الرئيسية / خبر رئيسي / حاجتنا إلى فكر الإمام محمّد عبده

حاجتنا إلى فكر الإمام محمّد عبده

( ثقافات )

*حاتم السروي

قبل الشروع في الحديث عن ميراث الإمام المجدد محمد عبده رحمه الله، قد يكون من الأفضل أن نجيب على سؤال يطرحه البعض بلا تفكير كلما عدنا إلى الماضي لنستفيد منه ونرى الحاضر على هديه ونحل مشاكلنا بخبراته، هذا السؤال هو: لماذا الحديث عن الماضي أصلاً؟ ولماذا التنقيب في التاريخ؟ هل هو الهروب من الواقع؟.

والواقع أن الهروب من الواقع لا يكون باستحضار سيرة الماضين وقراءة ما سطره التاريخ، وإنما يكون الهروب عبر بوابة الهراء الذي يطل علينا في الصحف وعلى الشاشات وكلنا يعرف ما الهراء، أو عبر مواضيع الإنشاء التي لا ترصد الواقع محاولةً فهمه وتحليله ومن ثم لا تحل إشكالياته، وهي في جملتها كتابات لا تغني ولا تسمن من جوع.

 أما الحديث عن محمد عبده وقلمه الجريء ومواقفه الشجاعة ومعركته مع الجهل ونزعته النقدية ومواجهاته القوية، الحديث عن كل هذا ليس من الهروب، ولكنه استلهام لسيرة عالم عبقري كان من الممكن أن يستغل ذكاءه ويصل إلى أعلى منصب يحصل عليه أمثاله من الشيوخ، لم لا؟ وقد كان قاب قوسين أو أدنى من مشيخة الأزهر، ولكنه آثر المضي في دعوته الإصلاحية، واحتمل من البلاء ما لا يحتمله غيره، فكانت حياته كلها أو فلنقل أغلبها معركة طويلة لم تهدأ نارها إلا يوم أن توفاه الله، والشيء الوحيد الذي انتصر على محمد عبده هو المرض.

 أما نفيه على مدار ستة أعوام، وتجواله في المحروسة (كعب داير) وما رماه به أعداؤه من تهم، فكل هذا لم يفت في عضده، حتى يوم أن قالوا أنه لا يقرب الصلاة! وهي تهمة يحلو لبعض المغفلين حتى الآن أن يرددوها، مع أن حافظ إبراهيم شاعر النيل وتلميذ الإمام فنَّد هذا الاتهام، وكتب قصيدة تصف أبياتها صلاة أستاذه وما فيها من خشوع وروحانية، ومع أن سيرة الإمام كلها ترد عليهم، وهي سيرة رجل صالحٍ زاهد ومتصوف قضى عمره في النسك ورياضة النفس، ولم يكن تصوفه على طريقة الدراويش، بل كان على منهاج الأوائل من العلماء العاملين، فلا نعجب إذن من هجوم السلفيين والصوفيين عليه، واختلافهم في كل شيء إلا في الهجوم على محمد عبده وأفكاره.

وأقول: إن الحديث عن محمد عبده سببه أولاً وقبل كل شيء أننا مع الأسف أعدنا تدوير القمامة، بمعنى أن كل ما كان يحاربه الإمام عاد الآن وبضراوة أكثر من ذي قبل وإن كان بشكلٍ مختلف قليلاً وبما يلائم العصر! إذ تغيرت الهيئات والملابس وبقي انعدام الوعي والثقافة، وفشو الجهل والخرافة، ومعركة لا نعرف نهايتها بين فئتين إحداهما تقول أنها مع التنوير، والأخرى تزعم أنها صوت الإسلام، والحاصل أن كلتيهما لا تقدمان طرحًا عميقًا موضوعيًا، بل تبدو عليهما آثار الضعف العلمي الشديد عبر خطاب هزيل فيه القليل من المعرفة، والكثير من الخصومة التي لا تليق بالمثقفين، وهي ليست خصومة أفكار بقدر ما هي تعبير عن الغل والشحناء، وتناقضات صارخة بين التزمت من ناحية والتسيب من أخرى، والكل غارق لأذنيه في خطاب أهوج وغوغائي ومتطرف، ما الحل إذن؟.

 الحل كما بينه محمد عبده في إعمال هذه القوة الإنسانية الخالدة، هذه الملكة التي وهبنا إياها الخالق فكان منها العلم والعمل والفن والفكر والحضارة، عودوا إلى عقولكم، تفكروا بمنطقية، تأملوا فما حولكم، إن العقل أداة الإدراك والكون أجمع صحيفته التي يقرأ فيها، نَحُّوا عنكم الأهواء والعصبيات وابحثوا عن الحقيقة، تعلموا أصول دينكم وافهموا جوهر الدعوة المحمدية والتعاليم الإلهية، أصلحوا دينكم حتى تنصلح به دنياكم.

ونحن اليوم ندعو إلى ثقافة دينية عميقة ومستنيرة قائمة على الفهم وليس على التلقي دون تفكير، وهذا عينه ما دعا إليه الإمام، فلَكَم دعا إلى نبذ التقليد، وساءه أن يرى التعليم الأزهري مفتقدًا لسمة البحث والنقد والتمحيص وطلب الدليل، مقتصرًا على ترديد ما قاله وسطره علماء القرون المتأخرة في عهود الأتراك (المماليك وآل عثمان) والتمسك بحرفية النص في إهمال واضح للنظر والتأمل واستحضار المقصد العام والمبادئ الكلية، وضعف شديد في استنباط الأحكام؛ ذلك أن علماء الفترة التي عاش فيها محمد عبده كانوا يعانون من تراجع العلوم العقلية وضمور واضح في علوم الكلام والمنطق وأصول الفقه، أما الفقه نفسه فكان قصارى أمرهم أن يقلدوا الشافعي أو مالكًا تقليد من لا علم له بالدليل أو بالأصول التي عليها يكون تخريج الأحكام، وحتى نبدو منصفين يمكن القول أن العلماء وقتها إلا من رحم الله كانوا يحفظون أصولاً لا يطبقونها على فروعها، لذلك سماهم الإمام بـ “الحفاظ” فهم حفاظ وليسو فقهاء، لأن الفقه هو الفهم، فأين الفهم عند أناسٍ لا يعرفون من الشريعة إلا ما قاله ابن فلان أو أبو فلان من العلماء الماضين، فإذا جَدَّت مسألة لم يكن لهم بها عهد جعلوا ينظرون في كتبهم الصفراء فلا يجدون لها حلاً ولا مخرجًا، ولا تراهم إلا حيارى لا يعرفون كيف السبيل.

وإن تعجب فالعجب كله من علماءٍ هذا مبلغهم من العلم، وهم لا يعرفون لأي شيءٍ قلدوا الشافعي أو أبا حنيفة، ثم يكون بأسهم بينهم شديد، فهم يتعصبون لأئمتهم وكأنهم أسسوا ديانات، مع أن الواحد منهم ما كان ليلقلد مذهبًا لو لم يكن عليه آباؤه وعشيرته الأقربون!.

 وهم إلى ذلك مولعون بالتكلف وتعقيد المسائل وصرف الأعمار في تعلم جزئيات الوضوء والطهارة وهيئات الصلاة، وكل هذا صرف الناس عن تعلم الشريعة، وكيف يتعلمها بهذه الشاكلة رجلٌ يسعى في قوت عياله، أم كيف يقبل عليها المثقفون وكتبها التي وضعها أمثال هؤلاء صعبة طويلة ولا طائل منها؟! أما الحكام فقد اختصروا الطريق واحتكموا إلى قوانين وضعية بعد أن رأوا التقليد والتعقيد والتضارب في الآراء، ولنا أن نتسائل عن مدى حاجتنا إلى هذه الأبحاث المعمقة في أحكام الصلاة ورسولنا الكريم صلوات الله عليه ما زاد فيها على أن قال: “صلوا كما رأيتموني أصلي” وشرح صلاته عليه السلام لا يحتاج أكثر من وريقات قليلة.

فإذا كان هذا هو حال المقلدين من العلماء، فما هو إذن حال من أراد التجديد منهم؟ لم يكن في عهد الإمام ممن يرفع شعار التجديد غير الوهابية وأتباع ابن تيمية، ومرة أخرى يعلن الإمام رأيه بوضوح ويؤكد أن هذه الدعوات لم تؤتِ ثمرتها، فأما دعوة ابن تيمية فهي دعوة إلى تغليب  المستوى الأول من فهم النصوص دون إعمال النظر العقلي، إنها إذن دعوة جامدة وهي المهد الأول لفقه الظاهر الذي امتلأ به خطاب السلفية المعاصرة، ومعلومٌ أن سلفية محمد عبده ودعوته إلى الرجوع لميراث القرون الثلاثة الأولى لا تماثل سلفية ابن تيمية وتابعه النجدي، بل إن الإمام قال في حق الوهابية: ” إنهم أضيق أفقًا وأحرج صدرًا من المقلدين، فهم وإن أنكروا كثيرًا من البدع، ونَحُّوا عن طريق الدين كثيرًا مما أضيف إليه وليس منه، إلا أنهم يرون وجوب الأخذ يما يُفهَم من اللفظ الوارد والتقيد به دون التفات إلى ما تقتضيه الأصول التي قام عليها الدين، وإليها كانت الدعوة ولأجلها مُنِحَت النبوة، فلم يكونوا للعلم أولياء ولا للمدنية أحباء “. (نقل هذا النص عن الإمام الشيخ عبد المتعال الصعيدي في كتابه الشهير والمهم “المجددون في الإسلام” طبعة مكتبة الآداب صـ 538).

ومما سبق يتبين أن الإمام رحمه الله كان حربًا على التعصب أيًا كان مصدره، وهو الذي يستحق وصف المجدد، فالتجديد الإسلامي هو عودة إلى الأصول، واتباع للمادئ الأولى وروح الرسالة التي نزلت على أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم، وبهذا المعنى يكون محمد عبده سلفيًا بامتياز، ورغم سلفيته فإنه كان ينظر بغير قليل من التسامح إلى كل المدارس الكلامية، وكان يعرضها جميعًا بصورة لا رُجْحَان فيها لمذهب على آخر، فكل المذاهب من الإسلام خرجت ونحو فهم الإسلام سَعَتْ، وطالما أنه ليس في الإيمان تقليد، وأن الاجتهاد مطلبٌ شرعي حتى في العقائد (فيما دون الأصول بالطبع) فينبني على ذلك أن المجتهد معرضٌ للخطأ، ولكن هذا الخطأ واقع القبول عند الله إذا كانت الغاية من سير صاحبه أن يصل إلى الحق ويدرك مستقر اليقين.

ولما كان الإمام لا يقلد في العقائد بل يبحث عن الدليل أينما كان فإنه من غير المناسب أن نرده أو نرد آراءه إلى مدرسة الاعتزال، وهذا لأكثر من سبب، فأما السبب الأول فيكمن في رفض الإمام نفسه لوصفه بالاعتزال! بمعنى أوضح أن هذه التهمة – إن صح اعتبارها تهمة- قيلت في وجه الإمام، ومن الذي قالها؟ إنه الشيخ عليش المعروف بتصلبه في الدين وسرعة غضبه، فلهذا نراه يقول مسائلاً شيخنا فيما يشبه التحقيق: بلغني أنك رجحت مذهب المعتزلي على مذهب الأشعري…..؟ فقال الشيخ: إذا كنت أترك تقليد الأشعري فلماذا أقلد المعتزلة؟! إني أترك الجميع وآخذ بالدليل.

وعلى هذا الأساس الواضح سارت دروسه في علم العقيدة بناءً جديدًا يقوم على براهين قطعية، وتجديدًا لما كان قد بَلِيَ من العلوم العقلية، وأكثر من هذا أن تعريفه لعلم التوحيد يكشف لنا بعده التام عن آفة التقليد التي لم يسلم منها المتكلمون، فيقول الإمام في رسالة التوحيد: ” إن الدين الإسلامي دين توحيد في العقائد لا دين تفريق في القواعد، العقل من أشد أعوانه، والنقل من أقوى أركانه… الغاية من هذا العلم القيام بغرضٍ مجمع عليه، وهو معرفة الله تعالى بصفاته الواجب مثولها له مع تنزيهه عما يستحيل اتصافه به، والتصديق برسله على وجه اليقين اعتمادًا على الدليل لا استرسالاً مع التقليد، حسبما أرشدنا إليه الكتاب، فقد أمر بالنظر واستعمال العقل فيما بين أيدينا من ظواهر الكون، ونهانا عن التقليد بما حكى من أحوال الأمم في الأخذ بما عليه آباؤهم “.

ويؤكد محمد عبده أن الفرق الكلامية ظهرت ملائمة لظروف عصرها وانعكاسًا لهذه الظروف التي أصبحت في ذمة التاريخ، وليس في الوقوف على مذهب الأشعري وأقوال ابن تيمية ما يعيد الزمان من جديد فالماضي لا يعود إلا إذا عاد اللبن في الضرع، وعلينا تجاوز تلك الصراعات الفارغة بين السلفية والأشعرية، فهذه الصراعات لم يعد في مُكْنَة العصر أن يتحملها، كما أن السلفيين الآن ودون مجازفة لا يعرفون من سلفيتهم إلا قشورا، ولا يدرك الأشاعرة إلا قليلاً أصول مذهبهم وجزئياته، فالخلاف إذن ليس على شيء، إنه مجرد نقاش بيزنطي لا يخبو ولا ينتهي، ونار تبتلع المتدينين من الشباب فتحيلهم بعد الالتزام أنصاف متدينين أو غير متدينين وأحيانًا ملاحدة!.

إن المخرج من التيه الذي نعاني منه هو فهم الإسلام، والفهم إنما يكون من مصادر هذا الدين، وعقيدتنا من أين تأتي إن لم تأتِ من كتاب الله وسنة رسوله؟ فعلينا إذن كما وضح الشيخ أن نتأمل في كتاب الله وأن نحيي فضيلة التدبر، وما النظر الذي دعا إليه إلا التفكر مع الروية والاستدلال، باختصار يمكن القول أن النظر هو التفكير الذي يستطيع به المكلف تحصيل المعرفة، إنه تفكير يقوم على البرهان، وهو أول أصل وُضِعَ الإسلام عليه، فالنظر هو الوسيلة للإيمان الصحيح، وهو حجة الإسلام علينا، وإن الإسلام قاضانا إلى العقل، ومن قاضاك إلى حاكم فقد أقر بسلطانه، والعقل سلطان، فكيف يمكن أن يدعونا الإسلام إلى الثورة عليه وهو الذي طلب منا طاعته؟؟.

وبناءً على ما سبق يصبح النظر العقلي هو الواجب الأول على المكلفين، والوهابية يقيمون حربًا شعواء على هذا المفهوم، ويقولون أن الواجب الأول هو الاستماع إلى كلام الله وسنة نبيه صلوات الله عليه، مع أن الإسلام صريح في دعوته إلى إقامة الإيمان الديني على اليقين الراسخ والاقتناع التام، فكيف يكون الاقتناع بغير عقل؟ والمشكلة هي أنهم لا يعرفون العقل، فهم يعتقدون على غير الصواب أنه يرادف الهوى، وقد بين الإمام أن العقل الذي يؤدي نظره إلى يقين تثبت به النفس ويطمئن به القلب هو الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، والفطرة هي اسمٌ لمجموع العلوم الضرورية التي خلقها الله ابتداءً وتسمى كلها عقلاً، هذا ان اجتمعت، أما إذا انفرد أحدها عن الباقين فلا تسمى بذلك.

وتعريف الإمام قريبٌ من تعريف القاضي عبد الجبار للعقل والقاضي من رؤوس المعتزلة ويقول أن العقل هو ثمرة اجتماع لعلوم ضرورية مخصوصة تساعد الإنسان على النظر والاستدلال وأداء التكاليف، وهذا التعريف هو ذاته ما ذكره الأشعري وإن اختلفت الصياغة، فلا خلاف بين المعتزلة وأبي الحسن في العقل، وإنما يختلف الأشعري في إيجاب النظر بالدليل السمعي، وهو ما ذهب إليه الشيخ محمد عبده، وذلك أن الدعوة إلى إقامة الإيمان على أساس العقل هي دعوة الإسلام في كتاب الله الكريم، ونحن في غنى عن سرد الآيات القائلة بهذا المعنى فشهرتها تكفينا ومن لم يعرفها فما قرأ القرآن ولا نظر في المصحف وقد كفانا الرد عليه فهو لا يعرف دينه.

وإذا كان الإسلام يطلب من أتباعه أن يقيموا إيمانهم بالله على أساس الدليل العقلي؛ فإن الإيمان كله بذلك يجب أن يقوم في كل تفاصيله على العقل، لأن الإيمان بوجود الله هو رأس العقائد كلها وعليه تنبني بقية المعتقدات، فلا تقليد أبدًا في مسائل وقضايا الإيمان، وإيمان المقلد لا يكون صحيحًا، لأنه ليس بمستيقن، وكل غير مستيقن في علم الأصول على ريبٍ منها، ومن كان كذلك فهو كافر، هكذا بكل وضوح.

لقد دعا الإسلام إلى الإيمان بوجود الله وبوحدانيته ولم يعول في هذه الدعوة إلا على تنبيه العقل إلى التأمل في الكون، واستعمال القياس الصحيح، والرجوع إلى ما في الكون من النظام والترتيب، وتعاقد الأسباب والمسببات، ليصل المرء بذلك إلى أن للكون صانعًا واجب الوجود، والإسلام في تعويله على العقل يترك له البراح كيما يجري في سبيله الذي سنته له الفطرة دون تقييد، فلا يقيده بكتاب ولا يقف به عند باب، وأما حجة المقلدين التي ألفناها منهم وهي قولهم أن العقل قد يخطئ ويضل، فيرد عليها الإمام بقوله: “الخوف من الضلال هو عين الضلال” ثم إن العقل هو الفطرة وما الفطرة إلا فكرٌ سليم قد احتجب عن الشهوة في إدراكه للأمور وفي حكمه عليها.

وأخيرًا يرشدنا الإمام إلى حل تلك المعضلة الشهيرة وهي ما العمل إذا تعارض العقل مع النقل؟ والجواب أنه إذا تعارض العقل مع النقل أخذنا بما دل عليه العقل وبقي في النقل طريقان: الأول التسليم بصحة المنقول مع الاعتراف بالعجز عن فهمه وتفويض الأمر إلى الله تعالى في علمه، والثاني: تأويل النقل مع الحفاظ على قوانين اللغة حتى يتفق النقل مع ما أثبته العقل، وهذا الحل هو ما اتفق عليه أهل الملة إلا قليلًا ممن لا يُعتَد برأيهم لرداءة أفهامهم وقلة بضاعتهم في العلم.

وإذا آمن المرء بدين الإسلام عن قناعة تامة واختيار حر وأساسٍ عقليٍ متين فيجب عليه الانصياع التام لأوامر الله والبعد عن نواهيه، وأن يتعلم دينه جيدًا، وأن يجعل لإيمانه ثمرة عملية فلا يقول ما لا يفعل، فإن من أخس الأوصاف وأدناها أن يقول المرء ما لا يفعل، ومن أسفٍ كما يقول الإمام أن الكثير من أهالي بلادنا بل أغلبهم يقولون ما لا يفعلون، بل إنك لا تجد القائل الفاعل إلا قليلاً جدا!.

وترشدنا العبارة الأخيرة إلى نوعٍ من النقد الاجتماعي مارسه الإمام في جرأةٍ بالغة، فقد ذكر عيوب المجتمع كما هي دون تَهَيُّبٍ ولا وجل، وهذا لإيمانه العميق بأن صلاح الأمة لا يكون إلا بعد الكشف عن عيوبها، وهو يحارب داء الجهل بالدين، والجهل بالدنيا كذلك، فالجهل كله مرفوض، ويخبرنا أن جهل عامة الناس بدينهم جعلهم يقعوا أسرى الدراويش وحكاياتهم عن الأولياء ومبالغتهم في تعظيم القبور وأصحابها، وحكى الشيخ يوسف النبهاني أن الإمام كان ينكر وجود السيد البدوي من الأساس ويقول أنه إسمٌ بلا رسم، يعني حكاية ألفها البعض أو ربما نسجها المخيال الشعبي وانتفع بها نفرٌ جعلوا التصوف من أسباب الكسب، وبالجملة فإن هذا السيد لا وجود له، آية ذلك أنه ظل مجهولاً زُهَاء قرنين من الزمان، وتحديدًا منذ القرن السابع الهجري الذي قيل أنه عاش فيه وحتى القرن التاسع الذي بدأت فيه حكايته تظهر ويزيدها خدام الضريح الوهمي كل فترة حتى يجذبوا الناس إلى سيدهم المعدوم فيدفعوا المزيد من النذور ويذبحوا المزيد من الذبائح وكل هذا يرفضه الإسلام، حتى لو سلمنا أن السيد البدوي موجود وأنه من أولياء الله الصالحين.

 كما حارب الإمام داء الكسل والخمول، وتحدث مرارًا عن التواكل، وعن حرية الإرادة، وأن المذنب يستأهل عقوبة ذنبه فهو الذي انتواه وسعى إليه، ومن أجل هذا رموه بالاعتزال، وزعموا أنه ينفي قدرة الله في خلق أفعال العباد، مع أنه وضح أن الله يعلم الذنب قبل وقوعه بعلمه الأزلي وعلمه سبحانه لا يعفي المخطئ من تحصيل الإثم، ولا شك أن الجبرية في مسألة القدر هي التي ولدت الروح السلبية عند بعض المسلمين، فقد تغالى كثيرون في التوكل والاعتماد على الله حتى قعدوا عن طلب الرزق، وقالوا ما الداعي إليه ونحن على يقين أن الله هو خالقنا ورازقنا والكل دونه عدمٌ على التحقيق، والرزق لا يأتي بالحِجَا ولا بالسعي وإنما بإرادة الله وليس مع إرادته إرادة!.. هكذا تمادوا في الشطط حتى انتهى الحال بأمتنا إلى شيوع روح الفشل والبلادة.

والإمام رحمه الله يؤمن تمامًا أن كل مبدأ في العقيدة الإسلامية والتشريع له فائدة عملية، وأن الهدف من الدين هو مصلحة الناس وسعادتهم، وأصول هذا الدين تدفع إلى تغيير الواقع الإسلامي لما هو أفضل وذلك إذا فهمها المسلمون وطبقوها جيدًا، بل إن التوحيد وهو أصل الدين الأول والأهم له فائدة عملية عظيمة؛ إذ يحرر الإنسان من عبوديته لغير الله، وبالتالي من الخرافات، فينطلق في حياته يفهمها بالعلم وينتفع منها بالعمل، فهو يؤمن أن الله وحده خلق الدنيا ومنحها السنن والقوانين التي تمشي عليها وطالما عرفنا هذه القوانين فإننا نستطيع التعامل بما يؤمن مخاوفنا ويحقق مصالحنا ويوفر لنا ما نحتاجه، ولا تأثير لأحدٍ غير الله  وهذا ما يجعل المؤمن على يقين أن أحدًا غير الله لن ينفع ولن يضره فلا يخاف إلا من خالقه سبحانه، ولا يذل لتمثال أو حيوان أو إنسان مثله، وفي هذا تكريم وارتقاء للجنس البشري، وتحرير للإنسان من عبوديته لأخيه الإنسان فالتوحيد بهذا يخلق الحرية والحرية تخلق معها المساواة فلا سلطان لأحدٍ على أحد وبالتالي يتساوى الجميع، ولعل هذا  الطابع العملي عند الإمام هو الذي حدا بالدكتور عثمان أمين أن يقول في كتابه “رائد الفكر المصري”: إن فلسفة الإمام لها طابع برجماتي.

وأخيرًا أقول إن حقل الدراسات الفلسفية الذي يشرف الكاتب بأنه كان من طلابه إنما يرجع الفضل في إنشاءه ودعمه إلى تلاميذ الإمام محمد عبده وعلى رأسهم تلميذه المحبوب لديه والعزيز عليه الشيخ (مصطفى عبد الرازق) فإن الإمام لما عَوَّلَ على العقل كل هذا التعويل اهتم بعلم المنطق لأنه ميزان الفكر ومعيار القول السديد، كما أنه رحمه الله شرح كتب علم الكلام وبرز في هذا الميدان، فلم يكن غريبًا على تلميذه النجيب أن يدرس الفلسفة ويبرع فيها ويكون له الفضل مع غيره في إدخال دراستها إلى الجامعة المصرية، ومن تلاميذ مصطفى عبد الرازق الكاتب نجيب محفوظ، فانظروا بالله عليكم كيف كان محمد عبده سببًا في نهضتنا الفكرية والأدبية بل إن سعد زغلول رحمه الله ليس إلا حسنة من حسنات الإمام، فرحمه الله وجزاه عن مصر خير الجزاء.

شاهد أيضاً

اجيئك حيث تكونين

( ثقافات ) يسرنا في ” ثقافات ” أن ننشر تاليا كتاب: اجيئك حيث تكونين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *