الرئيسية / خبر رئيسي / تشظّي الذات في رواية «الخاتم الأعظم» للروائي السوري زياد حمامي

تشظّي الذات في رواية «الخاتم الأعظم» للروائي السوري زياد حمامي

(ثقافات)

*موسى إبراهيم أبو رياش

الحرب، أي حرب، كارثة إنسانية، تؤدي إلى تغيرات، وإعادة النظر في الأولويات وكثير من الأمور، وربما تغير المفاهيم، والنظرة إلى الحياة والأشياء، والعلاقات مع الآخرين، تعيد ترسيم كثير من الحدود على الصعيد الشخصي والاجتماعي. هذا إذا كانت الحرب ضد عدو واضح لا شك فيه؛ محتل أو مغتصب أو معتدٍ، ولكن إذا كانت الحرب قتالًا بين أبناء الوطن الواحد،  بين فرقاء يرى كل منهم أن الحق معه، ستكون الآثار الناجمة أضعافًا مضاعفة، وعندما يتعدد الفرقاء، وتتعدد ولاءتهم، ويتشتت الناس بينهم، ويختلط كل شيء، تكون الأمور متداخلة، متضاربة، متشابكة، فلا حق بين، ولا باطل بين، ويقع المواطن المسكين بين أنياب وحوش ضارية، فكل الفرقاء يرونه عدوًا إن لم يكن معهم، فلا يُقبل الحياد، ولذا فهو يبقى تحت مرمى نيرانهم وقناصتهم، وهو برسم الموت في كل لحظة من لحظات حياته، سواء أبقي حبيس جدران بيته، أم أطل برأسه من الشباك، أم تجرأ وسار في الشارع لشراء ربطة خبز، فهو مشروع قتيل، وإذا نجا ليلة، فينام بانتظار يوم جديد من ترقب الموت إن سلم ليلته تلك.

الحرب الأهلية تعطل المنطق، وتلغي دور العقل، وتدمر رتم الحياة، ويبقى الأحياء إلى حين موت في تيه وضياع وخوف في كل لحظة، لا يدرون من أين تأتيهم رصاصة أو قنبلة ومتى؟ والحرب الأهلية في مدينة حلب الشهباء، مدينة التاريخ المعتق، والحضارات المتعاقبة، والحضور الزاهي المشرق، كما صورتها بصورة دقيقة مرعبة رواية «الخاتم الأعظم» للروائي زياد كمال حمامي، حرب مدمرة، حرب لا تبقي ولا تذر، حرب مجنونة، حرب لا أخلاقية، حرب على كل شيء؛ على الإنسان والحيوان والنبات والبنيان، على التاريخ والجغرافيا، حرب محو وخراب، حرب بلا قيم ولا قواعد ولا قوانين، حرب قذرة، مجرد حرب، حرب كل شيء على كل شيء.

والمثقف بطبعه، يعاني صراعات متعددة، فهو على خلاف مفترض مع الواقع والسلطة، يحلم بواقع أجمل وأبهى وأفضل، ويأمل بسلطة تكون من الشعب وفي خدمة الشعب، وفي المقابل، فهو إنسان له أسرته وحياته وواقعه المر الذي يجب أن يتعامل معه بخيره وشره؛ ليبقى على قيد الحياة بأكبر قدر مستطاع من الحرية والكرامة، ومن هنا تبدأ حالة التشظي التي لا بد منها بسبب ما هو كائن وما يجب أن يكون، بين المبادئ والقيم وبين الضرورات الحياتية الضاغطة.

وفي الحرب الأهلية، عندما يكون المكتوي بنيرانها مثقف واعٍ، وأستاذ جامعي، وإنسان منتمٍ إلى وطنه ومواطنيه، إنسان مشبع بحب الحياة والوطن والإنسانية والحرية والعيش الكريم، كالدكتور زين في هذه الرواية، وهو يرى ما حلّ بمدينته من خراب وتدمير بشع، لا بد أن يقع فريسة أنياب الضياع العقلي، وعدم الفهم لكل ما يحدث، فما يحدث لا تفسير له ولا بأي منطق، مهما كان شاذًا، فهي حرب تستعصي على كل منطق وفهم، ولذا ضغطت هذه الحرب بقسوة على الدكتور زين، وأدت إلى تشظٍ متعدد في ذاته وفي وعيه وفي سلوكه، فما يحدث يؤدي إلى الجنون، وحسبه تشظيه وصراعه الداخلي، فهو يعاني حربين، حرب أهلية قذرة مجنونة، وحرب داخلية في أعماق روحه وقلبه وعقله وعواطفه، حرب انعكست على كل شيء، وظهرت تمثلاتها في عشرات النماذج في ثنايا الرواية بشكل واضح، بالإضافة إلى تأثيرها المستتر الذي لا يخفى على القارئ، بل إن الرواية بمجملها ترجمة لتشتت الذات وانشطارها وتشظيها.

لا يستوعب د.زين هذه الحرب؛ كيف ولماذا ولم ومتى وأين ومن؟؟ لأنها حرب عبثية، وهو «رجل لا يملك نفسه، …، وتندرج نشوته في التأمل، والانخطاف، والتماهي، يصهره ألم ما يجري، وتتحول الأحداث الدامية في بصيرته، رغم بنيته الجسدية القوية، وتجلياته، وتماهياته، إلى أنفاس من الياسمين، والورد الجوري الأحمر، وشقائق النعمان، تتصاعد إلى السماء من شرايين القتلى الأبرياء، والمهاجرين والشهداء!»(9)، وما أصعب أن يتردد البصر مصدومًا بين جثث تملأ الطرقات أو مهاجرين يتربصون ليفروا، أو باقين يتقلبون من خوف إلى رعب، إنه القلب إذ ينفطر، والعقل يُصاب بالشلل؛ «يحاول د.زين، أن يمتص الصدمة القاسية، وأن يفكر، ويدرك، معنى ما يحدث الآن من الفواجع الصارخة، ولكن هيهات أن يقف نور الضوء الأبيض في وجه التحولات المتسارعة، وتشظيات الزمن الأغبر الذي لم يأت بعد!»(10)

وما يحدث، يزلزل كل يقين «تدور عجلة الزمن بالدكتور زين، تجرده من وجوده.. هل أنا هو: أنا؟! أم أنت هو أنا؟! بل من نحن جميعًا؟! وأين نعيش؟! ماذا يحدث لي.. وكأنه يحدث/لا يحدث؟!»(26)، وهو «يحار، لا يجد تفسيرًا، ويستمر في سؤال ذاته: كيف تحيلني/نا الفاجعة إلى بيدق في لعبة شطرنج، أو إلى روح شاردة بلا توازن، بلا وجود، والحاضر أقسى مما يحتمله جسد أدمي أو روحه»(26).

ويتمزق قلبه وهو يراقب طفلته نوران «ترسم دبابة تطلق النيران على الأطفال… ترسم وردة مضرجة بندى الدم الذي يسقط منها دموعًا حمراء… ترسم قلبًا مسيجًا بالنيران.

تمزق الصفحات، يتمزق قلبه ويتناثر فوق تلال القهر، يتزلزل كيانه، تتوقف كلماته التي يريد أن يرسلها إليها، وتتعثر الحروف بعد أن تصل إلى طرف اللسان، تنبعث خفقات الطفل الذي في أضلاعه، وثمة صوت رهيف يهمس في أذنيه ليخبره: كم أنت بريء، صغير مثل عصفور»(31)، إنها الطفولة الموؤدة، الطفولة الغارقة  في أنهار الدم وأشلاء القتلى، والمحترقة بالنيران تلتهم كل شيء، وتلتهم أحلام الأطفال ومستقبلهم.

وتزداد معاناة د.زين عندما يتحتم على أولاده الالتحاق بخدمة العلم؛ لقتال مختلف الجماعات التي ضد النظام، وهذه الجماعات تختطف الشباب لقتال النظام، فيقع في حيرة، وتتشظى ذاته، ويخاطب أولاده بحزم: «نحن لم نخلق لهذا… أفهموني يا أولادي… لن ننضم لأي طرف … لن أسمح لكم بأن تقتلوا بعضكم بعضًا… لا أريد لأحد منكم أن يكون قاتلًا ظالمًا، ولا مقتولًا مظلومًا»(28)

«وإذا كنا من المؤيدين، فإننا لا نسلم من الاعتقال والتعذيب من قبل المعارضةّ!؟ وإذا كنا من المعارضين، فإننا لا نسلم كذلك من النظام!؟ … نريد أن نفهم شيئًا واحدًا… ويلقي بسؤاله الممزوج لكل الوجود، لكل المتبابعين: من نحن في نظرهم جميعًا؟ من نحن؟! هل نحن حشرات؟! هل نحن فئران في مختبراتهم؟!»(76)

فمعارضته للنظام لن تشفع له عند خصوم النظام على الرغم من حياته الطويلة في حلب، وانتماؤه الطائفي لن يشفع له عند النظام، فهو عند جميع الأطراف عدو، وهذا بحد ذاته ودون حرب، كفيل بجنون صاحبه، وتبخر إيمانه بكل شيء، ولكن د.زين وطني محب لوطنه ومدينة حلب التي عشقها وأدمنها، وهو يؤمن بالإنسان وحقه في الحياة، ولذا فهو يعاني التشظي من هذه الحالة التي لا يستطيع الفكاك منها، ومن يستطع أن يتبرأ مما ورث، وممن أحب؟!

يلجأ د.زين وأسرته إلى شاطئ المتوسط، حيث رأس البسيط، موطن أمه وطائفتها، بحثًا عن ملاذ، عن أمل، عن هدنة مع ذاته، ولكن معاناته هي هي، وإن تحولت من حال إلى حال، ففي رأس البسيط «تقسمه سكين الألم إلى نصفين، يقف بين كل نصف برزخ يحجب الأنين، والحسرتين. حزن هنا مثل الذي هناك، ودمع هنا مثل الذي هناك، وكل ما هنا حدث مثله هناك. … تنفجر شرايين عينيه، ينساب الدمع على الخدين، يحاول أن يمسح احتراق الدمع في مقلتيه شجنًا، يمسح قهره، يتأوه متحسرًا: (هنا يموت أولاد خالي الذين أحبهم، وهناك يموت أولاد عمي الذين أحبهم أيضًا. فما العمل؟!) يفكر قليلًا، ثم تقفز إلى رأسه فكرة أن المنتصر لن يرضى عنه، وأن المنهزم لن يغفر له؟! يحس بدوار يشكل تفكيره، يشتته، يشظيه، وها هو يمضي في طريقه، كأنه هو نفسه، لا يشبه نفسه»(179).

يشعر د.زين بغربة وضياع، فما ذنبه إن ولد لأبوين من طائفتين مختلفتين؟ ولم يتحمل وزر إرث لا يد له فيه؟ «يمضي بلا إحساس، بلا شعور أنه هو نفسه..! هل هو فعلًا زين، الذي ولد من أب وأم مختلفين مذهبيًا؟! وها هي الأيام تمر، وتصبحان طائفتين تتقاتلان بضراوة وبلا رحمة، الأولى تنشد الانعتاق من الاستبداد، والأخرى التي تعتبر من الأقلية تدافع عن وجودها، من أنا؟! آه هـ هـ.. أنا إنسان آخر في روحين، وكل روح تتجلى، وتتماهى، وتقودني إلى حيث لا أعلم ولا أدرك؟! ولعلك أنت نفسك تدرك خطورة هذا الأمر أكثر مني، ونتائجه، وهذا مصدر شكي وألمي، وأنا لا أعرف الآن نهاية المصير »(181).

وتختلط عليه الأمور، وينتشر ضباب، يججب الرؤية، ويتساءل: «في أي يوم نحن؟! السبت أم الجمعة، أم الخميس؟! وكل أيام اللجوء حريق. … تضيع الأيام في غربة الطريق، وفي بقايا البيادر، تحت الرماد بعد موسم الحريق»(121). ويشعر أنه يكبر، يهرم، ويخاطب ذاته الأخرى/شظيته: «ها أنا أنظر إليك، أنت مثلي، ولا أجدك تختلف عني، جسد منهك، وروح ضائعة، كنت أتصورك بطلًا شعبيًا على أهبة القتال، وقيادة الاشتباكات المتتالية، اليومية، ولكنني أجدك ضعيفًا، تمشي كالعجائز، منهارًا، متهلهلًا، منكسرًا، جئت إلى هنا هاربًا من الوشايات، والغدر والموت: (ما الفرق بين النائم والميت يا صاح)؟! تصمت أنت، ولعل صوتك الساكن فيَّ، يهتف كما تقول دائمًا من أعماقك الجريحة: إن تكلمت تألمت، وإن لم أتكلم أتألم»(130)

ويخاطب البحر، يخبره بالحقيقة الفاضحة: «أنا يا بحر من نصف شعب يموت قصفًا، وجوعًا، ونزوحًا، والنصف الآخر يعيش تحت الخراب، وبينهم الشطار وقطاع الطرق، وبعض الأنبياء والأطفال الشهداء»(142)

وفي ملجأه في لبنان، يسمع بخبر انفجار سيارة مفخخة أمام مسجد عمري سني في طرابلس، وكنيسة مسيحية في حلب، فتميد به الأرض عجزًا وقهرًا  «تنشطر روحك، تتشظى، تتألم، ولكن لا أحد يعرف سر التماهي في روحك، وأنت، أو لنقل د.زين، يهتز كيانه، يوشك على البكاء، ولم يعد القلب يحتمل أن يرى المشاهد المتتالية للخراب، وللشهداء، أو أن يسمع الحكايات عنها»(229).

وما يحدث، عصي على الفهم والاستيعاب، ولذا فإنه «يتساءل بينه وبين روحه النازفة: هل هناك قوى خفية تلعب بنا كما تشاء على رقعة النزوح؟! نحس معًا بكل ذلك، ونشعر به، ولكن لماذا يباغتني شعور خاطف يسألني: (هل نحن أحياء حقًا؟! أم أننا في كابوس رهيب؟!) أقرص ساعدي، أتألم، وأستغرب أنني لست في حلم!»(270)، وما أقسى وأفظع أن يعيش المرء في واقع كابوسي مرعب، يشك كل لحظة في واقعيته، ويتمنى أن يستيقظ منه، للخلاص من معاناة لا تنتهي، ولكنه أمل بعيد المنال كما يبدو « أنا هنا، وكأنني لست هنا، ولست أنا!

وها أنذا أمشي فوق الأرض التي يكسوها البياض، ظلت معي، ولا آبه لشحوب وجهي، ولعيني الحزينتين. هنا ألف وجه يشبهني، وألف نازح مثلي يتألم، ولكنني رغم ذلك أتساءل: هل كنت في كل خطواتي أخوض معركة حامية بين نفسي ونفسي؟! أم أنني كنت أبحث عن روحي التائهة؟ أو عن مكان ضيق صغير اختفى وضاعت دوربه؟! هل كنت أدور، وأدور مثل أجنحة مروحة كهريائية؟ أو مثل طواحين الهواء؟! وإلا ما معنى أن كل ما فعلته حتى الآن مجرد تبديل للمكان، انتقلت من مخيم إلى مخيم آخر، هاجرت، أو بالأصح نزحت قسريًا، والزمن لا يمكن أن يتوقف، وأن يعود إلى الوراء، والمكان هو المكان، أو كما هو في حالتي اللامكان، ولكن مع فرق أنني هنا فقدت هويتي»(284).

وتأخذه دروب اللجوء إلى اسطنبول، محطة أخرى في طريق الضياع والتيه، يعيش غربته وموته «لا تسعفه ذاكرته المثقوبة في التوازي والتألّق مع حواجز الغربة القسرية المؤلمة، لا أحد يبتسم في وجهه، لا الحجر، ولا الليل، كأنه جسد ميت مكفن بآلة صماء تحركه، تصم أذنية، تقتله في اليوم ألف مرة، وألف»(304)، وتبقى الغربة صحراء قاحلة، تجفف الروح، وتذبل القلب، فهو في غربته القسرية «يتلاشى كسمكة اصطادتها الشباك القذرة، ورمتها في البراري المتنوعة، ولا أحد يسمع صوت استغاثاتها، أو يرحم ضجيج اختناقاتها، أو آهاتها، ورغم ذلك، فإن قلبه يخفق بالحزن، والحنين، حين يرى أن البراري، والطرقات، توالدت أسماكًا تشبهه، تعاني مثله، وأكثر، كلها صارت خارج بحيراتها، وأنهارها، وبحارها، ولكنها ما زالت تبحث مثله عن الألغاز في بوتقة الأمل في الحياة، ولكن لا أحد يحس بها، كأن البحر أيضًا يموت، وأن البحيرات تجف، وأن الأنهار غيرت مجراها إلى قارات أخرى، ولم تعد تغني القبرات، أو تتراقص الحوريات حول الضفاف الخضراء، ولم تعد تترنم على أطراف الألسن الجافة غير بكائية (السمك البري)، وما أكثر الصور المتبادلة بين مناطق الفرقاء كافة، تلك التي تصله من هنا، وهناك»(305).

ولا حياة للمرء في غير وطنه، فالمنفى موت «تتدفق روح د.زين، في شوارع المنفى.. تشرد أفكاره في شتات السراب، لم يبق شيء من وجوده غير جسد يمشي، بترقب مذهل، ورأس مشبع بالمآسي، والتخيلات التي باتت تتعبه، تضنيه»(317).

تطارده ذاته المتشظية، تلاحقه كظله، تحاسبه، تقلق راحته، إنها هو  «حتى وإن لم يكن وهمًا أو ظلًا، إلا أنه دمرني، وأشعر بذلك لأنه هو نفسه يعاكسني، يطاردني، يسكن فيَّ كمجرى الدم في شراييني، أحس أنه يعرف عني كل شيء، أفكاري، وأحاسيسي، وذكرياتي، وأنه نسخة مني، يعرف بماذا أفكر، يعارضني، أو يواليني، يرتاح أو ينفر مني»(334).

وعندما يأتيه نبأ إحراق بيته ومكتبته العامرة في حلب، يشعر أن خسارته تتضاعف مرات ومرات، وأنه يتشظى آلاف المرات «يتشظى الجسد.. يحترق.. يتمزف كل ما فيه.. تتطاير الروح كدخان أسود في الاتجاهات كافة، تفور ينابيع الدموع، والقلب الحزين لا يستطيع أن يقاوم صفحات الألم المتتالية: (أحرقوا كتبي! كتبي أحرقوها! الأغبياء ماذا فعلت لهم الكتب؟ لماذا ينتقمون منها؟ الجهلة لم يعرفوا أنها وحدها هي من ستنير الطريق، وتضيء شموع المستقبل)، يحس بسكاكين الغدر تنغرز في رأسه، وتفقأ عينيه، إذ لا نبض، ولا خفوق، ولا ضوء ينير عتمة الجفون، أه هـ هـ… يا كتبي، وشهادات ميلادي، صوري وذكرياتي، ترابي ومائي، يتأوه، يخفي معاني الآه في صدره، يمتص سم القهر علقمًا، قاتلًا، يحس بغضب شديد، ولكنه لا يستطيع البوح بما حدث، تنساب في أذنيه أصوات الطبول، يثور، تتراقص في عينيه إيقاعات اللهب، والماء المقدس، فوق جمر الحروف والكتب، يرفض أن يستحيل إلى دخان في وادي الرماد، يقرر بحق السر الأعظم، باسم الحزن البريء كجفون الأطفال، ألا يصمت، وفي الأرض سنبلة خضراء» (342).

وفي لحظة فارقة، يترك فكرة الهجرة إلى أوروبا، ويعود أدراجه إلى حلب، يتخطفه الموت في الطريق، وتستقبله المجازر، ولكن حلب تستحق كل تضحيه، فإن يطأ ترابها من جديد، حلم لا يفارقه «وقد بدأ رحلته الجديدة، عابرًا البلاد، يحمل قلبًا يشع بالأمل المكسور، والترقب، والخوف من المصير المجهول، يتساءل بحرقة: (لماذا كلما حاولت أن أقيم في مكان ما، يغيبني المكان؟!)»(355)

وبعد؛؛؛ فإن «الخاتم الأعظم» على الرغم من أنها رواية صادمة، قاسية، موجعة، دامية، إلا أنها رواية مدهشة؛ لغة وسردًا، تميزت بقدرتها الفائقة على التصوير السينمائي، والمشهدية الحية، وتجسيد المعاناة، وإيلام القارئ ولطمه أحيانًا، إذ تضعه أمام كارثة إنسانية بشعة، لم تنته فصولها بعد.

ومما يجدر ذكره أن الروائي زياد كمال حمامي، قد نال العدد من الجوائز في القصة والرواية، وترجمت بعض أعماله، وحظيت بدراسات نقدية لافتة، وهو مدير عام شركة الأسطورة للإنتاج الفني الدرامي، وعضو مجلس إدارة المسرح العمالي بحلب، ورئيس لجنة قراءة النصوص، وعضو اتحاد الكتّاب العرب، والمندوب المفوّض في سورية لموسوعة (السرقات الأدبية والفكرية والتاريخية والفنية والأثرية).

أصدر حمامي أربع مجموعات قصصية: «سوق الغزل، 1987». «احتراق الحرف الأخير، 1989». «سجن العصافير، 1994».  «كلام .. ما لا .. يستطيع الكلام، 2011». وأربع روايات: «الظهور الأخير للجد العظيم، 1995». «نعش واحد وملايين الأموات، 2012». «الخاتم الأعظم، 2015». «قيامة البتول الأخيرة، 2018».

شاهد أيضاً

حواسك تخدعك وعالمك المرئي ليس كلّ الواقع

هناك ظواهر تحدث في العالم غير المرئي وهذا الواقع الخفي أوسع بكثير من العالم المرئي. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *