الرئيسية / إضاءات / أعظم سبعة أدباء في تاريخ أميركا

أعظم سبعة أدباء في تاريخ أميركا

  • رايفين فرجاني

هذه مقالة عن أعظم الأدباء في تاريخ الأدب الأمريكي لذا ليس من الضروري أن تحمل مقدمة عن الأدب الأمريكي وخصائصه التي تجعله يحتل مكانة بارزة بين الأدبيات الأخرى. لأنه سيتطرق بشكل خاص إلى سمات كل كاتب على حدى ولا يمكن حصر سمات الأدب الأمريكي في سبعة من أدبائه. إلا أننا لا نتحدث عن أي أدباء,كما أننا لا يمكن أن نعزلهم عن إنتماءهم إلى الأدب الأمريكي في أدبهم واللغة التي كُتب بها؛الإنجليزية الأمريكية, والمتشبعة بثقافة هذا البلد. وأكبر العلامات المميزة لهذه الثقافة هي الحداثة التي تتمثل في ثلاث خصائص؛الأولى هدم كل الثوابت,والثانية النزعة التجريبية,والثالثة هي العولمة أي غزو بقاع الأرض ومختلف الثقافات.(1)

[1] إرنست همنجواي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لقد ساهمت تجاربه الشخصية أثناء مشاركته في الحروب الثلاثة الكبرى؛الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية والحرب الأهلية الإسبانية,في تعميق إدراكه لذاته وإثراء شخصيته التي انعكست على شخصيات قصصه والتي ربما تروي ملامح من حياته ليصير واحدا من أعمدة الأدب الأمريكي,حتى أنه لُقب بالأب. هذا العمق الذي ربما بلغ ذروته حين بلغ ذروة نجاحه وقرر الانتحار -سنة 1961 عن عمر 61 عاما- في واحدة من أكثر القرارات غرابة وغموضا في تاريخ البشرية. ومات منتحرا برصاصة في الرأس لما أدخل فوهة بندقيته المفضلة في فمه وضغط الزناد -يُقال بإصبع قدمه- لكي تعطيه حبيبته قبلة الموت. وهو موت عُرف عن عائلته عشقها له حيث مات عدد من أعضائها منتحرين (2) مما دعى البعض إلى الإعتقاد أن الميول الإنتحارية كانت داءا متوارثا بينهم.

هناك تفسير آخر في تعليق ماريو بارغاس يوسا على انتحاره قائلا:

-انتحر لأنه لم يجد القوة لكي يواصل اختراع نفسه أو اختراع الحكايات.

وهو تعليق جاء ردا على جواب هيمنجواي لما سألوه عن أكثر ما يخيفه فقال:

-ورقة بيضاء.

وهو الذي لم يخاف شيئا طوال حياته خاف الكاتب العبقري أن تنفذ عبقريته وتموت ملكة الإبداع لديه ولا يصير قادر على أن يكتب شيئا. هو تخوف يظهر مرة أخرى في وصفه لبعض أعماله: “أنها روايات رديئة كتبها بشجاعة الأنبياء”.

ويتفق خورخي لويس بورخيس مع يوسا لما قال:

-لقد انتحر همنغواي لأنه أيقن في النهاية أنه ليس كاتبا كبيرا.(3)

إن حياة همنجواي جديرة بحق بأن تسجل كسردية أدبية مهمة يستقي منها الأدباء في إبداعاتهم,خاصة تجربته مع الموت,الذي يظهر أنه كان رفيقا له طيلة حياته حتى مماته,في مواجهات عديدة دنى فيها من الموت ولم يخشاه.

وقبل الخوض في قصصه الروائية الطويلة ذات مئات الكلمات نتحدث عن قصته القصيرة الأقصر ذات الستة كلمات,ونصها هو:-

“للبيع,حذاء رضيع,لم يُنتعل قط.”(4)

هي قصة بالغة الإتقان وشديدة الاختصار وآية في الجمال حيث تحكي حكاية إنسانية مأساوية لها العين تدمع والقلب يخلع. ولا تكمن عظمتها فقط في كمالها,بل لأنها كانت فاتحة لنوع أدبي جديد هو الأقصوصة,أي القصة القصيرة جدا (القصة الومضة Flash Fiction)(5), وهو نوع أدبي ذو خصائص فريدة تنتج عن كونه الشكل الأكثر إيجازا وتكثيفا للقصة. ويصنف ويقاس بعدد معين من الكلمات بمتوسط سبعة كلمات. كما أن لها أثر مهم في تيار معين من سينما الرعب والغموض سوف نتحدث عنه لاحقا في مقال آخر.

ولم تكن الأقصوصة هي الإنجاز الوحيد الذي أدخله هيمنجواي إلى الأدب,بل وأدخل البرقية؛والمقصود هنا إسلوب البرقية في النثر,أو ما عُرف باسم الإسلوب البرقي نسبة إلي البرقية -وقد عمل همنجواي مراسلا صحافيا- التي يستمد خصائصه منها وأبرزها هو الاختزال مرة أخرى هنا حيث تتميز البرقية بالقصر الشديد واحتواءها على الكلمات المهمة أو التي تعطي معاني لا حاجة إلى كتابتها ويمكن للقارئ استنباطها وتأويلها من الكلمات القليلة المكتوبة. وهو ما يعرف بنظرية الجبل الجليدي العائم Iceberg Theory ثلثه أعلى السطح وثلثيه أسفل الماء للدلالة على أن ما يختفي تحته أكثر أهمية وعمقا مما يظهر فوقه.

والظاهر مما أتى أن هيمنجواي هو ساحر العبارة القصيرة التي تعلمها من حياته الطويلة,إلا أن آثاره الكثيرة في الأدب لا تنحصر في إدخاله للإقصوصة والبرقية,ولا يمكن أيضا حصرها في مقال غير منفرد عنها. لذا وكالعادة يؤجل الأمر إلى مقال لاحق.

أهم أعماله

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-العجوز والبحر

2-وداعا للسلاح

3-ولا تزال الشمس تشرق

4-لمن تقرع الأجراس

5-ثلوج كليمنجارو

6-عبر النهر ونحو الاشجار

العجوز والبحر أو الشيخ والبحر في ترجمة أخرى,أما عن “ولا تزال الشمس تشرق” فلها أسماء أخرى حسب الترجمة العربية,مثل (سوف تشرق الشمس) و(ثم تشرق الشمس) و(ولا تزال الشمس تشرق) و(الشمس تشرق أيضا).

[2] جون شتاينبك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

طوال الخمسين عاما المشكلة للنصف الأول من القرن العشرين احتل الساحة الأدبية في أمريكا أربعة أدباء عظماء؛إرنست هيمنجواي (1899-1961),ويليام فوكنر (1897-1962),فرانسيس سكوت فيتسجيرالد (1896-1940),جون ستاينبيك (1902-1968).

وقد يكون شتاينبك هو أعظم أديب في تاريخ الأدب الأمريكي,إن لم يكن أعظم روائي على الإطلاق. هو كاتب آخر شكلت الحرب العالمية إبداعاته,حيث عُرف بقصصه حول الحرب العالمية الثانية,خاصة روايته الشهيرة مغيب القمر التي نال عنها وساما من ملك النرويج.(6) ولم تكن الحرب العالمية هي الكارثة الوحيدة التي تناولها في أعماله,حيث جسد كارثة الكساد الكبير في روايته الأعظم عناقيد الغضب الحائزة على جائزة نوبل للآداب عام 1962.

وهي أزمة لم تسعها الرواية العظيمة فجسدها في رواية أخرى لا تقل أهمية وقسوة هي فئران ورجال. بل وتخطى موضوعها متناولا الأزمة الكبرى التي رافقت البشرية طوال تاريخها ولم تحل عنها حتى الآن,وهي أزمة المال وتأثيره المقيت على النفوس البشرية في رائعته الثالثة اللؤلؤة.

تعني كتاباته بفئة المهمشين مستخرجا من قصصهم أعتى صور البؤس الفاضحة للبشرية, بؤس أمريكي يذكرنا بالبؤس الفرنسي الذي قدمه هوجو في ملحمته البؤساء. ومستخدما عناوينا أكثر قساوة وبؤسا من العنوان المتكئ على لفظة الأصل البؤساء؛عناقيد الغضب وفئران ورجال وشارع السردين المعلب وشتاء السخط (أو شتاء الأحزان) وشرق عدن ومراعي الفردوس. الأخيرة حازت على جائزة بوليتزر لعام 1940. يلاحظ تكرار إسم الجنة تجليا لبحثه عن الفردوس في رواياته البائسة.

ويستعرض في رواياته الصراعات التي تحدث بين طبقة الفقراء وطبقة الأثرياء,وبالرغم من أنه لم يكن اشتراكي -وقد كان لديه إهتمامات ومساهمات سياسية حظت بالتقدير على مستوى دولي- إلا أنه كان ينحاز لطبقة العمال منصفا إياهم دون تغليب لوجهة نظرهم ودون أن يفرض وجهة نظره هو,في تصويره للواقع المشابه لإسلوب توماس هاردي,والممتزج -إسلوب شتاينبك- بالسخرية والتهكم متناولا حياة فئات مختلفة من المجتمع الأمريكي. وتذيل قصصه بنهايات غريبة وصادمة بشكل مأساوي للغاية.

ومثلما شكلت الحرب إبداعاته,شكلت رواياته الأدب الأمريكي الذي يعد شتاينبك واحد من المؤسسين الكبار له,خاصة تحفته الخالدة عناقيد الغضب.

رواياته المهمة الأخرى هي

1-شقة التورتيلا

2-كأس الذهب (روايته الأولى)

3-البحث عن إله مجهول

4-الأتوبيس الجامح

5-معركة مشكوك بها

6-المهر الأحمر (كتبها خصيصا للسينما)

ومن أدب الرحلات

1-رحلات برفقة تشارلي

2-بحر كورتس

[3] هيرمان ملفيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صاحب الملحمة الأعظم -ويعتبرها البعض الأوحد- في تاريخ الأدب الأمريكي موبي ديك التي وصفها الأديب العملاق برنارد شو بأنها “منذ عرف الإنسان كيف يكتب لم يوجد قط هذه الرواية,وعقل الإنسان أضعف من أن ينتج عملا مثله,وإني أضع مؤلفه في مصاف مؤلفات رابليه وسويفت وشكسبير”.(7)

وترجع شهرة ملفيل بشكل رئيسي إلى هذه الرواية,التي لم ينظر إليها بعين الاعتبار وقت صدورها,ولم تنل حق قدرها إلا بعد وفاة مؤلفها,وتزايدت السنوات فعلت قيمتها مع الوقت حتى صارت تعد أعظم رواية في تاريخ الأدب الأمريكي,بل وربما في تاريخ الأدب الإنساني. حيث أدخلت العديد من التغييرات الجذرية في السرد,تغييرات ساهمت في تطوير الرواية الأمريكية وارتقت بالأدب الأمريكي إلى الصفوف الأولى بين الأدبيات الكبرى. هذا غير الحكاية الملحمية التي تسرد صراع تراجيدي بين حوت -موبي ديك Moby Dick- وإنسان -كابتن آهاب Captain Ahab- يبتغي اصطياد هذا الحوت الأسطوري المرعب الذي لم يتمكن أي أحد من اصطياده. حوت قوي لدرجة أنه قادر على تدمير السفن وإزهاق الأرواح بل وإهدار الكرامة مع الدماء المهدورة حيث سلب من الكابتن آهاب ساقه ليقلل من قدره أمام نفسه وبين نظرائه من الصيادين وربابين السفن. وتحت ظلال هذا الصراع أسقط الكاتب الأحداث الكبرى التي مرت أو ستمر على تاريخ البشرية -ربما باتباع نظرية أن التاريخ يعيد نفسه- وسلط الضوء على وجود الإنسان نفسه حيث ينعكس الصراع بين الإنسان والحوت على الصراع بين الإنسان والطبيعة. وليس هذا هو المعنى الوحيد الكامن في خطاب الرواية,حيث إنها -من ضمن ما فيها- تعكس رحلة الإنسان للعثور على شيء ثمين سرعان ما يفقده في النهاية ويفقد معه أشياء أخرى ثمينة لم ينتبه إليها. وهي نفس التيمة في الروايات الثلاثة العجوز والبحر,اللؤلؤة,وموبي ديك. الثلاثة ترتبط بالبحر,والثلاثة أبطالها صيادين؛صياد لؤلؤ,صياد سمك,صياد حيتان,يعثرون على شيء ثمين في البحر؛اللؤلؤة الأكبر,السمكة الأكبر,الحوت الأكبر. ويطاردوه باذلين فيه كل غال ونفيس حتى يخسرون كل شيء. فقد طفله أو فقد عقله وحياته,أو فقد قوت يومه. أي هو من ألهم لإرنست همينجواي روايته الشهيرة العجوز والبحر التي تجاورت مع بقية روائعه. إن صراع العجوز سانتياجو مع السمكة العملاقة هو إنعكاس أو تجلي لصراع العجوز آهاب مع الحوت العملاق. والإثنان يمثلان صراع الإنسان مع قوى الطبيعة الكاسرة. وربما هو من ألهم بينشلي روايته الفك المفترس وصياد آخر على مركبة أكبر من القارب وأصغر من السفينة يطارد قرشا أكبر من السمكة وأصغر من الحوت,في تجلي آخر لصراع الإنسان مع الطبيعة. ويرى أحمد خالد توفيق(8) أن الثلاثي إرنست همنجواي وهيرمان ميلفيل وبيتر بينشلي هم أفضل من كتبوا في أدب البحار. خاصة ميلفيل الذي يعد عرّابا لأدب البحار,وقد وصفت ملحمته بأنها “سيمفونية البحر وترنيمته الخالدة”.

هيرمان ميلفيل هو الكاتب الوحيد في القائمة الذي يمكن أن ينتمي تصنيفيا إلى أدب الفانتازيا بعمله الضخم موبي ديك,وذلك يعني عدم ذكر مقابله في الفانتازيا الأمريكية -من الأدب الملحمي إلى أدب الأطفال- فرانك بوم ورائعته ساحر أوز. وجدير بالذكر أن هيرمان ملفيل كان صديقا وجارا للأديب الأمريكي العظيم ناثانيال هوثورن وهو أديب آخر يستحق مكانته في هذه القائمة. والأكثر إلحاحا بذكره هو أن الأديب مات فقيرا مجهولا دون أن ينظر لعمله أو إسمه إلا بعد موته.

[4] مارك توين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هو أبرز أدباء أمريكا الساخرين,بل وتم وصفه بأنه “أعظم الساخرين الأمريكيين في عصره” في نعي له بصحيفة الـ نيويورك تايمز,وقد أطلق عليه الأديب الأمريكي العظيم الذي كان ليحتل مكانة في هذه القائمة ويليام فوكنر لقب أبي الأدب الأمريكي.(9)

وأحد الكتاب القلائل اللذين تحققت ثرواتهم فقط من حبر أقلامهم (10),وهو من أكثر الكتاب تصديرا للأقوال المأثورة ذات الحكمة العميقة المختزلة في عبارات قصيرة.

ومثلما يمكن تجسيد الحياة التراجيدية لـ إرنست هيمنجواي في رواية,يمكن اقتباس الحياة الكوميدية لمارك توين في رواية أخرى,والطريف أن المأساة كانت صانعة للكوميديا والتراجيديا لدى الإثنين. هؤلاء أدباء تحمل سييرهم وقائع ليست أقل إثارة أو غرابة من رواياتهم.

لم يكن مارك توين رائدا في الأدب الساخر وحسب بل هو واحد من أبرز من كتبوا في أدب الأطفال أيضا,وكان يخرج من توجهه لتلك الفئة العمرية أدبا ثريا للغاية تتمتزج فيه السخرية والطفولة. والأدب الساخر وأدب الأطفال لم تكن هي كل الحقول الأدبية التي برع مارك توين فيها,بل ويعرف عنه تأثيره في أدب الخيال العلمي,والمتمثل في روايته “أمريكي من كونيتيكت في بلاط الملك ارثر” وقصته الاستباقية لندن تايمز From The London Times in 1904.

والرجل له إسهامات في بعض الاختراعات التي سجلت باسمه(11),وكان صديقا لنيقولا تيسلا ثاني أشهر مخترع في التاريخ بعد توماس أديسون. ولكن يظل أهم منجزاته في الأدب الساخر / أدب الأطفال,هو عمله الأشهر ويليه

1-مغامرات توم سوير

2-مغامرات هكلبري فين

ويشير أحمد خالد توفيق إلى الأهمية البالغة لقصصه القصيرة التي تتسم بالسوداوية المضحكة,وأتفق معه أنها الأمتع والأجمل من تحفتيه المشهورين توم وهيك. وقد قال إرنست هيمنغواي عن مارك توين أنه “أهم وأعمق وأظرف أدباء أمريكا”(12).

[5] مارغريت ميتشل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يتضح للقارئ افتقاد القائمة إلى عنصر نسائي لم يخلوا الأدب الأمريكي منه متمثلا في أعظم أديبة أمريكية هاربر لي بالتوازي مع هارييت ستو,وثالثتهم مارغريت ميتشل المذكورة ها هنا,ورابع العمالقة الأربعة هي هيلين كيلر التي قدمت نموذج إنساني فريد من نوعه بحق. وأكثر من تحيرت في الاختيار بينهم في هذه المرتبة؛مارغريت ميتشل وويليام فوكنر. الأخير لم أقرأ له أي عمل بعد,ولكن قرأت عنه الكثير مما يؤكد أن حضوره كان لازما في هذه القائمة. لكن وقع اختياري على مارغريت للسبب المذكور وللتنويع أيضا. من أجل احتواء القائمة على الرومانسية وهي صاحبة أعظم رواية ضمن هذه النوعية؛ذهب مع الريح. الاسم لوحده مثير للشجن,وهو يعبر بشكل ساحر عن الموضوعان التي تم تناولهما في الرواية؛ الحب والحرب. بين الحب والرعب,عاطفتان تحتلان القمة بين أقسى عواطف الإنسان.

مارغريت ميتشل -إن إسمها وجمالها يعطي انطباع أنها آتية من عالم روايتها- هي الاستثناء الوحيد في القائمة التي نالت مكانتها وشهرتها بسبب رواية واحدة هي روايتها الوحيدة طيلة سيرتها الأدبية,حيث بلغت بها شهرة لم تصل إليها كاتبة روائية أخرى من قبلها. روايتها الملحمية التي صورت الحرب الأهلية الأمريكية خرجت نتاج نشأة الكاتبة بين أقارب عايشوا بصورة مباشرة تلك الحرب(13),وقد كتبتها خلال عشر سنوات من عمرها,ورفضت الكثير من العروض المغرية لكتابة جزء ثاني للرواية. لتخلد اسمها وتضع بصمتها على الأدب الأمريكي من خلال روايتها تلك.

[6] إدغار آلان بو

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وبعد كوميديا مارك توين وتراجيديا جون شتاينبك ورومانسية مارجريت ميتشل وواقعية إرنست هيمنجواي وفانتازيا هيرمان ملفيل نصل إلى رعب سيد الرعب إدغار آلان بو.

الأب الروحي لأدب الرعب,وكان أبا ورائدا لأنواع أخرى من الأدب,مثل الخيال العلمي والقصيدة والقصة القصيرة والقصة البوليسية. هذا بالإضافة إلى كونه ناقدا ومحررا وصحافيا وخطيبا. وتظهر إسهاماته وتنوعه في العديد من الحقول الأدبية لما يصفه كبار النقاد بأنه “المعلم الأول للكتابات الفانتازية” و”مخترع القصة البوليسية” و”الممهد الأول للرواية العلمية” “والمجدد للقصة الشعبية” و”الرائد في علم التحليل النفسي”. بل ويصفه الشاعر الكبير مالاراميه بأنه يمثل “الحالة الشعرية القصوى”(14). وقد صدق في قوله عن بو الذي يعد مع والت ويتمان وت. س إليوت الثلاثي الأعظم في تاريخ الشعر الأمريكي,وقد تحيرت في الاختيار بين الثلاثة قبل أن استقر على بو. إن بو خاض بكلماته تقريبا في كل الأنواع الأدبية رغم اشتهاره في الرعبية منها.

أظهر نبوغه في فترة مبكرة من حياته التي عاشها تعيسا معذبا ومات في نهايتها فقيرا معدما شريدا متسولا ومريضا منسيا سقط ميتا بجوار الحائط في إحدى الشوارع. لقد تم وصفه بأنه الثري (المليونير) الذي مات مديونا,حيث لم تلقى أعماله العناية والإهتمام والتقدير إلا بعد موته,وجنت دور النشر الأرباح من امتلاكها حقوق نشرها. وتكشف إحدى الدراسات أنه لم يستفد في حياته من كتابته إلا بمبلغ لا يتعدى الـ 300 دولار.(15) حياته البائسة التي تتشارك مع همنجواي -بالرغم من المفارقة الناتجة عن كون أحدهم عاش مشهورا والآخر منسيا- في كونها تستحق رواية تسرد وقائعها التي ربما لا تقل ظلمة وكآبة عن أعماله. حتى أن المشفق على ميلفل يراه محظوظا لو تعرف على سيرة هذا العبقري صاحب قصيدة الغراب التي وكأنها كانت علامة شؤم على حياته,وهو الذي قيل عنه أنه كان لا يكتب إلا وغراب على كتفه.

عندما وقع اختياري على بو لتشريف هذه القائمة باسمه,كنت متحيرا بينه وبين شاعر آخر عظيم لا يقل سوداوية عنه في كتاباته,وهو ت.س. إليوت -وأيضا المتفائل ويتمان وجديرة بالذكر إيميلي ديكنسون- من جانب آخر يتم مقارنته عادة بـ عميد أدب الرعب هوراد فيليب لافكرافت,ويختلف النقاد والقراء حول أيهما قدم كوابيسا مفزعة أكثر من الآخر.

إلا أنه بعد تعمقي في قراءة الأعمال الموسومة باسم بو,سواء له أو عنه,وهو الذي يحظى دوما بتقدير الأدباء والنقاد,صرت متحيرا بينه وبين صاحب المرتبة الأولى هيمنجواي, وكلاهما يمثلان الأدب الأمريكي ومدرسته الحداثية,كما أن بو أيضا ممثل ومؤسس للمدرسة القوطية. ومع ذلك لم أنزع همنجواي عن مكانته بل وتلاه عدة أسماء إلى أن أتى اسم بو العظيم وذلك لا يقلل من قدره. فهذا ترتيب ملزم بطبيعة الأرقام حيث يأتي رقم إثنين بعد الرقم واحد,وقد لا يعني هنا التوالي بل التساوي.

[7] ستيفن كينج

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد بو قد يكون هو أعظم من كتب في أدب الرعب بالتوازي مع عمالقة آخرين,وليس بالضرورة أن يعني ذلك أنه أقوى كاتب رعب,إلا أنه لا جدال في كونه أشهر كاتب رعب في العالم حاليا,والذي يجعله واحدا من أشهر الكتّاب على الإطلاق,ومعظم أعماله دخلت قائمة الأعلى مبيعا وتربعت عليها في بعض الأحيان.(16)

استطاع أن يمزج بين الرعب البهيمي الذي لا يرحم,ومتعة السرد. إن براعته في حكي القصص جعلته يضع كتابه المعنون (عن الكتابة) الذي يعد واحد من أفضل ما كُتب في مجال الكتابة. ستيفن كينج لم يبرع في مجال الرعب فقط,وإنما كتب في الأنواع الثلاثة للأدب الخيالي؛الرعب والفانتازيا والخيال العلمي. وأخرج درر من كل نوع. من الرعب قدم الموقف والشيء والبريق,ومن الفانتازيا قدم برج الظلام والميل الأخضر والعرض الزاحف, ومن الخيال العلمي قدم الهارب وتحت القبة و 11/22/63. كل هذه الأعمال نأتي بها على سبيل الذكر وليس الحصر حيث يصعب عمل حصر -لكننا سنحصرها في مقال آخر- لجميع أعماله.

هو غزير الإنتاج بصورة غريبة,ليس في عدد الكتب التي أخرجها فقط,بل وفي عدد الكلمات التي كتبها داخل هذه الكتب التي تزيد عادة عن الـ 600 صفحة للرواية الواحدة. وقد بلغ نشاطه في النشر ذروته لما كان ينشر بعض رواياته بأسماء مستعارة بالاتفاق مع الناشر, وأشهر تلك الأسماء هو ريتشارد باكمان(17). وقد مرّ على ستيفن كينج نصف قرن وهو يكتب,وهو لا يزال يكتب حتى الآن وقد تخطى السبعين من عمره.

الأكثر صعوبة من حصر أعماله,هو تصنيف أعماله بشكل تدريجي من الأعلى إلى الأدنى,وذلك لأن هناك عدد كبير من رواياته وقصصه تقف على نفس الخط من الجودة. وسنكتفي فقط بالإشارة إلى بعض الأعمال المهمة -غير التي أشرنا إليها في مواضع أخرى من المقال- والمترجمة,مثل بؤس,مقبرة الحيوانات,كاري.

عنادا مع النقاد التقليديين والمنحازين للأدب الواقعي وعلى رأسهم غريم ستيفن كينج هارولد بلوم الذي ينظر دوما باستخفاف إلى أدب الرعب واصفا كتابه أنهم لا ينتمون إلى الأدباء وغير قادرين على إنتاج أدب حقيقي -والمعني هنا هو الأدب الواقعي عدا بو نفسه بالطبع. وقد احتج على نيل ستيفن كينج لجائزة المؤسسة القومية الأميركية للكتاب واصفا إياها بأنها هبوط في الذائقة الأدبية.(18) عنادا فيه قام الملك بكتابة عدد من القصص الواقعية التي حملت أعمق المعاني الإنسانية,أبرزها مجموعته القصصية فصول متنوعة التي تحولت إلى أفلام من كلاسيكيات السينما الواقعية.

كما حظت روايته الميل الأخضر بإشادة النقاد لأنها تقدم رسالة إنسانية بالرغم من كونها رواية فانتازية تنتمي إلى نوعية الواقعية السحرية,وهو ما يثبت وجهة نظر ستيفن كينج بشكل عملي في أن الآداب الفانتازية لا تقل أهمية عن نظيرتها من الآداب الواقعية.

وفي الأخير لا يسعنا القول سوى أن ستيفن كينج يستحق عن جدارة لقب ملك الرعب.

كالعادة كنت متحيرا بين ستيفن كينج وهنري جيمس,والإثنين كتبا في أدب الرعب. الأخير متحير في نسبته بين أربعة بلاد؛إنجلترا وأمريكا وأيرلندا وأسكتلندا,لذا سهل علي تجاوزه إلى الملك. إلى أن تذكرت وجود هنري آخر,وهو هنري ديفيد ثورو الأديب الفيلسوف الذي أزحته هو وفيلسوف آخر أي رالف والدو إمرسون.

إن ستيفن كينج هو الكاتب الوحيد في القائمة الذي لا ينتمي إلى الجيل الأول (ميلفيل وتوين وبو) والثاني (همنجواي و شتاينبك وميتشل) من المؤسسين الكبار للأدب الأمريكي وغيرهم من عظماء هذه الحقبة. هو الكاتب الوحيد اللذي لا يزال حيا من المذكورين بين السبعة,وهو ينتمي إلى نفس الحقبة الزمنية التي ينتمي إليها أديب آخر عظيم هو تشاك بولانيك,ويمكن بشيء من التمطيط القول أنها نفس الحقبة التي ينتمي إليها مثلث الخيال العلمي في الأدب الأمريكي راي برادبري وجوانا روس وأورسولا لي غوين,الذي أغلفناهم وأغلفنا معهم هذا النوع من الأدب الذي يشكل مع الرعب والفانتازيا الثلاثي الرئيسي للأدب الخيالي. تعد فترة الملك حقبة زمنية ثرية بالأدباء فمثلا ستيفن كينج هو أحد أضلاع مثلث الرعب الأمريكي المكون من ستيفن كينج وبيتر ستروب ودين كونتز. كما يمكن استعارة جوانا وأورسولا ليشكلان مع جورج مارتن مثلث الفانتازيا الأمريكية في العصر الحديث الذي يمتد إلى الألفية الثالثة. وعلى ذكر الثلاثيات لم نذكر أحد من ثلاثي المسرح الأمريكي (يوجين أونيل – تينيسى وليامز – آرثر ميلر).

الحق إن القائمة تطول والأدباء كثر فالأدب الأمريكي مليء بالعظماء إلى حد التخمة أو حتى التقيء –بول أوستر مثلا- ونختم المقال -لن ننتهي والله- بذكر عظيم آخر لم يذكر,هو جيروم ديفيد سالينجر.

المصادر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-انظر كتاب “من التراث إلى ما بعد الحداثة” / فدوى مالطي دوجلاس / المركز القومي للترجمة,تصدير جابر عصفور,ص 7-13.
2-انتحر والده كلارنس هيمنغواي,وأختاه غير الشقيقتين أورسولا وليستر,وحفيدته عارضة الأزياء الحسناء مارغو هيمنغواي.
3-مقال إرنست همنغواي 3 من صحيفة الجريدة بتاريخ 21-7-2011.
https://www.aljarida.com/articles/1461989340511429100/
4-انظر ترجمة هشام فهمي للأقصوصة في مدونته “المترجم”,تدوينة بعنوان “قصص من 6 كلمات”.
http://almutarjem.blogspot.com/2020/03/6.html
5-صفوة كتّاب القصة القصيرة جدا في مصر (مجموعة قصصية),المقدمة بواسطة هالة محمود,ص 5.
6-مراعي الفردوس / الدار المصرية اللبنانية / مقدمة عن جون شتاينبك لـ خديجة خطاب في ترجمتها لروايته,ص 259.
7-تقديم إحسان عباس في ترجمته لرواية موبي ديك من إصدارات المدى.
8-مقدمة أحمد خالد توفيق في ترجمته لرواية موبي ديك ضمن سلسلة روايات مصرية للجيب من إصدارات المؤسسة العربية الحديثة.
9-صفحة الكاتب على ويكيبيديا.
10-ديل كارنيجي / الخالدون / مارك توين,ص 152-160.
11-نبوءات الخيال العلمي / ياسين أحمد سعيد / مبادرة لأبعد مدى,الفضاء الافتراضي,ص 68.
12-مقدمة أحمد خالد توفيق عن الكاتب في ترجمته لوصية الثلاثين ألف دولار بسلسلة روايات عالمية للجيب.
13-صفحة الكاتبة على ويكيبيديا.
14-بحث بعنوان “الرمزية في الأدب العربي” / غادة قويدر.
http://www.mnaabr.com/vb/showthread.php?t=26201
15-المصدر السابق.
16-مقال “ستيفن كينج “ملك الرعب”,نجم الأكثر مبيعا في أمريكا / صحيفة اليوم السابع,ت 21 / أكتوبر / 2017.
https://www.youm7.com/story/2017/10/21/%D8%B3%D8%AA%D9%8A%D9%81%D9%86-%D9%83%D9%8A%D9%86%D8%AC-%D9%85%D9%84%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B9%D8%A8-%D9%86%D8%AC%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%83%D8%AB%D8%B1-%D9%85%D8%A8%D9%8A%D8%B9%D8%A7-%D9%81%D9%89-%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D9%87%D9%85/3471422
17-صفحة بإسم ريتشارد باكمان على ويكيبيديا.
18-انظر المقالين التاليين
-ما رأي هارولد بلوم عن ستيفن كينج؟ / ترجمة: هالة عدي.
https://torj0man.wordpress.com/2017/03/09/bl0om/
-هارولد بلوم يكتب عن ستيفن كين وجيه كيه رولينج / ترجمة: أمير زكي.
https://boringbooks.net/2010/11/blog-post_14.html

شاهد أيضاً

ركوّة فيلليني: حول رواية “حذاء فيلليني” للكاتب الروائي وحيد الطويلة

(ثقافات)*طلعت قديح هناك من الروائيين من لا يصح أن تقرأ لهم بطريقة تقليب الصفحات؛ حتى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *