا إليه، أو إليها. ولا بعزمها الارتباط بطبيب متزوج في مثل عمرها ويقيم في بلدها الآسيوي، هي التي خاضت تجربة زواج قصيرة فاشلة قبل عشرين عامًا، وعزمها كذلك أن تتحمّل قريبًا جدًّا وفي أول فرصة، أعباء الوباء واحتمالاته بين أسرتها في بلدها البعيد وليس منفردة كما هو حالها هنا.

 أما صور الورد الجُوري (القابل سريعًا للذبول لشدّة تفتّحه) فإنها تكتم، أكثر مما تُفصح.

( عن الفيصل )

شاهد أيضاً

عزالدين المناصرة: يا عنب الخليل كُنْ سُمًا على الأعداء..!

* فيصل درّاج احتضنت الخسارة برحيل عزالدين المناصرة وجوهًا متعدّدة: خسرته الثقافة العربية، وهو الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *