الرئيسية / خبر رئيسي / غسّان عبدالخالق وروايته “معجم القلوب”

غسّان عبدالخالق وروايته “معجم القلوب”

*عمر أبو الهيجاء

يواصل الناقد والقاص والمفكر الأردني الدكتور غسان عبدالخالق، اشتغاله في الفكر والأدب، وقد رفد المكتبة بالعديد من المؤلفات في القصة والرواية والفكر والفلسفة، والتي تعد مرجعاً مهماً للباحثين والطلبة. وضمن هذا السياق، صدر له حديثاً عن دار فضاءات للنشر والتوزيع بعمّان ، الرحلة الروائية الثانية للأكاديمي والكاتب الأردني غسان عبدالخالق بعنوان (معجم القلوب؛ الكوكب المنسي في رحلة ياقوت الحموي) في (170) صفحة من القطع المتوسط.

غلاف الرواية

الرحلة الروائية كتبت وفقاً لأدب السيرة الذاتية من منظور ياقوت الحموي، الذي وجّهها إلى صديقه المؤرخ ابن الأثير، وقد حاول الكاتب من خلالها مقاربة مأساة اختطاف ياقوت الحموي وهو في الخامسة من عمره وبيعه في سوق النخاسة ببغداد، وما أعقب ذلك من مفارقات تمثّلت بإقدام التاجر البغدادي (عسكر الحموي) على ابتياعه وتبنيه وتعليمه ثم إرساله للمتاجرة؛ ما جعل منه رحّالة ومثقّفاً جوّالاً، ثم إعتاقه؛ ما دفع به لاحتراف الوراقة والتطواف، في أرجاء الجزيرة العربية ومصر وبلاد الشام والعراق وإيران وخراسان، ثم اضطراره للفرار من (مرو) بعد أن طرقت مسامعه أنباء عن قرب اجتياح المغول لخوارزم، ومعاناته الشديدة طوال الطريق إلى الموصل ثم حلب التي أقام فيها حتى توفي.

وانطلاقاً من اعتراف عابر لياقوت الحموي أثناء إقامته في (نيسابور)، ينشئ الكاتب على لسان السارد قصة حب جارفة جمعته بالجارية (زمرّد)، مازجاً بعد ذلك، بين همه كمعتوق عاشق وهمه كرحّالة مثقف، وهمه كشاهد عيان على تدهور أحوال الدولة الأيوبية، وما تخلل هذا التدهور من مفاصل تاريخية حاسمة ودلالات حضارية فارقة، فضلاً عن استحضار العديد من مشاهد الحياة العامة؛ الشامية والمصرية.

وفيما عمل الكاتب على مركزة رحلته الروائية المسرودة، وفق تقنية السيرة الذاتية، حول علاقة ياقوت الحموي بزمرّد في نيسابور، وبالوزير القفطي في حلب، فإنه لم يدخر وسعاً للإفادة من التباس العلاقة بين الأخير والسارد، محاولاً العثور على إجابة مقنعة، طالما أجهد الباحثون أنفسهم للوصول إليها، من دون أن يغفل عن إبراز وجوه العلاقة المعقّدة، بالتالي، بين المثقف والسّلطة في كل زمان ومكان.

كما عمل الكاتب على استحضار لغة ياقوت الحموي ولغة عصره، من دون إغراق أو تصنّع، حرصاً منه على سلاسة تلقي القارئ. وراوح بين السرد المتدفق على لسان السارد، وتوظيف الوثيقة التاريخية والأدبية المستمدة من (معجم البلدان)، و(معجم الأدباء)، لإضفاء مزيد من الواقعية على (معجم القلوب).

وخلال لقائنا بالدكتور غسان عبدالخالق، جرى معه هذا الحوار حول روايته (معجم القلوب):

¯ د. غسان عبدالخالق.. ماذا عن حياة ومأساة ياقوت الحموي, وتدريسك لشخصية هذا الشاعر والمفكر؟

– مأساة اختطاف ياقوت وهو طفل صغير ثم بيعه في سوق الرقيق ببغداد ، لازمني التفكير بها سنوات طوالاً، خاصة بعد أن صرت ملزماً بتدريس حياته وكتبه لطلابي في مساق (مكتبات ومعاجم). 

وطالما استرعيت انتباه طلابي للفرق بين الإنسان الذي يوجه آلامه باتجاه إيجابي مثل ياقوت، الذي صار أحد أبرز أعلام الثقافة العربية، برغم كل الظروف التي حفّت به، وملايين الناس الذين تحالفوا مع ظروفهم الرديئة ضد أنفسهم، فلم يسمع بهم أحد، كان لا بد لي من تدوين هذه المأساة من منظوري الخاص، حتى أتخلص من وقعها في وجداني وأضعها خلفي.

ومما زاد من حماستي لكتابة (معجم القلوب)، إعجابي بموسوعية وثقافة ياقوت الحموي؛ فهو شاعر وناثر وجغرافي ومؤرخ وأديب ومفكر ورحالة. وهذا هو المجال الحيوي الذي أحب أن أتحرك فيه، لأنني كنت ومازلت من دعاة الثقافة العابرة للتخصصات. ومن يطالع إرث ياقوت، لا يملك إلا أن يعجب بالبنية التركيبية المعقدة في تحصيله المعرفي.

¯ برأيك ما هو اللافت في شخصية ياقوت الحموي التاريخية؟

– أخطر ما في شخصية ياقوت الحموي، أنه شاهد عيان على تلك الحقبة التاريخية الفاصلة بين الهجمة الصليبية الشرسة والاجتياح المغولي الغاشم للشرق الإسلامي العربي. وهي حقبة تعج بالكثير من الأسرار والمفارقات المدهشة؛ فكم عدد الذين يعرفون مثلاً حقيقة أن الخليفة العباسي الذي لم يحتمل تمرد سلطان خوارزم عليه فبعث رسالة لجنكيز خان كي يحرضه على معاقبة الخوارزميين، هو قادح شرارة الهجوم المغولي على الشرق؟! وكم عدد الذين يعرفون أن الجهد الذي بذله صلاح الدين الأيوبي لمحاصرة المؤامرات الداخلية، يساوي أضعاف أضعاف الجهد الذي بذله لتحرير القدس؟!

¯ تمارس التدريس في الجامعة والنقد الأدبي والإبداع، ماذا عن هذا التنوع الإبداعي؟

– الجمع بين التدريس الأكاديمي والنقد الثقافي والإبداع الأدبي، صار توليفة معتادة في المشهد الثقافي العالمي؛ ففي ظل التنوع والتداخل البالغ في أشكال ومضامين الخطاب الثقافي، تغدو الحاجة ماسة جداً لامتلاك العديد من وسائل التعبير، شريطة التضلّع بها. طالما فتنت بأدب الرحلات وأدب السيرة الذاتية من منظور فلسفي، وقد وفرت لي سيرة ياقوت الحموي فرصة ذهبية لكتابة رواية حلمت بها دائماً.

(عن الشارقة الثقافية)

شاهد أيضاً

 تودوروف و سيرولنيك : مامعنى الشر؟

                              …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *