الرئيسية / مقالات / العالم الذي استيقظنا عليه 

العالم الذي استيقظنا عليه 

ثقافات-

*راشد الخمايسة

تَستيقظ، أنه العام 2020، أنتَ لم تَكُن نائمًا أصلًا لكنك الآن تشعر كمن استيقظ من حُلمٍ طويل، أستيقظ ليسَ على الواقع، بل على كابوس.

هل هذا هو العالم الذي أردته؟ تسأل نفسك، وتعود بالذاكرة إلى القرن المنصرم، القرن العشرين… قرن الحربين العالميتين والفاشية والنازية والقنابل النووية الأمريكية، ثم انتهاء الحرب وتربع أمريكا على عرش أبوة العالم لتتصرف وكأنها الراعي الأول للجميع في إسطبل الكرة الأرضية هذا، ثم جاءت الحرب الباردة وانهار الاتحاد السوفييتي من رأسه، ثم حرب الخليج… كل هذه الأحداث وما تخللها من أحداث أخرى… وعلى جانب آخر من العالم، أنه قرن “البيتلز” و “ألفيس بريسلي” و “ستار وورز” وعبد الحليم وكل كل تلكَ الأمور التي شكلت الثقافة الشعبية آن ذاك…

تضع قدميك على الأرض وأنت جالس على حافة السرير، تفرك عينيك وأنها المرة المليون ربما (؟) لم تحظ بنومٍ كاف، وباتَ الأمر هكذا… وتقبلت مسألة أن النوم لثمان ساعات أصبحَ جزءًا من الماضي، عندما كُنتَ صغيرًا وتنام على الكنبة لتصحو في اليوم التالي على سرير… لا أحد يحملك الآن إلى أي مكان، عليكَ القيام بكل شيء بنفسك… تضع نظاراتك وبالطبع تتفقد هاتفك لتقرأ الإشعارات:

عاجل: تسجيل 100 إصابة جديدة بفيروس كورونا في فرنسا.

عاجل: ارتفاع وفيات فيروس كورونا في إيطاليا إلى 200.

عاجل: هبوط حاد في أسعار النفط.

عاجل: عزل 3 مدن صينية.

عاجل: تفجير انتحاري.

عاجل: قصف جوي.

تتنهد وتفرك عينيك من تحت النظارة وتتساءل “هل هذا ما أصبح عليه العالم؟” تعود بك الذاكرة إلى فترة الثمانينات… كان العالم وقتها في حالة تَوَهُّج وتفكير بالمستقبل فقط، كانت سنة 2020 بعيدة كَبُعد المجرات عنا، كان الجميع في حالة من الحماس نحو وعود المستقبل في كل مجالات الحياة، والعالم كان أكثر سعادة بعد التخلص من رموز الشمولية والنازية والفاشية وظننا أنه أخيرًا قد قطعت البشرية تلك الخطوة الأكبر نحو المزيد من التحضر، بيل غيتس قدم لنا الكومبيوترات وصار كل مكتب عليه صندوق ذو شاشة فضية، ولم نعد نكتب الرسائل ونضعها في مغلفات بل أصبحنا نقوم بذلك على أجهزة مستطيلة ذات أزرار كثيرة، تخيل حماس البشرية في ذلك الوقت… كل هذا يبدو بسيطًا جدًا الآن مقابل كُل ما تمَ اختراعه واكتشافه…

في المطبخ تقوم بإعداد القهوة، كل يوم يقوم البشر بإعداد 2.25 مليار فنجان قهوة، والبقية يقومون بإعداد الشاي…  الكافيين هو إدمان القرن الحادي والعشرين المقبول اجتماعيًا والمُروج له تسويقيًا… كل يوم تشاهد الناس يركضون وهم يحملون أكواب القهوة، تفكر كيف أنه هُناك المليارات مثلك مما لم يحظوا بساعاتِ نومٍ كافية، وأتفق الجميع أنَّ الكافيين هو الحل…

تقف على البلكونة، لا شيء تراه… كنتُ قادرًا على رؤية بعض المساحات الشاسعة والمفتوحة أمامك لكن هذا قبل أن يقرر الجيران بناء ثلاثة طوابق دفعة واحدة، ليسرقوا منكَ الشمس والأفق، كل ما تراه الآن هو أحجارًا صمّاء وأطباق الستالايت تتدلى من النوافذ للقاطنين الجدد، وبعض الملابس الداخلية المُعلقة لكي تجف… تتنهد ثم تلعن الثورة الصناعية في داخلك، تشعل سيجارة وتتذكر كيفَ أنه في مرة ما أردت فقط بيتًا ريفيا، زوجة صالحة، وبقرتين… لم ترغب في كل هذا، لم ترغب بوظيفة من 9 ساعات و لم ترغب بتلك الكذبة التي يسمونها “كاريـــــــيــــــــر”، و التقيد باللباس الواجب ارتداءه في العمل، والتعامل مع الزبائن الحمقى… فجأة اكتشفت انك في الواقع مدفوع ومجبر على كل هذا…وأنه بكل تلك البساطة عليك أن تتسلق “السلم الإداري” إذا أردت أن تعيش حياةً كريمة، عدا ذلك فأنت واهم…

 

يخطفك الحنين إلى التسعينات… كنتَ في المدرسة، مبهورًا بكومبيوتر الدوس، تمضي وقتك تلعب “سوبر ماريو” على “الاتاري”، وفي العطلة الصيفية تجوب الشوارع على متن دراجتك الهوائية ذات العجلات الملونة… وأكبر المصائب تكمن في سقوطك وعودتك إلى المنزل بجراح على الركبتين، كانت لسعات هذه الجراح أهون من كل هذا الهراء الذي تعيشه الآن، تلك الحقبة عندما كان المناخ “معتدلًا” وكان الشتاء كريمًا بثلوجه وكان تعطيل المدارس لهُ طَعمٌ آخر، أما التلفاز فكان عليه ثلاث محطاتٍ فقط، وكان هُناك الكثير الكثير لتشاهده، كان اليوم حقًا أربعة وعشرين ساعة، كانت الفصول منتظمة ولا تتداخل على بعضها البعض، كانت الشمس أكثر صفاءً والقمر فضيًا بحق…

لم يكن هُناك الكثير لنعرفه، لم يكن هُناك إشعارات كثيرة، وأخبار عاجلة من بلدان لم نسمع بها قط، لم تكن غارقًا بمعلومات لا تهمك والآن أصبحت تحتل خلايا دماغك، كان الواحد بإمكانه أن يختار عدم المشاركة بسلام…

في السيارة مُتجهًا إلى العمل، تبدأ أزمة السير الخانقة بعد كيلو واحد من بيتك، وتبدأ بسمفونية الشتائم اليومية، وتشعر بالضيق وانعدام الخصوصية حتى داخل سيارتك… تغلق النوافذ وتفكر بما آلت إليه الحياة… وكيف صارت الأمور بهذا التعقيد… تتساءل من الذي قرر كل هذا؟ … المدن، هي مصدر التعاسة، المدن ذات العمارة البشعة والمباني المتراصة والغرف على شكل مكعبات، والمكاتب الخانقة والشوارع المحطمة… تحسد سكان الأرياف على امتلاكهم للأفق الذي سرقته ناطحات السحاب من المدينة، وتحسدهم على الهدوء في الصباح الذي انقرض في المدينة بسبب أبواق السيارات والباعة المتجولين والأطفال منسيين في الشوارع…

في المكتب يقابلك المدير بابتسامة تهكمية، بإمكانك أن تلاحظ من تعابير وجهه أنه يبحث عن امرٍ ما حتى يوبخك عليه… مهما كان تافهًا، عليه أن يفعل ذلك، فمفهوم الإدارة لدينا يتقاطع مع مفهوم الحقارة، تنظر من نافذة المكتب على السيارات أسفلك، الجميع في عجلة، فجأة صار الوقت ضيقًا والساعة تركض والزمن يتسارع والحياة لا تتوقف والأضواء لا تنطفئ والمدن لا تنام والليل يسبق النهار… فوضى في فوضى، وبشر يركضون طوال الوقت نحو شيءٍ لا يعرفون ماهيته، الجميع يقود سيارته بسرعة والمشاة إلى الأمام فقط بصرامة، ولا يحد ينظر إلى السماء… باتت الحياة ماراثونًا طويلًا لا نرى خط نهايته، وأصبح الرزق رابتًا، والوظيفة صارت كل ما يحدد هوياتنا والمدير جنرال والشركات ساحات حرب تنافسية على الترقيات، والرماح أصبحت صواريخ والمنجنيق صارَ مدفعًا والسيف بندقية… نحن لم نصل إلى ما يمكن تسميته إلى “حضارة” بعد، البشر ما زالوا مدفوعين بالغرائز البدائية ذاتها وما حصل أنها تنكرت بأشكال أخرى ومسميات جديدة مثل “الموظف المثالي” و “شخصية وطنية” و “جندي شجاع”، وما زلنا نتنافس بضراوة لكن بدل الطرائد أصبح هُناك وظائف محدودة…

أصبح كل شيء بثمن، والمال هو كل شيء، لا تملك المال فأنت لا تملك شيئا، والتسويق أصبح يشمل كل شيء، كل شيء من الممكن أن يوضع عليه “باركود” ويُباع حتى كرامة الإنسان… والمنتجات باتت تملأ البيوت، منتجات لا تنتهي بكل الأشكال والأحجام… نحن نعيش في أكبر حقبة صناعية في تاريخنا الصغير، كل شيء معلب ومقولب وموضوع في صناديق من الكرتون ويمكن تخزينه لفترة طويلة وتسخينه في المايكرويف، لدينا شاشات عريضة وواضحة ثلاثية الأبعاد وتشعر أن المذيع يجلس في بيتك، لدينا هواتف محمولة اذكى منّا، لدينا أطعمة مليئة بالمواد الحافظة والمسرطنة والمشروبات الغازية المنعشة والناخرة للعظام ولدينا مشروبات كحولية تجعلك تسافر لبعدٍ آخر.

 

لدينا حبوب وعقاقير لكل شيء، كل شيء…

حبوب للنوم وأخرى نبقى مستيقظين، حبوب للتركيز وأخرى للحصول على الطاقة، حبوب للاكتئاب والوسواس القهري والأرق والصداع وحرقة المعدة وآلام العضلات والمفاصل. لدينا حبوب للكوليسترول وأخرى لمنع الحمل. لدينا حبوب للتسلية للأكل فحسب.

لدينا كل شيء، لا شيء ينقصنا لكن رغم ذلك تشعر أننا كلما مضينا نحو المستقبل زاد انسلاخنا عن الطبيعة. لدينا شرائح رقمية توضع بين اللحم والعظم. أننا شيئاً فشيئاً نسير نحول التحول لآلات وتبدأ رحلة الخلود المملة التي لا أرى أقسى منها عذابًا.

إنه العالم الذي استيقظنا عليه… ليسَ سيارات طائرة ورحلات سياحية إلى المريخ والقمر ولا كوكب بلا جوع وفقر، عالم يعمه السلام وتسكنه كائنات متحضرة ومتفوقة على غرائزها، أنه أبعد من أي شيء جيد كُنا قد تأملنا حدوثه… هذا ما استيقظنا عليه، رأسمالية متأخرة، نيو-ليبرالية تبيعنا الأكسجين، مصير البشرية جمعاء في يد بعض الحمقى، مجاعات وحروب ونزوح وصواريخ… ومشاهير أغبياء ورجال دين فاسدون وفن هابط وموسيقى مزعجة وروتين قاتل ووظيفة متعبة وأزمات سيرٍ خانقة…

تعود إلى سريرك في نهاية اليوم، تسافر إلى ذلك البيت الريفي والزوجة الصالحة والبقرتين في خيالك… وتغفو هربًا من المنبّه.

  • كاتب من الأردن

 

شاهد أيضاً

الفيلسوف و البكتيريا

عمر البوغانمي لكل فيلسوف ولع بحيوان معين يكرر ذكره في مؤلفاته أو يرتبط لدى قرائه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *