الرئيسية / إضاءات / زياد محافظة: من الإجحاف التنكر للدور الثقافي للجوائز

زياد محافظة: من الإجحاف التنكر للدور الثقافي للجوائز

حاورته: حنان عقيل

ثمة العديد من الأحداث التاريخية الشائكة يمكن للأعمال الأدبية أن تُقاربها لتسليط الضوء على أثرها، بيد أن الفارق بين عمل روائي جيد وآخر هش، هو المقدرة على توظيف أدوات فنيّة تحافظ على أدبيّة العمل وتُنقذه من التناول الأيديولوجي المُباشر. “العرب” حاورت الروائي الأردني زياد محافظة حول روايته الجديدة “سيدة أيلول” لنقل حقب من التاريخ.

اختار زياد محافظة في رواية “سيدة أيلول” أن ينسج حبكة فنية من خلال قصة حياة امرأة على امتداد ستة عقود من عمرها تعايش خلالها العديد من الأحداث الهامة، منوها في هذا الصدد إلى أن خيار السرد بلسان أنثى بكل ما يحمله من صعوبة لم يكن قرارا روائيا مُسبقا أو خيارا يسيرا، لكنه يحاول دوما البحث في الغامض والمجهول، في الدروب الوعرة التي قلما سار عليها الآخرون، لذا تجذبه دوما المسارات المربكة، ويقف طويلا عند الأسئلة المُحيرة والشائكة.

 يقول محافظة في حواره مع “العرب” “في روايتي الأحدث ‘سيدة أيلول‘ كنت أمام تحد حقيقي، كثيرا ما سألت نفسي إلى أي حد سأكون قادرا على فهم هذا العالم الأنثوي المتشابك والمعقد، هل أستطيع أن أتحسس وجع بطلة العمل وحزنها وألمها وانكسارها؟ هل بمقدوري الإصغاء لصوتها الخافت وذاك النشيد الداخلي الذي لا ترغب ربما بالبوح به، هل أستطيع أن أكون الصوت الأمين للأنثى، التي مثلت في هذه الرواية على وجه الخصوص صورة الوطن بكل أحزانه وانكساراته ومخاوفه؟”.

وقد أرقته تلك الأسئلة طويلا، لكن في اللحظة التي وضع فيها يده بيد بطلة الرواية التي لم تكن تجاوزت في الصفحات الأولى من الرواية عامها الثامن عشر، كان على يقين حينها بأنه يرافق فتاة تمثل في جوهرها صورة للحزن والألم والانكسار الأنثوي، ومع الصفحات الأخيرة للرواية، شعر براحة كبيرة وأحس أنه ودعها وتوارى تماما عن الأنظار، تاركا المجال ليس لبطلة العمل فحسب، بل لكل أنثى فيه لتسرد حكايتها بالطريقة التي تراها مناسبة، فالرواية وفق هذا السياق؛ رواية البطولة الأنثوية المطلقة، وهي من الروايات التي كتبها روائيون وقادت فيها الأنثى عربة السرد بكل شجاعة.

عالم أنثوي متشابكعالم أنثوي متشابك

منطقة محظورة

تبدأ الرواية منذ أحداث أيلول الأسود 1970 وتنطلق من ذلك الحدث والانطلاق نحو أحداث أخرى كان لها أثرها في العالم العربي، ويُبين محافظة أن ذلك التاريخ ارتبط في الذاكرة الشعبية الأردنية بأحداث سياسية وأمنية واجتماعية مشوّشة ومؤلمة، وظلت تلك الفترة الزمنية ولسنوات طويلة أشبه بمنطقة محظورة، يتفادى الجميع ذكرها أو الاقتراب منها وكأنها بيت مهجور، لكنه اختار كتابة عمل يتأمل قصص الناس وانعكاساتها على حياتهم.

ويضيف محافظة “الرواية مشروع يقوم على تحويل الأحداث والتفاصيل والقصص البسيطة إلى نص إنساني قابل للتأمل، فأن تبدأ الرواية من أحداث أيلول 1970، كان أمرا فرضته الحكاية وليس أنا، بالتالي من قرر هذا هم أبطال الرواية أنفسهم، هم من أرادوا البوح وقص شريط الافتتاح بدءا من تلك الفترة، لذا ليس من حقي كروائي أن ألوي عنق الرواية، أو أحرف مساراها وأعبث بمصداقيتها إكراما لتخوفات لا أساس لها”.

ومازال محافظة عند قناعته بأن الرواية أصدق وسيلة يحكي بها حكاياته، فهي الصوت الأمين للقصص والأوجاع، وصوت البسطاء الذين يدفعون على الدوام ثمن الحماقات والمغامرات السياسية دون أن يتاح لهم سرد حكايتهم بكل ما فيها من صدق وعفوية وضعف وهشاشة.

والولوج إلى منطقة من الاشتباكات السياسية النابشة في ما وراء التاريخ خيارٌ على أهميته يحتاج إلى درجة من البصيرة الفنيّة للكاتب بحيث لا ينجرف العمل نحو صبغة توثيقية مباشرة.

وفي هذا الصدد يشير محافظة إلى أن الرواية ما لم تثر العديد من الأسئلة الجارحة فلن تحقق شيئا يذكر، ومع ذلك فليس الغرض من كتابة الرواية أن تُرضي أحدا، وبشكل شخصي يُفضّل الرواية التي تمس الجانب الإنساني في داخله، التي تستقر عميقا في وجدانه، وتستميله ليمضي مع شخوصها وكأنه يعرفهم ويعرف حكاياهم منذ زمن بعيد، ولا يمكن للرواية أن تصل لهذا المستوى ما لم تملك خطابا أدبيا صادقا وشفافا.

كما أن الروائي المتمكن، في رأيه، هو من يعرف كيف يقارب الأحداث من زاوية إنسانية لا سياسية، فالواقعية لها حضورها الكثيف، لكن للأدب أيضا أدواته وخياله الجامح، وهنا تكمن الصنعة الروائية التي تتيح للكاتب الاشتباك مع الأحداث التاريخية والسياسية دون أن يسمح لها بجرّه أو التحكم فيه.

ويلفت محافظة إلى أنه اليوم نرى اهتماما متزايدا بكتابة الأدب الذي يفكك الأحداث السياسية ويقرأ انعكاسها وتأثيرها على مصائر الشعوب في المنطقة العربية على وجه الخصوص، وعلينا أن نحذر من الانجراف وراء الخطاب السياسي أو لغة البيانات والتقارير، فإن فعلنا هذا سننجز أعمالا أقرب لمنشورات أيديولوجية فقيرة وخشبية ومتحيزة، وأن تكون الحكاية الإنسانية هي الأساس في العمل الروائي، ويظل الصوت الإنساني الأعلى والأكثر حضورا.

يولي الكاتب الأردني اهتماما واسعا بالتاريخ وتجليّاته في أعماله الأدبية، لكنه يرى أن الروائي الذي ينتقي الأحداث والقصص التي تحلو له، هو شخص غير أمين على حكايا الناس.

ويقول “في كل الأعمال الروائية التي صدرت لي، كان الإنسان هاجسي الأول، والانحياز له ولقضاياه العنوان الأبرز، واهتمامي بالحدث التاريخي والسياسي ينبع في جوهره من تلك العلاقة المعقدة والمشوّهة بين كل ما هو سياسي وتاريخي وإنساني في منطقتنا العربية”.

ويتابع “لنلقي نظرة للوراء قليلا، ونتذكر كيف تأثرت حياة الشعوب بكل المفاصل السياسية والتاريخية بصورة يستحيل فصلها، هل يستطيع روائي أن يكتب المرارات الإنسانية في دولنا ومجتمعاتنا بمعزل عن هذا كله، أن يكتب عن الكبت والقمع والفساد، التطرف والمشروع الظلامي، التمييز والتشتت وخطاب الكراهية، الهجرات والهويات الضائعة، الاحتلال بأبشع صوره، المصير المجهول لكثير من شعوبنا، المآلات الغامضة والغد الذي لا نعرف عنه شيئا، اللجوء المر ووجع الأطفال والأمهات، الاقتتال والحروب وخسارات الإنسان العربي، هل يستطيع أن يكتب هذا دون أن يجد نفسه اشتبك مع الحدث السياسي والتاريخي؟”.

ويستطرد “كثيرا ما أشفق على الروائيين الذين يجدون أنفسهم في لحظات كثيرة، مدفوعين للوقوف بوجه كل شيء حولهم، ليس رغبة في الصدام بقدر ما هو توق لتقشير هذا الواقع البائس الذي ازدادت سماكته، ومحاولة جادة منهم للتشبث بالأمل وسط الفوضى العارمة التي أحكمت قبضتها على كل شيء”.

ومن يتأمل ما يجري حولنا، سيجد حالة من الخراب والعطب والقمع والقهر الذي سرق حاضرنا وعطّله، لذا ما قيمة الرواية إن لم تقف بوجه هذا كله؟ الرواية الصادقة لا تكتب لتزويق الحاضر أو تبرير انحرافاته، بل لتفكيكه والوقوف بوجهه.

الواقعي والمُتخيل

الفارق بين عمل روائي جيد وآخر هش، هو المقدرة على توظيف أدوات فنيّة تحافظ على أدبيّة العملالفارق بين عمل روائي جيد وآخر هش، هو المقدرة على توظيف أدوات فنيّة تحافظ على أدبيّة العمل

في مقدمة روايته “سيدة أيلول” كتب محافظة “الأحداث الحقيقية التي وردت في هذا العمل كتبت بصورة متخيلة، أما الأحداث المتخيلة فقد استندت في جزء كبير منها إلى تفاصيل حقيقية، المسألة برمتها في نهاية الأمر، تعزى عزيزي القارئ لنباهتك وسعة خيالك لا أكثر”.

وعن العلاقة بين الواقعي والمُتخيل في عمله، يقول لـ”العرب” “لعلي أردت من هذا التنويه أن أفتح الباب للقارئ ليشارك هو الآخر في كتابة أحداث الرواية وتخيّل عوالمها بالطريقة التي يراها مناسبة، فكما ينغمس القارئ في أحداث العمل الروائي ويتعاطف مع شخوصه وقصصهم، فمن حقه أيضا أن يبني لهم العوالم التي يراها مناسبة، وهذا لا يأتي إلا عبر جرعة الخيال التي يحفل بها العمل، عملية القص مهما بدت متجردة لا تأتي من خيال محض، والنص إن لم يستمد ملامحه ومصداقيته من أحداث الواقع، سيظل هلاميا معلقا في الهواء”.

ويرى أن المزج الذكي بين ما هو واقعي ومتخيل ليس في أحداث الرواية فحسب، بل في أفكار وهواجس وتصرفات شخصياتها، هو ما يضفي الكثير من الحيوية على العمل، وقد تغرق الواقعية الإنسان في جفافها وقسوتها وأحيانا بشاعتها ثم يأتي الخيال فينتشلك من هذا كله، ويأخذ بيدك لمساحات رحبة وشاسعة، وعلينا تذكر أن الروائي ليس وحده من يقرر ما هو حقيقي أو خيالي، بل القارئ أيضا.

ويكشف محافظة أنه يعمل على مشروعه الروائي بتأن وتركيز، ويهمه أن يقدم أعمالا تحترم القارئ وتشركه في تحليل وتفكيك المشهد القائم، لقناعته التامة بأن الجميع شركاء في تقاسم الهمّ الإنساني، بناء الذات المهدمة ومنحها أملا في الغد ركيزة أساسية في مشروعه الروائي، ومن ثم فهو حريص على الكتابة متحررا من أي حواجز أو خوف من سلطة أو رقيب، قائلا “على الروائي أن يتحلى بالشجاعة، فإن ظل خائفا من العيون التي تراقبه وترصد حركته وتعد عليه كلمات، فلن يكتب شيئا يستحق الذكر”.

وينوه إلى أن الصدق هو المعيار الأساس في العمل الذي يقرر الروائي مشاركته مع الآخرين، أحيانا كثيرة قد تختصر عبارة واحدة ترد على لسان شخصية ما، العمل برمته، وأخرى قد تخلق النهايات المفتوحة الكثير من العوالم لدى القراء، ومن المهم أن يحمل العمل رؤية جديدة في منهجيتها أو طريقة طرقها وتحليلها.

ويقول زياد محافظة “الموضوعات التي ترتكز عليها الأعمال الروائية تكاد تتشابه في ما بينها، فالوطن والمرأة والحرية وقصص الحب والألم الإنساني والخوف من الغد والرهان على القادم، ثيمات أساسية في معظم الأعمال الروائية، لكن ما الذي يميز عملا عن آخر؟”.

اليوم نرى اهتماما عربيا متزايدا بكتابة الأدب الذي يفكك الأحداث السياسية ويقرأ انعكاسها وتأثيرها على مصائر الشعوب

ويتابع “هذا سؤال متروك لذائقة القارئ، وشعوره بأن عملا ما دون غيره قد لامس شيئا عميقا في داخله، وأن الكاتب الذي لا يعرفه وربما لم تتح له رؤيته أو الحديث معه يوما يهجس بالكلمات التي تدور في عقل القارئ وينطق بلسانه، كما أن التجريب وتنويع تقنيات الكتابة مسألة لا بد منها، فلكل روائي أدوات تمكنه من تقديم معالجات عصرية للفكرة التي تختمر برأسه”.

ويشدد على أن الكثير من الأفكار النبيلة تفقد قيمتها أحيانا بسبب سوء التطبيق، وأظن أن الجوائز الأدبية ليست استثناء، لكن رغم ما يشوب بعض الجوائز من تجاوزات واعتبارات لا تمت للعملية الإبداعية بصلة، إلا أنه من الإجحاف التنكر لدورها في خلق حراك ثقافي سنوي، وتسليط الضوء على العملية الإبداعية، ومنح الأعمال الفائزة ومبدعيها مساحة واسعة للانتشار، وتحفيز الكُتاب على التجريب والتنويع في عملية الكتابة، وتناول موضوعات جديدة تعالج الواقع وتقدم قراءات للغد وتحدياته.

وأضاف أن ما تفعله الجوائز الأدبية أنها تخلق فضاء من الاهتمام لدى شريحة واسعة من القراء، ما يمنح الأعمال الفائزة منبرا تطل من خلاله على قراء جدد، وهذا ما لمسته عقب حصول روايتي ‘نزلاء العتمة’ على جائزة أفضل رواية عربية ضمن جوائز معرض الشارقة للكتاب عام 2015.

والمشكلة التي بدأت تطل برأسها مؤخرا أن الجوائز أصبحت هدفا تكتب من أجله الروايات، وهذا تراجع مقلق في فكرة الكتابة ودورها، “عن نفسي أرى أن الكتابة أداة فاعلة للوقوف بوجه هذا العبث الذي نعيشه، والرهان على الكتابة هو في حد ذاته رهان على جدوى الحياة، وأتطلع إلى اليوم الذي تكون فيه الرواية صوتنا وتاريخنا الحقيقي، ومنبرنا الذي نطل من خلاله على كل الجهات”.  

  • عن العرب اللندنية

شاهد أيضاً

 بين ألق طمون وربيع عاطوف 

( ثقافات ) بقلم وعدسة: زياد جيوسي     كانت زيارة جميلة قضينا فيها يوما كاملا بدعوة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *