الرئيسية / خبر رئيسي / رحلة الشعر من موجة صوت الشاعر إلى بحر الفيسبوك

رحلة الشعر من موجة صوت الشاعر إلى بحر الفيسبوك

* منصف المزغني

 

في معاني الإنتاج الشعري :

– جاء في اخبار كبار شعراء الفصحى أنّ الشاعر القديم يتعب في / على كتابة قصيدة واحدة تفوز بالرضاء الفني للشعر . ولنا في تاريخنا الشعري العربي مثالان يستحقان التذكير بهما والتوقف عندهما :

-١- الشاعر زهير بن ابي سلمى، الذي كان يقضي عاما ( حولا ) كاملا لكتابة قصيدة واحدة، واذا علمنا أن زهيرا قد عمّر طويلا، فانه ترك النزر اليسير ( وصلنا منه الى اليوم ديوان صغير نسبيا ) .

– ٢ – الشاعر الفرزدق الذي كان له تعبير طريف في قوله ( يأتي علي وقت ، يكون قلع ضرس أهْونّ عليّ من قول بيت واحد في الشعر ) .

-2 شاعر السليقة :

– و دأب الشاعر العربي على جمهور الشعر يستمع اليه في أكثر من مكان خال من تجهيزات عصرنا الحديث، فلا ميكروفون في الزمن الجاهلي ولا هم يصدحون ، ووصلت المعلّقات بأبرز واسطة ( الذاكرة الخالية من همّ آخر غير حفظ أجمل الشعر وأبلغ النثر وأحسن القول )

-3 شاعر الطريقة :

– و جاء في متواتر اخبار العرب : أنّ الشاعرة الخنساء كانت لها طريقة غنائية استعراضية غريبة ومستلطفة في إنشاد شعرها . أمّا الشاعر الاعشى فقد سمّي (صناجة العرب) لانه كان يستخدم آلة ايقاعية (لم نعرف شكلها الى اليوم، إلاّ على سبيل الرواية المتواترة) وقال المثل (وليس من سمع كمن رأى ).

-4 و الشعر الجميل وَصولٌ :

– و كيف وصلنا الشعر الجميل؟ وكيف احتملت الذاكرة الحافظة آلاف الأبيات قبل ميلاد التدوين ؟ لا جواب سوى : لا يوصل الشعر الجميل ولا يحفظه غير الجمال ولطف الخيال

– و كأنّ الشعر الجميل خطاب يقاوم الزمن والذاكرة بجماله الدائم ؟

– وتمّت كل هذه الإنشادات الشعرية، في عراء الكون، وتحت سماء شمس لافحة او تحت القمر (المتهم بالوشاية بتحركات العشاق والسرّاق ) .

– و دون حاجات الشعراء والشاعرات الى ما يتطلبه جيل اليوم المدلّل تكنولوجيا، فلم يكن الشاعر الغني يملك هاتفا نقالا لتسجيل الشعر بالصوت والصورة !

– فمثل هذا الدلال ما ظهر متواترا، إلاّ منذ قرن ونيّف فقط .

-5 شاعر الدلال التكنولوجي :

– لقد صارت المصاحبات التقنية متاحة في عصرنا الآن ( أضواء ليزر، وركح، وموسيقى تنبعث، هادئة أو صاخبة لمصاحبة إيقاع قول الشاعر ، وفي ديكورات متغيرة بين مشهد وآخر، و وسائل إيضاح ذات رموز ودلالات خادمة للمعنى الشعري او للايحاء به)،

– وصار شاعر اليوم يقرأ في البيت، وفي الركن، وفي المقهى، في البحر، أو في الجوّ جالسا ( كما اقترح ابو نواس ) أو واقفا ( كما أمر امرؤ القيس )

– او في السوق الشعبي المفتوح على العابر والجالس والواقف أو متربعا تحت الخيمة …

– ويصل الشاعر اليوم الى جهات الارض الأربع ،،، قبل ان يرتدّ الطرف احياناً،

– وباتت الخيارات كثيرة الغنج، واسعة الدلال، ومتاحة حتى للشاعر الفقير المعاصر .

-6 ضمانات التكنولوجيا المحدودة :

– ولكن …

– لعله صار على الشاعر المعاصر ان ينتبه، ويقتصد في استخدام هذه الآليات المساعدة حتى لا ينخرط في الوهم، فلن تطغى الآليات الحديثة على النص الشعر ي الذي هو كلمات بالاساس، ولن تغطّي ضعف مستواه أن كان ضعيفا .

– ولن تصير الادوات العصرية في التوصيل الشعري إرهاباً يرتدّ على الشاعر الحديث اذا افرط في السرعة التكنولوجية (فالقصيدة في العصر الماضي، كالقصيدة في العصر الحاضر، حلم، ومخاض، وكتابة واعادك كتابة، وشطب، الخ) فلا ينطبق أمر الابداع الشعري كما هو الحال مع قضايا النقل والمواصلات الحديثة،،،

– وذلك حتى لا يحسن الشاعر الحديث الظنّ، بهذه الوسائل، حاسبًا أنها ضامنة لأمرين مختلفين : توصيل كلّ من كتب كلاما، ولكن دون ضمان جودة الشعر، فالوسيلة السريعة لا تبرر جودة البضاعة …

– والدليل هو ان الشعراء الكبار الذين لم يدركوا عصر الفيسبوك، وتويتر، وماسنجر، والهاتف الخليوي،

– لكن هؤلاء الشعراء صاروا مخدومين بالمجّان، عبر الأزمنة والأمكنة ، تم لهم هذا بعد رحيلهم القديم الغابر ولا سبب لمثل شيوع ذكرهم غير : نصّهم الشعري، فقد كان قادرا على التجدًد مع كلّ عصر، فصار الضامن الاكبر لحضورهم في الأزمنة القادمة، على شفاه الناس، وفي ذاكرتهم، لأنّه كان شعر تجربة، ومنذورا للحياة .

-7 للتكنولوجيا حدود :

– ولأنّ وسائل التوصيل، لا تنحرف عن دورها، ولا تتخطًاه، فهي ليست غير : خادمة للنص ّ الهائل، والعبقري القادر على النجاة من سيف النقد الحاد، وعلى البقاء، دون السقوط، من غربال التاريخ القاسي الدقيق،،،

– وهكذا، اذا وجدت ضمانات حقيقية، مع وسائل التوصيل الحديثة، فلن يكون بوسعها ان تتحوّل، إلى وسائل تحيّل و تضليل .

– أو تظليل وتغطية على الشعر الصالح للبقاء صامدا امام شمس الزمن .

-8 قراءة الشعر الحديثة :

– أما قراءة الشعر في الزمن الحديث، فقد تحولت فيه اسواق الشعر القديمة في الهواء الطلق

– الى مسارح ملوّنة مكيّفة الهواء وملونة الأضواء، كما صار الشعر يقرأ، ويوزّع النص الشعري احيانا في النوادي الأدبية العامة، على جمهور المهرجانات ( اذا اراد بعض الجمهور أن يتعرف على الشاعر اكثر، بعد سماعه في إنشاده الشعري في الامسية .

– وفي الشعر، ليس من سمع الشعر مع الناس، كمن قرأ هذا الشعر في خلوة، او في صفحة انترنت، او في جريدة الغد، أو بين دفتيْ كتاب شعريً .

– كأنّ القارئ الحديث للشعر في الزمن الحديث بات محصّنا من النصب والاحتيال . وهذا لم يكن متاحا لجمهور الشعر القديم، باستمرار .

-9 نشر الشعر في ثوان:

– بعد ثورة المطبعة التي حلّت مشكلة الاحتفاظ بالنص الشعري، جاءت ثورة الثورات (وهي تسمية نسبية لحد كتابة مقالنا هذا في نهاية الخمس الاول من القرن الحادي والعشرين) وما هذه الثورة التي نحياها في التواصل الشعري غير (النشر الآنيّ) الذي جعل القصيدة تصل الى مئات ملايين الناس في ثوان معدودة، عبر البريد الالكتروني، ومواقع التواصل الاجتماعي والشعري عبر ( تويتر) و (فيسبوك) و أخواتهما .

-10 شيء من التحفظ و الاحتياط :

– ومن يدري، لعل ثورة اخرى، قد نعيشها، أو يحياها جيل لاحق، وتكون أسرع مما عرفنا، وتخيلنا لايصال الشعر الى الجمهور .

– ولعل فهم الاجيال القادمة للشعر أسرع ممّا فهمناه نحن ؟

– ولعل القادم في إيصال الشعر الى الناس يصير أسرع ! أوألطف ! مع ضمان الشاعرية، ووفق منطق شعاره (لكل عصر شعر) .

– ومن يدري ؟

– أليس من الافضل، لقراءة المستقبل، ان نلجأ إلى شاعر من الماضي هو (زهير )عساه ينجدها في الهروب من جواب واضح عن هذا السؤال، في معلقته القديمة من خلال قوله:

( وَأَعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ وَالْأَمْسِ قَبْلَهُ*

وَلَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَمِ) .

 

  • عن اليمامة

شاهد أيضاً

المعتقد الذي ألقى الله عليه

أحمد إدريس “أدين بدين الحُب ؛ أنَّى تَوَجَّهتْ ركائبُه، فالحُب ديني و إيماني.” (ابن عربي) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *